منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بريطانيا وطالبو اللجوء.. من سياسة رواندا إلى الحماية المؤقتة والردع الداخلي

28 يونيو 2026
بريطانيا أقرت قانون أمن الحدود واللجوء والهجرة عام 2025
بريطانيا أقرت قانون أمن الحدود واللجوء والهجرة عام 2025

شهدت سياسات بريطانيا تجاه طالبي اللجوء خلال الأعوام الأخيرة تحولاً حاداً من نموذج يقوم على الترحيل الخارجي والردع عبر “خطة رواندا”، إلى نموذج جديد يركز على تشديد الحماية المؤقتة، وتسريع القرارات، وزيادة العودة والاحتجاز، وتقييد بعض الحقوق المرتبطة بالاستقرار ولمّ الشمل.

وجاء هذا التحول بعد سنوات من الجدل القانوني والحقوقي حول قانون الهجرة غير النظامية لعام 2023، وقانون سلامة رواندا لعام 2024، وهما الإطاران اللذان تعرضا لانتقادات واسعة من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات حقوقية، بسبب ما اعتبرته مساساً بالحق في طلب اللجوء ومبدأ عدم الإعادة القسرية.

ومع وصول الحكومة الجديدة، اتجهت لندن إلى إلغاء أو تعطيل أجزاء أساسية من منظومة رواندا، وإعادة معالجة طلبات اللجوء داخل بريطانيا، لكنها في المقابل تبنت خطاباً أكثر تشدداً في إدارة الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، وتقليل ما تعده “عوامل جذب” داخل نظام اللجوء.

طالبو اللجوء في بريطانيا

وتظهر أحدث بيانات وزارة الداخلية البريطانية أن 94 ألف شخص تقدموا بطلبات لجوء في السنة المنتهية في مارس 2026، بانخفاض 12% عن العام السابق، في حين وصل أكثر من نصف طالبي اللجوء عبر طرق دخول غير نظامية، في مقدمتها القوارب الصغيرة عبر القنال الإنجليزي.

ورغم تراجع عدد الطلبات مقارنة بالعام السابق، لا تزال الأرقام أعلى من مستويات ما قبل عام 2021، وهو ما جعل ملف اللجوء في قلب النقاش السياسي البريطاني، خصوصاً مع استمرار عبور القوارب الصغيرة، وضغط تكاليف الإقامة، وتزايد الجدل حول العلاقة بين حماية اللاجئين وأمن الحدود.

وتسعى الحكومة إلى إظهار أنها انتقلت من سياسة “الترحيل الرمزي” إلى سياسة “الضبط العملي”، عبر زيادة القرارات الأولية في ملفات اللجوء، وخفض تراكم الطلبات، وتوسيع عمليات العودة لمن رُفضت طلباتهم، وتعزيز سلطات إنفاذ القانون في مواجهة شبكات التهريب.

لكن المنظمات الحقوقية ترى أن هذا التحول لا يعني بالضرورة عودة إلى سياسة أكثر إنسانية، بل يمثل انتقالاً من الردع الخارجي إلى الردع الداخلي، من خلال تقليص مدة الحماية، وإطالة الطريق إلى الإقامة الدائمة، وتقييد لمّ الشمل، وربط الدعم العام والسكن والسماح بالاستقرار بشروط أكثر صرامة.

حماية مؤقتة لللاجئين

وفي مارس 2026 أعلنت الحكومة البريطانية أن حماية اللاجئين ستصبح مؤقتة وقابلة للمراجعة كل 30 شهراً للبالغين الذين يتقدمون بطلب لجوء من ذلك التاريخ، بدلاً من نظام سابق كان يمنح اللاجئ خمس سنوات حماية قبل إمكانية التقدم للإقامة الدائمة.

وبموجب هذا التوجه، يحصل من تثبت حاجته للحماية على إقامة مؤقتة قابلة للتجديد إذا استمر الخطر في بلده الأصلي، في حين يصبح معرضاً للعودة إذا رأت السلطات أن بلده بات آمناً. كما طرحت الحكومة مساراً أطول نحو الإقامة الدائمة قد يمتد إلى 20 عاماً في بعض الحالات، بدلاً من خمس سنوات.

وتثير هذه النقطة قلقاً خاصاً لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التي تؤكد أن السلامة لا تعني مجرد منح وضع قانوني قصير، بل تحتاج إلى استقرار يمكن اللاجئين من إعادة بناء حياتهم ولمّ شمل أسرهم والاندماج في المجتمع.

وترى المفوضية أن ترتيبات الإقامة القصيرة والقيود المشددة على لمّ الشمل قد تخلق حالة طويلة من عدم اليقين وتضعف الاندماج والتماسك الاجتماعي.

وقف لمّ شمل أسر اللاجئين

وفي ملف لمّ الشمل، أوقفت الحكومة البريطانية مؤقتاً مسار لمّ شمل أسر اللاجئين في سبتمبر 2025، مع التوجه إلى استبداله بقواعد أشد صرامة.

ويعني ذلك أن اللاجئين الذين كانوا يستطيعون سابقاً التقدم لجلب الزوج أو الزوجة والأطفال القصر أصبحوا مطالبين باستخدام قواعد عائلية أضيق وأكثر تكلفة، أو انتظار قواعد جديدة قد ترتبط بالعمل والدخل والاندماج.

وترى منظمة العفو الدولية أن هذه الإصلاحات تقوض حقوق اللاجئين؛ لأنها تربط الحماية الإنسانية بمعايير استقرار اقتصادي واجتماعي قد لا يستطيع كثير من الفارين من الحرب والاضطهاد الوفاء بها في السنوات الأولى لوصولهم.

وعلى مستوى إنفاذ الحدود، أقرّت بريطانيا قانون أمن الحدود واللجوء والهجرة لعام 2025 الذي يمنح السلطات صلاحيات جديدة لملاحقة شبكات التهريب، وتوسيع أدوات ضبط الحدود، وتعزيز تبادل البيانات، وتقول الحكومة إن الهدف هو الحد من العبور غير النظامي وتقليل الوفيات في القنال الإنجليزي.

معاقبة طالبي اللجوء

غير أن منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، حذرت من أن النهج العقابي قد يؤدي إلى تجريم أو معاقبة طالبي اللجوء أنفسهم، بدلاً من حصر المسؤولية في شبكات الجريمة المنظمة، خاصة عندما تكون الطرق الآمنة والقانونية محدودة أمام من يحتاجون إلى الحماية.

وتظل القوارب الصغيرة عنواناً مركزياً للأزمة. فقد سجلت بريطانيا 43,806 حالات دخول عبر طرق غير نظامية في السنة المنتهية في مارس 2026، شكلت القوارب الصغيرة 90% منها.

وأظهرت البيانات أن 95% ممن وصلوا بالقوارب الصغيرة منذ 2018 تقدموا بطلبات لجوء، وهو ما يكشف أن المسألة ليست هجرة اقتصادية فقط، بل مرتبطة أيضاً بغياب مسارات آمنة وكافية للوصول إلى الحماية.

وفي المقابل، تعلن الحكومة أنها ستوسع ما تسميه “الطرق الآمنة والقانونية”، لكن مع وضع سقوف سنوية وربطها بقدرة المجتمعات المحلية على الاستقبال.

وتشمل التصورات الجديدة توسيع دور الرعاية المجتمعية، ومسارات محدودة للاجئين الطلاب واللاجئين ذوي المهارات، مع استمرار الاعتماد على الإحالات الدولية، خاصة عبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

مشكلة إيواء اللاجئين

وتبقى مشكلة الإيواء من أكثر ملفات اللجوء حساسية، فقد بلغ عدد من يتلقون دعماً حكومياً في نظام اللجوء 97,519 شخصاً بنهاية مارس 2026، بينهم 20,885 في الفنادق.

ورغم انخفاض الاعتماد على الفنادق مقارنة بذروة سبتمبر 2023، فإن تقارير برلمانية وحقوقية ترى أن النظام لا يزال مكلفاً ويفتقر إلى استراتيجية طويلة الأمد.

وتنتقد منظمات حقوقية وخيرية استمرار استخدام الفنادق والمواقع الكبيرة والمعسكرات أو القواعد العسكرية السابقة لإيواء طالبي اللجوء، معتبرة أن هذه الأماكن قد تعزل الأشخاص عن الخدمات القانونية والصحية والتعليمية، وتزيد الضغط النفسي، وتؤخر الاندماج، خصوصاً بالنسبة للفئات الضعيفة والأطفال.

كما يثير استخدام الاحتجاز مخاوف حقوقية متجددة. فقد دخل 22,586 شخصاً مراكز احتجاز الهجرة خلال السنة المنتهية في مارس 2026، بزيادة 7% عن العام السابق، في اتجاه تصاعدي منذ 2023.

وتربط الحكومة ذلك بتسهيل عمليات العودة، في حين تحذر منظمات حقوقية من أن الاحتجاز يجب أن يكون إجراءً أخيراً ومحدوداً وضرورياً ومتناسباً في كل حالة فردية.

تقييم أعمار طالبي اللجوء

وفي ملف الأطفال، تصاعدت المخاوف بشأن تقييم أعمار طالبي اللجوء القُصّر، إذ أظهرت بيانات وزارة الداخلية أن 6,400 شخص خضعوا لتقييم العمر للمرة الأولى في السنة المنتهية في مارس 2026، وأن 17% ممن اعتُبروا بالغين في التقييم الأول بين يوليو وديسمبر 2025 ثبت لاحقاً أنهم أطفال.

وتعد منظمات حماية الطفل الخطأ في هذا الملف قد يؤدي إلى وضع أطفال في بيئات غير مناسبة أو معاملتهم بوصفهم بالغين في نظام الهجرة.

وانتقدت مفوضة الأطفال في إنجلترا مقترحات سحب الدعم من الأسر التي رُفضت طلبات لجوئها، وطالبت الحكومة بنشر بيانات واضحة عن عدد الأطفال الذين قد يتأثرون بهذه الخطط، محذرة من أن أي سياسة للهجرة يجب أن تراعي مصلحة الطفل الفضلى بغض النظر عن وضع الأسرة القانوني.

معادلة شديدة التعقيد

تكشف هذه المؤشرات أن السياسة البريطانية الحالية تقوم على معادلة شديدة التعقيد.. خفض أعداد العبور غير النظامي، وتسريع القرارات، وزيادة العودة، مقابل الحفاظ على التزامات الحماية الدولية.

لكن الخلاف الجوهري لا يزال قائماً حول ما إذا كانت هذه الإجراءات تعالج جذور الأزمة، أم تدفع طالبي اللجوء إلى مزيد من الهشاشة والخوف والانتظار الطويل.

وتخلص التقارير الأممية والحقوقية الحديثة إلى أن التحدي الأكبر أمام بريطانيا لا يتمثل فقط في ضبط الحدود، بل في بناء نظام لجوء عادل وفعال وإنساني، يضمن فحص الطلبات بسرعة ودقة، ويوفر طرقاً آمنة للحماية، ويحمي الأطفال والفئات الهشة، ولا يحول اللجوء إلى حالة مؤقتة ممتدة بلا استقرار.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print