شهد ملف احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة تطوراً جديداً بعد أن دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى فتح تحقيقات مستقلة في الوفيات التي وقعت داخل مراكز احتجاز وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية، مؤكداً ضرورة محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات للقانون وضمان حصول أسر الضحايا على الحقيقة والعدالة والتعويض، إلى جانب اتخاذ إجراءات تمنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.
تصريحات تورك جاءت بالتزامن مع مراجعة يجريها مفتش عام وزارة الأمن الداخلي الأمريكية لملفات وفيات المحتجزين خلال السنوات الأخيرة، في خطوة تستهدف تقييم الظروف التي أحاطت بهذه الحالات والوقوف على أي أوجه قصور أو ممارسات مؤسسية ربما أسهمت في وقوعها، حسبما ذكرت وكالة رويترز.
مراجعة رسمية للوفيات
وأوضحت الهيئة الرقابية التابعة لوزارة الأمن الداخلي، عبر إشعار منشور على موقعها الإلكتروني، أن المراجعة تشمل الوفيات التي سُجلت داخل مرافق احتجاز وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك خلال الفترة الممتدة من الأول من أكتوبر 2021 وحتى الحادي والثلاثين من مارس 2026. وتركز المراجعة على تحديد ما إذا كانت هناك سياسات أو إجراءات أو عوامل منهجية أسهمت في وفاة المحتجزين أثناء وجودهم داخل تلك المرافق.
وأكد فولكر تورك أن التحقيقات المستقلة تمثل خطوة ضرورية لضمان احترام سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان، مشدداً على أهمية الكشف عن جميع الحقائق المرتبطة بهذه الوفيات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي انتهاكات، مع توفير الإنصاف الكامل لأسر الضحايا.
أرقام تثير القلق
واستند مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى بيانات حكومية أمريكية أظهرت وفاة 18 محتجزاً داخل مراكز الاحتجاز خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، قبل تسجيل حالة وفاة إضافية خلال شهر يونيو. كما صنفت السلطات الأمريكية خمس حالات وفاة خلال العام الحالي على أنها حالات انتحار، وهو ما زاد من المخاوف بشأن أوضاع المحتجزين وظروف احتجازهم.
وأشارت البيانات إلى أن إجمالي الوفيات داخل مراكز الاحتجاز بلغ 33 حالة خلال عام 2025، وهو العام الذي شهد تصعيداً ملحوظاً في إجراءات الترحيل الجماعي عقب بدء إدارة الرئيس دونالد ترامب تنفيذ سياسة أكثر تشدداً في ملف الهجرة منذ يناير من ذلك العام.
موقف الحكومة الأمريكية
في المقابل، أكدت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية التزامها بتوفير بيئة آمنة وإنسانية داخل مراكز الاحتجاز، موضحة أنها تعمل على تقديم الرعاية الطبية اللازمة لجميع المحتجزين، مع الالتزام بالمعايير المعتمدة لإدارة تلك المنشآت.
وتحتل وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك موقعاً محورياً في تنفيذ سياسة الإدارة الأمريكية الخاصة بالهجرة، إذ تضطلع بمسؤولية احتجاز وترحيل المهاجرين المخالفين لقوانين الإقامة. وتواجه هذه السياسة انتقادات متكررة من منظمات حقوق الإنسان التي ترى أن بعض الإجراءات المتبعة تمس حقوق المحتجزين، ومنها الحق في الإجراءات القانونية الواجبة وحرية التعبير.
في المقابل، يدافع الرئيس دونالد ترامب وأنصاره عن هذه السياسة، مؤكدين أنها تستهدف الحد من الهجرة غير الشرعية، وتعزيز أمن الحدود، وحماية الأمن الداخلي، مع تطبيق قوانين الهجرة بصورة أكثر صرامة.
ارتفاع أعداد المحتجزين
وكشف مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن عدد المحتجزين داخل مرافق وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك تجاوز حالياً 60 ألف شخص، بعدما كان يقترب من 40 ألف محتجز فقط في بداية عام 2025، وهو ما يعكس توسع عمليات الاحتجاز خلال الفترة الأخيرة.
كما أظهر تحليل للبيانات الرسمية أن معدل الوفيات داخل مرافق احتجاز الهجرة بلغ حالة وفاة واحدة سنوياً لكل 3848 محتجزاً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2009 و2024، اعتماداً على متوسط أعداد المحتجزين اليومية.
غير أن البيانات الأولية الخاصة بالفترة التي أعقبت عودة ترامب إلى البيت الأبيض تشير إلى ارتفاع هذا المعدل بصورة ملحوظة، ليصل إلى نحو حالة وفاة واحدة لكل 1630 محتجزاً حتى أوائل يونيو 2026، وهو ما يعزز المطالب بإجراء مراجعات شاملة لظروف الاحتجاز ومستوى الرعاية الصحية وآليات الرقابة داخل هذه المراكز.
تعد وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية الجهة الفيدرالية المسؤولة عن تنفيذ قوانين الهجرة داخل الولايات المتحدة، وتشرف على احتجاز الأجانب المخالفين تمهيداً لترحيلهم أو استكمال إجراءاتهم القانونية. وخلال السنوات الماضية، واجهت الوكالة انتقادات متكررة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية بسبب أوضاع بعض مراكز الاحتجاز، ومستوى الرعاية الطبية، وطول فترات الاحتجاز، إضافة إلى تزايد أعداد المحتجزين مع تشديد سياسات الهجرة. وفي المقابل، تؤكد السلطات الأمريكية أن هذه المراكز تخضع لإجراءات رقابية وتلتزم بتوفير الخدمات الأساسية والرعاية الصحية، مع استمرار التحقيق في أي حوادث أو وفيات تقع داخلها لضمان الالتزام بالقوانين والمعايير المعمول بها.
