منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين بجنيف

النزوح الداخلي يتصدر أجندة مجلس حقوق الإنسان.. دعوات دولية لتعزيز المساءلة ومنع التهجير القسري وربط إعادة الإعمار بالحلول الدائمة

26 يونيو 2026
من فعاليات الدورة 62 بمجلس حقوق الإنسان
من فعاليات الدورة 62 بمجلس حقوق الإنسان

لم يعد النزوح الداخلي مجرد نتيجة جانبية للنزاعات المسلحة أو الكوارث الطبيعية، بل تحول إلى واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، مع تسجيل أعداد غير مسبوقة من الأشخاص الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم دون عبور الحدود الدولية. وبينما تتداخل النزاعات المسلحة مع تداعيات تغير المناخ والانهيارات الاقتصادية، تتزايد الضغوط على الحكومات والمنظمات الدولية لإيجاد حلول تتجاوز الاستجابة الإنسانية الطارئة نحو معالجة الأسباب الجذرية للنزوح وضمان عودة آمنة وكريمة للمتضررين.

وضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المنعقدة في جنيف، ناقش المجلس خلال حوار تفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً، باولا غافيريا بيتانكور، تقريراً تناول العلاقة بين النزوح الداخلي والقانون الدولي الإنساني، في ظل الارتفاع القياسي لأعداد النازحين حول العالم واستمرار النزاعات المسلحة في عدد من المناطق، وفي مقدمتها السودان وقطاع غزة وأوكرانيا. وشهدت الجلسة مداخلات من عشرات الدول والمنظمات الدولية التي أجمعت على أن احترام القانون الدولي الإنساني يمثل الركيزة الأساسية لمنع النزوح القسري وضمان حماية المدنيين.

أرقام غير مسبوقة

تعكس أحدث البيانات الدولية حجم الأزمة المتفاقمة. ووفق مركز رصد النزوح الداخلي (IDMC)، بلغ عدد النازحين داخلياً حول العالم أكثر من 83 مليون شخص بنهاية عام 2024، وهو أعلى رقم يتم تسجيله منذ بدء رصد الظاهرة، مقارنة بنحو 75.9 مليون شخص في نهاية عام 2023. ويعود هذا الارتفاع إلى استمرار النزاعات المسلحة واتساع رقعة الكوارث المرتبطة بالمناخ، إلى جانب تزايد العنف الداخلي في عدد من الدول.

وتشير البيانات إلى أن النزاعات المسلحة ما زالت المحرك الرئيسي للنزوح طويل الأمد، بينما باتت الكوارث الطبيعية، ولا سيما الفيضانات والجفاف والأعاصير، سبباً رئيسياً في تسجيل ملايين حالات النزوح الجديدة سنوياً. وتحذر الأمم المتحدة من أن كثيراً من النازحين يتعرضون للنزوح أكثر من مرة، ما يجعل الأزمة أكثر تعقيداً ويزيد من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على الدول المضيفة والمجتمعات المحلية.

وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) أن النازحين داخلياً يشكلون الفئة الأكبر بين الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار من منازلهم، إلا أنهم يظلون داخل حدود بلدانهم، وهو ما يجعل مسؤولية حمايتهم تقع بالدرجة الأولى على عاتق الحكومات الوطنية، مع ضرورة توفير دعم دولي يضمن احترام حقوقهم الأساسية.

 القانون الدولي الإنساني في قلب النقاش

ركز تقرير المقررة الخاصة على أن تراجع احترام قواعد القانون الدولي الإنساني خلال السنوات الأخيرة ساهم بصورة مباشرة في زيادة أعداد النازحين داخلياً، مشيراً إلى أن استهداف المدنيين، وتدمير البنية التحتية، والهجمات على المستشفيات والمدارس، وفرض القيود على وصول المساعدات الإنسانية، جميعها عوامل تؤدي إلى موجات نزوح واسعة، وتعرقل في الوقت ذاته فرص العودة الطوعية أو إعادة التوطين.

وأكد التقرير أن القانون الدولي الإنساني لا يقتصر على تنظيم سلوك أطراف النزاعات المسلحة، بل يمثل أيضاً أداة وقائية لمنع النزوح قبل وقوعه، إذ يفرض على جميع الأطراف احترام مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وحظر الهجمات العشوائية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومنع التهجير القسري إلا في ظروف استثنائية ومحددة بدقة.

ورأت المقررة الخاصة أن احترام هذه المبادئ لا يحمي المدنيين فحسب، وإنما يحد أيضاً من الكلفة الاقتصادية والإنسانية للنزاعات، ويهيئ الظروف اللازمة لإعادة الإعمار وتحقيق السلام المستدام.

 الوقاية بدلاً من إدارة الأزمات

إحدى أبرز الرسائل التي تكررت خلال الجلسة تمثلت في ضرورة الانتقال من سياسة إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى سياسات الوقاية من النزوح. وأكدت المقررة الخاصة أن منع النزوح أقل تكلفة بكثير من التعامل مع تداعياته الإنسانية والاقتصادية، مشيرة إلى أن احترام القانون الدولي الإنساني، والاستثمار في بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، كلها عوامل تحد من احتمالات التهجير القسري.

كما شددت على أن الوقاية لا تقتصر على النزاعات المسلحة، وإنما تشمل أيضاً تعزيز القدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية، من خلال خطط وطنية لإدارة المخاطر، وأنظمة الإنذار المبكر، وتحسين التخطيط العمراني، بما يقلل من تعرض المجتمعات المحلية للنزوح المتكرر.

وفي السياق ذاته، اعتبر عدد من الوفود أن الحلول الدائمة لا تبدأ بعد انتهاء النزاع، بل يجب التخطيط لها منذ المراحل الأولى للأزمة، عبر حماية الممتلكات والوثائق الرسمية، والحفاظ على الروابط المجتمعية، وضمان عدم استخدام التهجير كوسيلة لتحقيق أهداف عسكرية أو ديموغرافية.

ولم تقتصر المناقشات داخل مجلس حقوق الإنسان على تشخيص أسباب النزوح الداخلي، بل اتجهت إلى استعراض تجارب الدول في الحد من الظاهرة، مع تركيز واضح على ضرورة الجمع بين احترام القانون الدولي الإنساني، وتعزيز التشريعات الوطنية، وربط العمل الإنساني ببرامج التنمية وإعادة الإعمار. وأظهرت المداخلات وجود توافق واسع على أن الاستجابة التقليدية القائمة على تقديم المساعدات الطارئة لم تعد كافية في ظل تعقيد الأزمات الحالية، وأن المطلوب هو بناء منظومة متكاملة تمنع النزوح قبل وقوعه وتوفر حلولاً دائمة للمتضررين.

 الفلبين.. نموذج تشريعي للوقاية من النزوح

قدمت الفلبين تجربتها باعتبارها نموذجاً يعتمد على الوقاية وإدارة المخاطر، مؤكدة أن حماية النازحين داخلياً تبدأ من وجود قيادة حكومية قوية وسياسات وطنية واضحة تستند إلى القانون الدولي. وأشارت إلى أن تغير المناخ والكوارث الطبيعية أصبحا من أبرز أسباب النزوح الداخلي في العالم، الأمر الذي يفرض دمج خطط الحد من مخاطر الكوارث والتكيف المناخي ضمن السياسات الوطنية.

واستعرض الوفد الفلبيني خبرة بلاده في إدارة الكوارث منذ عام 2010، والتي تقوم على إشراك مؤسسات الدولة والمجتمعات المحلية في عمليات الوقاية والاستعداد والاستجابة والتعافي، إلى جانب تنفيذ برامج للإسكان الدائم ودعم سبل العيش للأسر المتضررة.

كما لفت إلى أن الفلبين أصبحت في عام 2024 أول دولة في جنوب شرق آسيا تعتمد قانوناً متكاملاً لحماية النازحين داخلياً، يتناول الوقاية من النزوح، وضمان الحماية أثناء الأزمات، وتأمين حلول دائمة سواء في حالات النزاعات المسلحة أو الكوارث الطبيعية، معتبرة أن التشريعات الوطنية تشكل حجر الأساس لأي استجابة فعالة.

غزة.. ماليزيا تربط النزوح بانتهاكات القانون الدولي

من جانبها، سلطت ماليزيا الضوء على الوضع الإنساني في قطاع غزة باعتباره مثالاً صارخاً على تعقيدات النزوح الداخلي في النزاعات الحديثة، مشيرة إلى أن التدمير الواسع للمساكن والمنشآت المدنية والمستشفيات والمدارس أدى إلى حرمان مئات الآلاف من الخدمات الأساسية، وأعاق جهود العودة وإعادة الإعمار.

وأكد الوفد الماليزي أن قرابة 1.9 مليون فلسطيني تعرضوا للنزوح داخل قطاع غزة، وكثير منهم نزح أكثر من مرة، في ظل استمرار العمليات العسكرية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية، وهو ما يعكس الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الميداني.

وشددت ماليزيا على أن حماية البنية التحتية المدنية وضمان وصول المساعدات الإنسانية يمثلان التزاماً قانونياً يقع على جميع أطراف النزاعات، داعية إلى ترجمة قواعد القانون الدولي الإنساني إلى إجراءات عملية تمنع تكرار مثل هذه الأزمات.

 كولومبيا.. السلام والتنمية أساس الحلول الدائمة

واستعرضت كولومبيا تجربتها الممتدة في التعامل مع النزوح الداخلي الناتج عن النزاعات المسلحة، مشيرة إلى أن تحقيق الحلول الدائمة يتطلب الجمع بين السلام والتنمية وحماية حقوق الإنسان.

وأشادت الحكومة الكولومبية بزيارة المقررة الخاصة إلى البلاد، معتبرة أنها ساهمت في تقييم التحديات المرتبطة بالنزوح، خاصة ما يتعلق باستمرار تجنيد الأطفال، والاعتداءات على المعلمين، وتأثير النزاعات على العملية التعليمية.

وأكدت أن الحكومة اعتمدت وثيقة وطنية للحلول الدائمة تهدف إلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية وتحسين أوضاع النازحين، مع دمج ملف النزوح في خطط التنمية الوطنية، باعتبار أن العودة الآمنة لا تتحقق بمجرد توقف الأعمال القتالية، وإنما تحتاج إلى استثمارات في الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل.

قبرص.. خمسة عقود من النزوح

واستخدمت قبرص تجربتها التاريخية للتأكيد على أن آثار النزوح قد تمتد لعقود طويلة إذا لم تتم معالجة جذور النزاع.

وأشار الوفد القبرصي إلى أن أكثر من 200 ألف قبرصي اضطروا إلى مغادرة منازلهم منذ عام 1974، وما زال كثير منهم محرومين من العودة إلى ممتلكاتهم أو استعادة حقوقهم، معتبراً أن هذه التجربة تؤكد أن النزوح لا ينتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل يترك آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية تمتد عبر الأجيال.

ودعت قبرص إلى تعزيز إدماج قواعد القانون الدولي الإنساني في التشريعات الوطنية وآليات العدالة الانتقالية، بما يضمن عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من المساءلة.

 غانا.. من الإغاثة إلى الاستثمار في الوقاية

أكدت غانا أن العالم بحاجة إلى تغيير طريقة التعامل مع النزوح الداخلي، مشيرة إلى أن استمرار استهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية أدى إلى مستويات غير مسبوقة من النزوح.

وأوضحت أن دستورها يتضمن نصوصاً تكفل حماية النازحين، إلى جانب الاستناد إلى المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي واتفاقية كمبالا للاتحاد الإفريقي، التي تعد أول معاهدة إقليمية ملزمة قانونياً لحماية النازحين داخلياً.

ورأت غانا أن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من تمويل الاستجابة الإنسانية قصيرة الأجل إلى الاستثمار في الوقاية، وتعزيز المؤسسات الوطنية، وتمويل الحلول المستدامة التي تعيد للنازحين حقوقهم وكرامتهم.

 سويسرا.. الفجوة بين القانون والتطبيق

من جانبها، حذرت سويسرا من اتساع الفجوة بين القواعد القانونية والواقع الميداني، مشيرة إلى أن استمرار الهجمات على المناطق السكنية والمستشفيات وشبكات المياه يجعل مناطق واسعة غير صالحة للحياة، ويدفع المدنيين إلى النزوح القسري.

وأكدت أن القانون الدولي الإنساني يحظر بشكل واضح التهجير القسري، والعقوبات الجماعية، والهجمات العشوائية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، داعية إلى تعزيز المساءلة عن الانتهاكات باعتبارها شرطاً أساسياً لمنع تكرارها.

 الهند.. السيادة الوطنية أولاً

في المقابل، شددت الهند على أن المسؤولية الرئيسية عن حماية النازحين تقع على عاتق الدول نفسها، وأن أي دعم دولي ينبغي أن يتم بناءً على طلب الدولة المعنية واحتراماً لسيادتها ووحدة أراضيها.

وأشار الوفد الهندي إلى أن التجربة الوطنية في إدارة الكوارث أظهرت أهمية أنظمة الإنذار المبكر والإجلاء المنظم والتشريعات الوطنية في الحد من النزوح، معتبراً أن المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة توفر إطاراً مهماً، لكنها غير ملزمة قانونياً، ويجب تطبيقها وفق خصوصية كل دولة.

 الكاميرون وزيمبابوي.. المناخ يفرض تحديات جديدة

ركزت الكاميرون وزيمبابوي على العلاقة المتزايدة بين التغيرات المناخية والنزوح الداخلي، مؤكدتين أن الجفاف والفيضانات والأعاصير أصبحت تدفع أعداداً متزايدة من السكان إلى مغادرة مناطقهم.

وأعلنت الكاميرون تنفيذ برنامج وطني خلال الفترة 2026-2029 لتعزيز صمود المجتمعات المحلية والإدماج الاجتماعي والاقتصادي للسكان المتضررين، فيما أكدت زيمبابوي أنها راجعت سياساتها الخاصة بإدارة الكوارث، وانتقلت من الاستجابة الطارئة إلى التخطيط المسبق لإعادة التوطين وبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود.

وشددت الدولتان على أن محدودية التمويل الدولي تمثل أحد أبرز العوائق أمام تنفيذ هذه الخطط، داعيتين إلى زيادة الدعم الموجه للدول النامية التي تتحمل العبء الأكبر من النزوح المرتبط بالمناخ.

 توافق دولي على مبادئ أساسية

ورغم اختلاف السياقات الوطنية، أظهرت المداخلات تقارباً واضحاً في عدد من المبادئ، أبرزها أن حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني يمثلان المدخل الأساسي لمنع النزوح، وأن الحلول الدائمة لا يمكن أن تتحقق من خلال المساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب إصلاحات قانونية، واستثمارات تنموية، وتعزيز المؤسسات الوطنية، وضمان مشاركة المجتمعات المتضررة في صياغة السياسات التي تمس مستقبلها.

واختتمت المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً، باولا غافيريا بيتانكور، الحوار التفاعلي بالتأكيد على أن المجتمع الدولي يقف أمام نقطة تحول في كيفية التعامل مع النزوح الداخلي، معتبرة أن تضاعف أعداد النازحين خلال السنوات الأخيرة يعكس ليس فقط تصاعد النزاعات والكوارث، وإنما أيضاً الإخفاق في تنفيذ قواعد القانون الدولي الإنساني على أرض الواقع.

وأوضحت أن المداخلات التي قدمتها الدول والمنظمات الدولية كشفت وجود توافق واسع على أن الوقاية يجب أن تصبح أولوية تتقدم على الاستجابة الإنسانية، لأن النزوح ليس نتيجة حتمية لأي نزاع مسلح، بل يمكن الحد منه إذا التزمت أطراف النزاعات بالقانون الدولي الإنساني، واحترمت مبدأ حماية المدنيين، وامتنعت عن استهداف البنية التحتية المدنية أو استخدام الحصار والتجويع والتهجير كوسائل للحرب.

الوقاية أقل تكلفة من معالجة الكارثة

وأكدت المقررة الخاصة أن الوقاية تمثل الاستثمار الأكثر جدوى، سواء من الناحية الإنسانية أو الاقتصادية، مشيرة إلى أن تكلفة حماية السكان قبل نزوحهم تبقى أقل بكثير من تكلفة إغاثة ملايين الأشخاص بعد تهجيرهم، وإعادة إعمار المدن والقرى التي دمرتها الحروب.

وأضافت أن منع النزوح يتطلب إدماج قواعد القانون الدولي الإنساني في التشريعات الوطنية، وتعزيز مسارات السلام، والاستثمار في مؤسسات الدولة، وبناء نظم إنذار مبكر قادرة على تقليل المخاطر قبل تحولها إلى كوارث إنسانية واسعة.

 الإجلاء… إجراء استثنائي لا وسيلة للتهجير

وأفردت المقررة الخاصة جانباً مهماً من كلمتها للحديث عن عمليات الإجلاء أثناء النزاعات المسلحة، مؤكدة أن القانون الدولي الإنساني يسمح بالإجلاء فقط عندما يكون الخيار الوحيد لحماية المدنيين أو عندما تفرضه ضرورة عسكرية ملحة ومحددة.

وشددت على أن الإجلاء يجب أن يكون مؤقتاً، مع ضمان توفير ممرات آمنة ووسائل نقل مناسبة، والحفاظ على وحدة الأسر، وتأمين الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية.

كما أكدت أن الممتلكات والمساكن والأراضي التي يتركها النازحون يجب أن تظل محمية قانونياً، مع ضمان حق أصحابها في استعادتها أو الحصول على تعويض عادل، محذرة من استخدام الإجلاء كوسيلة لإحداث تغييرات ديموغرافية أو فرض وقائع جديدة على الأرض.

الأزمات المركبة تفرض نهجاً جديداً

ورأت بيتانكور أن طبيعة النزوح الداخلي تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد النزاعات المسلحة العامل الوحيد، بل أصبحت الكوارث المناخية، والجريمة المنظمة، والانهيارات الاقتصادية، والتدهور البيئي تتداخل معاً لتنتج أزمات أكثر تعقيداً.

وأوضحت أن التعامل مع هذه الأوضاع يتطلب تجاوز الفصل التقليدي بين العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام، داعية إلى اعتماد نهج متكامل يربط بين هذه المسارات، ويضمن استمرار الدعم للمجتمعات المتضررة حتى بعد انتهاء الأزمات المباشرة.

وأشارت إلى أن عدداً من الدول، بينها جنوب السودان وموزمبيق، عرضت خلال الجلسة تجارب تؤكد أن التحديات الحالية لم تعد أحادية السبب، وإنما أصبحت نتيجة تراكم عوامل متعددة تستوجب سياسات أكثر شمولاً.

إعادة الإعمار ليست بناء الحجر فقط

وأكدت المقررة الخاصة أن العودة الآمنة والطوعية لا تتحقق بمجرد وقف إطلاق النار أو انتهاء العمليات العسكرية، وإنما تتطلب إعادة بناء الظروف التي تسمح للناس باستعادة حياتهم الطبيعية.

وأوضحت أن إعادة الإعمار يجب ألا تقتصر على إصلاح المباني والطرق والجسور، بل تشمل أيضاً استعادة الخدمات الأساسية، وإعادة بناء المؤسسات، وحماية حقوق الملكية، وإصدار الوثائق الرسمية، وتوفير فرص العمل، وإعادة دمج النازحين في مجتمعاتهم.

كما لفتت إلى أن التعافي البيئي يجب أن يكون جزءاً من جهود إعادة الإعمار، خاصة في المناطق التي تعرضت لتدمير واسع أو كوارث طبيعية، بما يضمن استدامة الحلول وعدم تكرار موجات النزوح.

وأضافت أن تقريرها المقبل أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سيركز بصورة خاصة على العلاقة بين إعادة الإعمار وتحقيق الحلول الدائمة للنازحين داخلياً.

المساءلة.. الحلقة المفقودة

واعتبرت المقررة الخاصة أن الإفلات من العقاب لا يزال أحد أهم الأسباب التي تؤدي إلى تكرار الانتهاكات واستمرار النزوح، مشيرة إلى أن غياب المساءلة يشجع مرتكبي الجرائم على مواصلة استهداف المدنيين والبنية التحتية.

وأكدت أن المسؤولية تبدأ على المستوى الوطني، من خلال تطوير التشريعات، وإجراء تحقيقات مستقلة، وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، وتوفير التدريب اللازم للقوات المسلحة والجهات الأمنية على قواعد القانون الدولي الإنساني.

كما شددت على ضرورة إعطاء أولوية خاصة لمساءلة مرتكبي جرائم العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي المرتبط بالنزاعات، مع ضمان أن تكون إجراءات العدالة متمحورة حول الضحايا والناجين.

وأضافت أنه عندما تعجز الآليات الوطنية عن القيام بدورها، يصبح اللجوء إلى آليات العدالة الدولية أمراً ضرورياً لضمان عدم إفلات المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة من العقاب.

 دعوة إلى تعاون دولي أوسع

وفي ختام مداخلتها، أكدت بيتانكور أن أي دولة، مهما بلغت إمكاناتها، لن تكون قادرة بمفردها على مواجهة تحديات النزوح الداخلي، في ظل تشابك الأزمات الإنسانية والاقتصادية والمناخية.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والمؤسسات المالية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وزيادة التمويل المخصص لبرامج الحماية وإعادة الإعمار، مع التركيز على الحلول طويلة الأجل بدلاً من الاقتصار على المساعدات الطارئة.

كما أشادت بعدد من المبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى دعم تنفيذ القانون الدولي الإنساني، مؤكدة أن تبادل الخبرات بين الدول يمثل أحد أهم أدوات تطوير السياسات الوطنية الخاصة بالنزوح.

اتجاه دولي نحو تغيير فلسفة التعامل مع النزوح

وأظهرت المناقشات التي شهدها مجلس حقوق الإنسان أن المجتمع الدولي بدأ يتجه تدريجياً إلى إعادة تعريف مفهوم الاستجابة لأزمات النزوح، من خلال الانتقال من التركيز على إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى الاستثمار في الوقاية، وتعزيز احترام القانون الدولي الإنساني، وربط العمل الإنساني بالتنمية وإعادة الإعمار.

كما عكست الجلسة توافقاً متزايداً على أن حماية المدنيين تمثل المدخل الأساسي للحد من النزوح، وأن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني لا يعد التزاماً قانونياً فحسب، بل يشكل أيضاً شرطاً ضرورياً لتحقيق الاستقرار وإعادة بناء المجتمعات المتضررة.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه النزاعات المسلحة في عدد من مناطق العالم، وتتزايد فيه الضغوط الناتجة عن التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية، تبدو قضية النزوح الداخلي مرشحة للبقاء في صدارة أجندة الأمم المتحدة خلال السنوات المقبلة. وتؤكد الرسائل التي خرج بها الحوار التفاعلي في جنيف أن نجاح المجتمع الدولي لن يقاس فقط بحجم المساعدات الإنسانية التي يقدمها، بل بقدرته على منع أسباب النزوح من الأساس، وترسيخ المساءلة، وتهيئة الظروف التي تضمن للنازحين العودة الطوعية والآمنة والكريمة، أو الاندماج في مجتمعات جديدة دون المساس بحقوقهم الأساسية أو كرامتهم الإنسانية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print