برز ملف التعيينات القضائية بوصفه أحد أهم الملفات التي طرحتها المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، باعتباره المدخل الأول لفهم قوة القضاء أو هشاشته، فالقاضي لا يصبح مستقلاً فقط بعد جلوسه على منصة الحكم، بل يبدأ اختبار استقلاله منذ لحظة اختياره وتعيينه وترقيته.
ركزت المقررة الخاصة في تقريرها خلال فعاليات الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف على أن التعيينات القضائية يجب أن تقوم على الجدارة، والنزاهة، والشفافية، والكفاءة، والحياد، والتنوع، وأن تكون محمية من التدخل السياسي أو المحسوبية أو المصالح الشخصية، غير أن النقاش كشف أن التوافق اللفظي على هذه المبادئ لا يعني بالضرورة توافقاً حقيقياً على آليات تنفيذها.
استقلال القضاء
عدد كبير من الدول أكد أن استقلال القضاء جزء من دساتيرها وقوانينها الوطنية، وأن إجراءات تعيين القضاة تخضع لقواعد محددة، لكن في المقابل، شددت منظمات حقوقية ودول أخرى على أن النصوص القانونية وحدها ليست كافية إذا لم تكن إجراءات التعيين شفافة، وإذا لم تكن الهيئات المسؤولة عن الاختيار مستقلة فعلاً، وإذا لم يكن الجمهور قادراً على مساءلة المنظومة أو فهم كيفية اختيار من يفصلون في حقوقه وحرياته.
الجدل الأبرز دار حول العلاقة بين المعايير الدولية والخصوصية الوطنية، فقد رأت دول عدة أن القانون الدولي لا يفرض نموذجاً واحداً لتعيين القضاة، وأن لكل دولة تقاليدها الدستورية ونظامها القانوني الخاص، وهذا طرح مهم من حيث المبدأ؛ لأن الأنظمة القضائية تختلف بين الدول، ولا يمكن نسخ نموذج واحد وتطبيقه آلياً في كل السياقات.
تأثير السلطة التنفيذية
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الخصوصية الوطنية إلى مظلة تبرر غياب الشفافية أو تسمح بتأثير السلطة التنفيذية أو القوى السياسية في القضاء المدني، فالمقررة الخاصة كانت واضحة في الإشارة إلى أن المبادئ قابلة للتكييف، لكنها ليست قابلة للتفريغ من مضمونها، بمعنى أن الدولة يمكن أن تختار النموذج المؤسسي الأنسب لها، لكنها لا تستطيع إلغاء جوهر الاستقلال والجدارة والشفافية تحت عنوان السيادة أو الخصوصية.
وتكمن خطورة التعيينات القضائية المسيسة في أنها لا تظهر دائماً بوصفها أزمة فورية، فحين يتم تعيين قضاة بناءً على الولاء أو القرب السياسي أو الحسابات الشخصية، فإن أثر ذلك يظهر لاحقاً في القضايا الحساسة: قضايا الفساد، الانتخابات، الاحتجاجات، حرية التعبير، حقوق الأقليات، النزاعات بين المواطن والدولة، ومحاسبة الأجهزة الأمنية، عندها يصبح السؤال: هل يملك القاضي القدرة على الحكم ضد من أسهم في وصوله إلى منصبه؟
كما ناقشت المداخلات مسألة التنوع داخل القضاء، فهناك تأكيد متزايد أن السلطة القضائية يجب أن تعكس المجتمع الذي تخدمه، ومنه النساء، والشعوب الأصلية، والأقليات، والفئات غير الممثلة، غير أن هذا بدوره فتح نقاشاً حساساً حول العلاقة بين الجدارة والتمثيل: هل التنوع معيار إضافي إلى جانب الكفاءة؟ أم جزء من فهم أوسع للعدالة؟ وهل يمكن لقضاء لا يعكس تنوع المجتمع أن يحافظ على ثقة الجمهور؟
