منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

الفضاء المدني تحت المجهر.. عندما تتحول القوانين إلى أدوات لتقييد المجتمع المدني

24 يونيو 2026
المجتمع المدني يتعرض لضغوط متزايدة من السلطات المحلية
المجتمع المدني يتعرض لضغوط متزايدة من السلطات المحلية

تُظهر تقارير مجلس حقوق الإنسان أن الفضاء المدني أصبح واحداً من أكثر الملفات حساسية في عدد من الدول، ليس فقط بسبب القيود المباشرة على الجمعيات أو الإعلام أو الاحتجاج، بل بسبب استخدام أدوات قانونية تبدو في ظاهرها تنظيمية، في حين قد تتحول عملياً إلى وسائل للضغط والتقييد والمراقبة.

في مراجعات وتقارير حديثة حول جورجيا، رواندا، لبنان، صربيا، تشيلي، وغواتيمالا، يظهر نمط متكرر.. الدول تتحدث عن تنظيم، شفافية، أمن عام، أو احترام القانون، في حين تثير التوصيات الأممية مخاوف بشأن حرية التعبير، عمل منظمات المجتمع المدني، حماية الصحفيين، الحق في الاحتجاج، واستقلال القضاء. وهنا يصبح السؤال التحليلي الأهم: متى يكون التنظيم مشروعاً؟ ومتى يتحول إلى تضييق على المجال العام؟

ولا توجد دولة بلا قوانين تنظم الجمعيات، الإعلام، التمويل، الاحتجاج، أو العمل العام. التنظيم بحد ذاته ليس انتهاكاً، لكن المشكلة تظهر عندما تصبح القوانين فضفاضة، أو انتقائية، أو تُستخدم لاستهداف الأصوات الناقدة، أو تضع أعباءً إدارية ومالية تجعل العمل المدني شبه مستحيل.

في هذه الحالة، لا يكون الخطر في نص القانون فقط، بل في أثره العملي: هل تستطيع المنظمات التسجيل بسهولة؟ هل يستطيع الصحفيون العمل دون خوف؟ هل يستطيع المواطنون الاحتجاج دون ملاحقة؟ هل يملك المدافعون عن حقوق الإنسان مساحة آمنة للتوثيق والمساءلة؟

جورجيا والقلق الحقوقي

تعد جورجيا واحدة من أبرز الحالات التي ظهر فيها ملف الفضاء المدني بوضوح. فقد ركزت التوصيات على قوانين مثل قانون الشفافية بشأن النفوذ الأجنبي وقانون تسجيل الوكلاء الأجانب وتعديلات مرتبطة بالمنح والبث الإعلامي.

هذه القوانين تُقدَّم عادة تحت عنوان الشفافية أو حماية السيادة، لكنها تثير قلقاً عندما تضع منظمات المجتمع المدني والإعلام المستقل في موقع الاشتباه الدائم.

الخطورة في هذه القوانين أنها قد لا تمنع العمل المدني بشكل مباشر، لكنها تجعل كلفة العمل أعلى.. تسجيلات إضافية، وصماً سياسياً، رقابة مالية، ضغطاً إدارياً، أو تخويفاً غير مباشر للمانحين والشركاء، وبذلك، يتحول مفهوم “الشفافية” من أداة مساءلة إلى أداة فرز واستهداف.

رواندا والتسجيل القانوني

في رواندا يظهر الملف من زاوية مختلفة. فقد أشارت الدولة إلى قانون جديد صدر عام 2024 لتنظيم المنظمات غير الحكومية، بهدف توحيد الإطار القانوني وتعزيز المساءلة وتبسيط التسجيل.

ووفق ما عرضته الدولة، قدمت مئات المنظمات طلبات تسجيل، وتم تسجيل جزء منها، في حين بقيت طلبات أخرى قيد النظر بسبب عدم اكتمالها.

هنا لا يكون السؤال فقط: هل رفضت الدولة الطلبات؟ بل: هل إجراءات التسجيل واضحة وسهلة؟ هل المتطلبات مناسبة وغير مرهقة؟ هل تستطيع المنظمات العمل بحرية بعد التسجيل؟ وهل تبقى بيئة العمل آمنة للمنظمات التي تنتقد السياسات العامة أو تراقب حقوق الإنسان؟

الفضاء المدني لا يُقاس فقط بعدد المنظمات المسجلة، بل بقدرتها على العمل بحرية واستقلال.

الإعلام بين الإصلاح والمخاوف

في لبنان يظهر ملف الفضاء المدني من خلال حرية الإعلام والتعبير، خاصة في ظل الحديث عن مشروع قانون لإصلاح الإعلام.

وعرضت الدولة هذا المشروع باعتباره خطوة لتعزيز حرية التعبير، لكن التوصيات والملاحظات الحقوقية تثير عادة مخاوف من استخدام قوانين الذم والقدح أو النصوص الجزائية ضد الصحفيين والمنتقدين.

وهنا يبرز سؤال أساسي.. هل يقود إصلاح الإعلام إلى حماية الصحافة، أم إلى إعادة تنظيمها بقيود جديدة؟ فالقانون الإعلامي الجيد لا يكتفي بتنظيم المهنة، بل يحمي الصحفيين من الحبس والملاحقة بسبب الرأي، ويضمن الوصول إلى المعلومات، ويحد من استخدام القضاء وسيلة ضغط.

صربيا واستهداف المدافعين

في تقرير زيارة صربيا المتعلق بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان، يظهر الفضاء المدني من زاوية الاقتصاد والشركات.

وأشار التقرير إلى ضغوط على منظمات المجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، خاصة من ينتقدون مشاريع التعدين أو يكشفون قضايا فساد أو يطالبون بمساءلة الشركات.

هذه الحالة مهمة لأنها تذكرنا أن التضييق على الفضاء المدني لا يحدث فقط في القضايا السياسية المباشرة، قد يحدث أيضاً عندما يعارض المواطنون مشروعاً اقتصادياً، أو يطالبون بمعلومات بيئية، أو يدافعون عن أراضيهم وصحتهم وسبل عيشهم.

عندما يصبح انتقاد مشروع تعدين أو شركة كبرى سبباً للترهيب أو الدعاوى القضائية أو التشويه الإعلامي، فإن المشكلة لا تتعلق بحرية التعبير فقط، بل بحق المجتمع في المشاركة في القرارات الاقتصادية والبيئية التي تمس حياته.

تشيلي.. الاحتجاج حق

في تشيلي، يبرز الفضاء المدني من خلال الحق في التجمع السلمي والاحتجاج. ويشير التقرير الأممي إلى أن الإطار القانوني المنظم للتجمعات ما يزال مجزأً، وأن بعض القواعد تعود إلى فترة الحكم العسكري، وتمنح السلطات هامشاً واسعاً في تقييد أو تفريق التجمعات.

هذه الحالة تكشف أن الحق في الاحتجاج ليس مسألة إجرائية فقط. فالاحتجاج وسيلة ديمقراطية للتعبير والمطالبة بالحقوق. وإذا تعاملت الدولة معه بوصفه تهديداً أمنياً مسبقاً، فإنها تقيد أحد أهم أدوات المشاركة العامة.

المطلوب ليس غياب التنظيم، بل تنظيم يحمي الحق ولا يفرغه من مضمونه. بمعنى أن تكون مهمة السلطات تسهيل التجمع وحماية المشاركين، لا منعهم أو ردعهم.

غواتيمالا.. العدالة ساحة ضغط

في غواتيمالا، يظهر الفضاء المدني من خلال أزمة استقلال القضاء وتجريم الفاعلين العدليين. فالتقرير الأممي حول استقلال القضاة والمحامين يشير إلى ملاحقة قضاة ومدعين ومحامين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، خصوصاً من عملوا في قضايا فساد أو حقوق إنسان أو عدالة انتقالية.

هذه الحالة أكثر خطورة لأنها لا تمس المجتمع المدني وحده، بل تمس منظومة العدالة نفسها، فإذا خاف القاضي أو المدعي أو المحامي من الملاحقة بسبب عمله، فإن الحق في العدالة يصبح مهدداً، وإذا اضطر الفاعلون المستقلون إلى المنفى أو الصمت، فإن الفضاء المدني والقضائي معاً يتراجعان.

بين التنظيم والتقييد

الفيصل ليس عنوان القانون، بل أثره. فالقانون الذي يحمل اسم “الشفافية” قد يكون مفيداً إذا طبق على الجميع بشكل عادل ومتناسب، لكنه قد يصبح أداة تضييق إذا استُخدم لوسم المنظمات أو مراقبتها أو منع تمويلها.

والقانون الذي ينظم الاحتجاج قد يكون مشروعاً إذا حمى المشاركين والمارة، لكنه يصبح تقييدياً إذا جعل الاحتجاج بحاجة إلى إذن يصعب الحصول عليه. وقوانين الإعلام قد تحمي المهنة، أو قد تتحول إلى وسيلة لتجريم النقد.

لذلك، يجب أن نسأل دائماً:

·        هل القانون واضح ومحدد؟

·        هل يطبق على الجميع دون انتقائية؟

·        هل القيود ضرورية ومتناسبة؟

·        هل توجد رقابة قضائية مستقلة؟

·        هل تستطيع المنظمات والصحافة والناشطون الاعتراض دون خوف؟

·        وهل يؤدي القانون إلى حماية الحق أم إلى تقليصه؟

قراءة تحليلية

تكشف تقارير مجلس حقوق الإنسان أن الفضاء المدني لم يعد يُقيد دائماً عبر المنع المباشر. في كثير من الحالات، يحدث التقييد من خلال إجراءات أكثر هدوءاً: تسجيل معقد، تمويل مقيّد، قوانين شفافية فضفاضة، دعاوى قضائية، ضغوط على الصحفيين، اتهامات بالعمالة أو التسييس، أو استخدام الأمن العام لتقييد الاحتجاج.

وهذه الأدوات قد تكون أخطر أحياناً من الحظر الصريح؛ لأنها تمنح التضييق مظهراً قانونياً وإدارياً، لذلك، فإن حماية الفضاء المدني لا تعني فقط السماح بوجود منظمات، بل ضمان قدرتها على العمل بحرية، والوصول إلى التمويل، والتعبير، والتجمع، ومراقبة السلطة، والدفاع عن الفئات المتضررة.

وتؤكد التقارير الأممية أن المجتمع المدني والإعلام والاحتجاج والقضاء المستقل ليست عناصر هامشية في منظومة حقوق الإنسان، بل هي شروط أساسية للمساءلة، فبدون مجتمع مدني قادر على الرصد، وصحافة قادرة على التحقيق، ومواطنين قادرين على الاحتجاج، وقضاء قادر على الحماية، تصبح التوصيات والالتزامات الحقوقية أقل قدرة على التحول إلى واقع.

لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: هل توجد منظمات وصحف وقوانين؟ بل: هل تستطيع هذه المنظمات والصحف والمجتمعات أن تعمل دون خوف؟ وهل تُستخدم القوانين لحماية الفضاء المدني أم لتقليصه؟

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print