أثارت مداخلات حقوقية خلال فعاليات الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف مخاوف متزايدة من إساءة استخدام بيانات الصحة الجنسية والإنجابية في عصر الذكاء الاصطناعي، معتبرة أن غياب الضمانات القانونية قد يحول البيانات الصحية الحساسة إلى أداة مراقبة أو تقييد أو تمييز ضد النساء والفتيات.
انتهاك الخصوصية
القضية لا تتعلق فقط بسجلات طبية أو تطبيقات صحية، فمع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، أصبحت البيانات قادرة على كشف أنماط شديدة الخصوصية في حياة الأفراد، ومنها الحمل، والصحة الإنجابية، والوصول إلى الخدمات الصحية، والموقع الجغرافي، والسلوك الرقمي، وإذا وصلت هذه البيانات إلى جهات حكومية أو تجارية أو أمنية دون ضوابط واضحة، فقد تتحول إلى وسيلة انتهاك واسعة النطاق.
المداخلات الحقوقية حذرت من أن بيانات الصحة الإنجابية قد تستخدم لانتهاك حقوق المرأة من خلال تتبع النساء أو منعهن من الوصول إلى خدمات معينة، أو لمعاقبتهن في سياقات قانونية أو اجتماعية تقيد حقوقهن، وهذا يجعل حماية البيانات مسألة حياة وحرية وكرامة، لا مجرد مسألة تقنية.
حماية البيانات
في هذا الملف يظهر الخلاف الدولي المعتاد حول الحقوق الجنسية والإنجابية، حيث تتحفظ بعض الدول على هذا المصطلح أو تربطه بالخصوصية الثقافية أو الدينية أو السيادة الوطنية، لكن النقاش الرقمي يفرض سؤالاً جديداً: حتى في ظل اختلاف المواقف السياسية والثقافية، هل يجوز ترك بيانات صحية حساسة دون حماية؟ وهل يمكن قبول أن تُستخدم الخوارزميات لتقويض الخصوصية أو التمييز ضد النساء؟
الطرح الحقوقي يؤكد أن الحد الأدنى غير قابل للتنازل: لا بد من موافقة مسبقة ومستنيرة، ومنع مشاركة البيانات دون إذن، وضمان عدم استخدامها لأغراض المراقبة أو الربح أو العقاب، ووجود آليات مساءلة فعالة عندما يقع الضرر.
الأهم أن حماية البيانات لا تعني فقط حماية الفرد من انتهاك مباشر، بل حماية ثقته في المنظومة الصحية، فإذا خشيت النساء من أن بياناتهن قد تُستخدم ضدهن، فقد يترددن في طلب الرعاية الصحية، وهذا يهدد الحق في الصحة ويعمق الفوارق القائمة.
إن الحقوق الجنسية والإنجابية في البيئة الرقمية أصبحت اليوم اختباراً لقدرة الدول على حماية الخصوصية في أكثر مجالات الحياة حساسية. ومن دون قواعد واضحة، قد تتحول التكنولوجيا الصحية من أداة خدمة إلى أداة رقابة.
