أولاً: ملخص تنفيذي
كشفت الجلسة السادسة عشرة المخصصة للاحتفال باليوم الدولي للمرأة في الدبلوماسية، في مجلس حقوق الإنسان بجنيف عن إجماع دولي واسع على أن مشاركة المرأة في الدبلوماسية وصنع القرار لا يمكن فصلها عن حقها في العمل، والاستقلال الاقتصادي، والحماية من العنف والتحرش، وتقاسم أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر، وقد اتجهت معظم المداخلات إلى اعتبار أن التمثيل العددي للنساء، رغم أهميته، لم يعد كافياً، وأن المطلوب هو انتقال المرأة من “الحضور الرمزي” إلى “التأثير الفعلي” في صياغة السياسات، قيادة المؤسسات، وإدارة العمليات متعددة الأطراف.
أظهرت الجلسة أن هناك توافقاً عاماً بين الدول والمجموعات الإقليمية والمنظمات الأممية والمجتمع المدني حول وجود فجوات هيكلية لا تزال تعوق وصول النساء إلى مواقع القيادة، منها فجوة الأجور، العمل غير الرسمي، العنف والتحرش، الصور النمطية، أعباء الرعاية، وضعف الحماية الاجتماعية، كما برز توافق قوي على أن الدبلوماسية تصبح أكثر شمولاً وفعالية واستدامة عندما تشارك النساء في تصميم الأجندات لا بمجرد الجلوس على الطاولة.
في المقابل، ظهرت اختلافات واضحة داخل مجلس حقوق الإنسان في المقاربات، فالدول الأوروبية ركزت على الحقوق، الأجور المتساوية، التشريعات، السياسات الخارجية النسوية، ومواجهة التمييز المؤسسي، أما الدول الإفريقية فقد ركزت على البطالة، العمل منخفض الأجر، الاقتصاد غير المنظم، العنف ضد المرأة، وأهمية الصكوك الإقليمية مثل بروتوكول مابوتو واستراتيجية الاتحاد الإفريقي، وطرحت الدول العربية والخليجية مقاربة تنموية تؤكد تمكين المرأة ضمن الرؤى الوطنية، مع إبراز التعليم والتأهيل والقيادة الدبلوماسية، أما دول أمريكا اللاتينية فقد ركزت بصورة واضحة على اقتصاد الرعاية، المسؤولية المشتركة، الأجور المتساوية، وحرية التعبير بوصفها مدخلاً للمشاركة العامة.
كما تميزت الجلسة بدخول محور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية بقوة، خاصة في مداخلات الدول والمنظمات الأممية، وقد رُبط هذا المحور بمشاركة النساء في العمل والقرار، من خلال الحديث عن الفجوة الرقمية، العنف الميسر بالتكنولوجيا، التحيز الخوارزمي، حوكمة الذكاء الاصطناعي، وتمثيل النساء في تصميم التكنولوجيا، وبذلك تحولت الجلسة من نقاش تقليدي حول المرأة في الدبلوماسية إلى نقاش أوسع حول شروط مشاركة المرأة في عالم عمل وقرار يتغير رقمياً وسياسياً واجتماعياً.
أما من حيث الاتهامات، فلم تشهد الجلسة اتهامات مباشرة واسعة بين الدول، باستثناء مداخلة منظمة حقوقية وجهت اتهاماً واضحاً لإيران بقمع النساء في سياق الاحتجاجات، كما ظهرت اتهامات غير مباشرة موجهة إلى البنى المؤسسية، القطاع الخاص، شركات التكنولوجيا، المنصات الرقمية، والأنظمة القانونية غير الكافية، كذلك شهدت الجلسة مداخلة خارجة عن الموضوع من الجمعية المسلمة المتحدة حول انتخاب الأمين العام المقبل للأمم المتحدة، وقد قاطعتها رئاسة الجلسة واعتبرتها غير منسجمة مع موضوع النقاش.
ثانياً: الإطار العام للجلسة
جاءت الجلسة تحت عنوان: الاحتفال باليوم الدولي للمرأة في الدبلوماسية: حق المرأة في العمل والتمثيل في دوائر صنع القرار
وقد وضع هذا العنوان العلاقة بين ثلاثة مستويات مترابطة:
1. حق المرأة في العمل باعتباره حقاً أساسياً ومدخلاً للاستقلال الاقتصادي.
2. التمثيل في دوائر صنع القرار باعتباره نتيجة مباشرة للتمكين الاقتصادي والاجتماعي.
3. الدبلوماسية والعمل الدولي باعتبارهما من أعلى مستويات التمثيل السياسي والمؤسسي.
المفوضية السامية لحقوق الإنسان، عبر مداخلة فاغي هيكس، قدمت الإطار الأوسع للجلسة بسؤال جوهري: لماذا لا تزال المرأة مستبعدة من دوائر صنع القرار؟ وقد أبرزت أرقاماً دالة، منها أن النساء لا يشغلن سوى 22% من مناصب السفراء، و18% من مناصب وزراء الخارجية، و22% من عضوية مجالس الوزراء، في حين لا تتجاوز مشاركة النساء في سوق العمل 48% مقابل 73% للرجال، هذه الأرقام جعلت النقاش ينتقل من الاحتفاء الرمزي إلى مساءلة البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمنع النساء من الوصول إلى القيادة.
كما شددت هيئة الأمم المتحدة للمرأة على أن القيادة النسائية لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بقدرة النساء على إعادة تشكيل المؤسسات، تفكيك القوانين والممارسات التمييزية، ووضع المساواة في صميم العمل الدبلوماسي، ومن زاوية قانونية، جرى التذكير بالمادة الثامنة من اتفاقية سيداو التي تلزم الدول بضمان حق المرأة في تمثيل حكومتها دولياً والمشاركة في أعمال المنظمات الدولية.
ثالثاً: المحاور الرئيسية التي سيطرت على النقاش
1. العمل اللائق بوصفه مدخلاً للتمثيل الدبلوماسي
كان هذا المحور الأكثر حضوراً في الجلسة، فقد أكدت منظمة العمل الدولية، الاتحاد الأوروبي، المغرب، الهند، موريتانيا، مصر، مجلس التعاون الخليجي، الإمارات، مالطا، ألبانيا، بلغاريا، وسلوفينيا أن وصول المرأة إلى الدبلوماسية لا يبدأ من وزارة الخارجية، بل من المدرسة، الجامعة، سوق العمل، الحماية الاجتماعية، وفرص الترقّي المهني.
مداخلة منظمة العمل الدولية كانت مركزية في هذا السياق، إذ ربطت العمل اللائق ببيئة العمل الآمنة، المساواة في الفرص، الاستقلال الاقتصادي، والقدرة على المشاركة في الحياة العامة والقيادة، كما أكدت أن النساء ما زلن ممثلات بشكل زائد في الاقتصاد غير المنظم والعمل غير الآمن، وأن هذا الواقع يحد من وصولهن إلى مواقع صنع القرار.
الاتحاد الأوروبي بدوره اعتبر أن الحق في العمل حق من حقوق الإنسان وأساس لمشاركة المرأة في القرار، مشيراً إلى ضرورة معالجة فجوة الأجور، الصور النمطية، والتمييز المتقاطع، أما المغرب فقدم نموذجاً وطنياً إصلاحياً يربط بين العمل اللائق، الحماية الاجتماعية، الحوار الاجتماعي، خطة “إكرام”، ومراجعة مدونة الأسرة، وركزت مصر على أن تمثيل المرأة في الدبلوماسية لا يُقاس بالعدد فقط، بل بمدى إسهامها الفعلي في صياغة السياسات.
2. اقتصاد الرعاية بوصفه معوقاً هيكلياً أمام القيادة
ظهر اقتصاد الرعاية بوصفه أحد أكثر المحاور تكراراً وعمقاً، فقد أكدت جمهورية الدومينيكان باسم مجموعة من الدول، تشيلي، سلوفينيا، مونتينيغرو، Mothers Matter، ممثلة الشباب من الدنمارك، ووفاء عصري من المغرب أن أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر تشكل حاجزاً حقيقياً أمام تقدم النساء في العمل والقيادة والدبلوماسية.
المداخلات اعتبرت أن المرأة قد تحصل على وظيفة، لكنها لا تستطيع التقدم مهنياً عندما تتحمل وحدها مسؤوليات الرعاية المنزلية، وقد ركزت بعض الدول على إجازات الأبوة، رعاية الأطفال، العمل المرن، التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة، والوجبات المدرسية بوصفها سياسات عملية تتيح للنساء الاستمرار في المسار المهني.
هذا المحور كشف أن المساواة في الدبلوماسية لا تتحقق فقط عبر فتح باب التعيين، بل عبر إعادة توزيع الوقت والمسؤوليات داخل الأسرة والمجتمع والدولة، فالمرأة التي تُحرم من الوقت، الشبكات المهنية، التنقل، والراحة الصحية لا يمكنها المنافسة على القيادة بنفس الشروط.
3. العنف والتحرش بوصفهما أداتي إقصاء من الحياة العامة
اتفقت مداخلات عديدة على أن العنف والتحرش في أماكن العمل والفضاء الرقمي يحدان من مشاركة النساء في العمل العام والدبلوماسية، وقد ركزت منظمة العمل الدولية على اتفاقية رقم 190 بشأن العنف والتحرش في عالم العمل، في حين ربطت Plan International وACT Alliance هذا العنف بإضعاف وصول النساء إلى القيادة.
كما أشارت السفيرة اللبنانية كارولين زيادة إلى أن النساء القياديات يتعرضن للتنمر والتحرش والعنف عبر الإنترنت، وهو ما يجعل المشاركة العامة أكثر كلفة على النساء مقارنة بالرجال، وركزت أيرلندا وهولندا وإسبانيا وعدد من الدول الأوروبية على حملات التشهير والمعلومات المضللة ضد النساء في الحياة العامة، والصحفيات، والمدافعات عن حقوق الإنسان.
بهذا المعنى، لم يُقدَّم العنف بوصفه انتهاكاً فردياً فقط، بل آلية سياسية واجتماعية لإقصاء النساء من المجال العام.
4. التمثيل العددي مقابل التأثير الفعلي
أحد أهم خطوط النقاش كان التمييز بين التمثيل الرقمي والتمثيل المؤثر، فقد أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، مصر، إسبانيا، لبنان، والاتحاد الأوروبي أن وجود النساء في المناصب لا يكفي إذا لم يكن لهن تأثير في الأجندات والقرارات.
السفيرة اللبنانية كارولين زيادة قدمت بعداً شخصياً مهماً، حين تحدثت عن كونها أول امرأة تترأس بعثة لبنان لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وأكدت أن الهدف ليس بقاء “المرأة الأولى” استثناءً، بل أن تتبعها الثانية والثالثة حتى يصبح وجود النساء طبيعياً في مواقع القيادة.
إسبانيا ذهبت أبعد من ذلك، وطرحت رسالة سياسية واضحة مفادها أن الوقت قد حان لأن تتولى امرأة منصب الأمين العام للأمم المتحدة، معتبرة أن مشاركة المرأة في الدبلوماسية ليست مسألة مساواة فقط، بل مسألة كفاءة وفعالية في مواجهة الاستقطاب والأزمات العالمية.
5. الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بوصفهما جبهة جديدة للمساواة
رغم أن موضوع الجلسة الأساسي هو المرأة في الدبلوماسية والعمل وصنع القرار، فإن محور الذكاء الاصطناعي حضر بقوة، خاصة في مداخلات كينيا باسم المجموعة الإفريقية، رواندا باسم مجموعة من الدول، بلجيكا، ليختنشتاين، النمسا، رومانيا، سويسرا، اليابان، سلوفينيا، UN Women، UNFPA، UNICEF، ITU، كوريا، المكسيك، إسبانيا، هولندا، مولدوفا، تشيلي، أيرلندا، وغيرها.
الطرح العام اعتبر أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة لتمكين النساء، لكنه قد يعمّق التمييز إذا لم يخضع لحوكمة حقوقية وجندرية، وقد ظهرت قضايا رئيسية:
الفجوة الرقمية بين النساء والرجال.
ضعف وصول النساء إلى الإنترنت والأجهزة والمهارات الرقمية.
التحيز الخوارزمي.
العنف الجنساني الميسر بالتكنولوجيا.
التزييف العميق والمحتوى المسيء.
مساءلة المنصات الرقمية ومطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ضعف تمثيل النساء في وظائف الذكاء الاصطناعي والبحث التقني.
الاتحاد الدولي للاتصالات قدم أرقاماً مهمة، منها أن النساء لا يشغلن سوى نحو 22% من الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عالمياً، ولا تتجاوز نسبتهن 12% من الباحثين في هذا المجال، وهذا جعل محور التكنولوجيا مرتبطاً مباشرة بموضوع الجلسة: فالمستقبل الدبلوماسي والاقتصادي يصاغ رقمياً، ومن لا تشارك من النساء في تصميمه سيبقين خارج مراكز التأثير الجديدة.
رابعاً: توجهات الدول والمجموعات حسب القارات والمناطق
1. التوجه الأوروبي
التوجه الأوروبي كان الأكثر تفصيلاً من الناحية الحقوقية والتنظيمية، فقد ركزت دول مثل إسبانيا، أيرلندا، هولندا، مالطا، بلغاريا، سلوفينيا، مونتينيغرو، رومانيا، سويسرا، بلجيكا، النمسا، ومولدوفا على:
المساواة في الأجور.
مكافحة الصور النمطية.
الأطر القانونية والتنظيمية.
التمثيل المتوازن في القيادة.
مكافحة العنف والتحرش.
التوفيق بين العمل والحياة الأسرية.
السياسة الخارجية النسوية.
حوكمة الذكاء الاصطناعي من منظور حقوق الإنسان.
مشاركة النساء في المنظمات الدولية والدبلوماسية.
كان الخط الأوروبي واضحاً في اعتبار المساواة الجندرية قضية مؤسساتية وتشريعية، وليست مجرد تمكين فردي، كما برزت مداخلات رقمية إيجابية مثل بلغاريا التي أشارت إلى أن النساء يشغلن 51.4% من المناصب الإدارية في وزارة الخارجية، وسلوفينيا التي أشارت إلى أن النساء يشكلن 42% من رؤساء بعثاتها الدبلوماسية في الخارج، وألبانيا التي ذكرت أن النساء يشكلن 54.9% من موظفي وزارة الخارجية و45% من المناصب القيادية.
2. التوجه الإفريقي
التوجه الإفريقي ركز على العلاقة بين تمكين المرأة والتنمية المستدامة، مع الاعتراف بالمعوقات البنيوية التي تواجه النساء في القارة، المجموعة الإفريقية، عبر كينيا، أكدت أن النساء الإفريقيات لا يزلن يعانين من نقص التمثيل في المجال الدبلوماسي ومواقع القرار، رغم بعض الإنجازات.
وقد ركزت المداخلات الإفريقية على:
البطالة بين النساء.
العمل منخفض الأجر.
الاقتصاد غير المنظم.
الممارسات الضارة.
الصور النمطية.
العنف ضد النساء والفتيات.
أهمية بروتوكول مابوتو.
استراتيجية الاتحاد الإفريقي للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة 2018–2028.
اتفاقية الاتحاد الإفريقي للقضاء على العنف ضد النساء والفتيات المعتمدة في فبراير 2025.
المقاربة الإفريقية بدت عملية وتنموية، لكنها في الوقت نفسه حقوقية، إذ ربطت مشاركة المرأة في القرار بالازدهار والتنمية المستدامة في القارة.
3. التوجه العربي والخليجي
الدول العربية والخليجية قدمت مقاربة تمكينية وتنموية، مع تركيز على الرؤى الوطنية، التعليم، التأهيل، القيادة، والحضور الدبلوماسي.
مجلس التعاون الخليجي، الإمارات، عمان، مصر، المغرب، موريتانيا، ولبنان قدمت زوايا مختلفة، فالخليج ركز على تمكين المرأة بوصفه جزءاً من التنمية المستدامة وبناء اقتصاد تنافسي، والإمارات أبرزت حضور المرأة الإماراتية في العمل الدبلوماسي وربطته برؤية وطنية تقوم على الاستثمار في القدرات النسائية، وعمان ربطت تمكين المرأة بالتحول الرقمي ورؤية عمان 2040، ومصر قدمت نموذجاً واضحاً حول دخول النساء السلك الدبلوماسي منذ عقود وتجاوز نسبتهن 50% في بعض الدفعات الحديثة، المغرب قدم مداخلة مؤسساتية وقانونية تربط العمل اللائق بالمساواة والحماية الاجتماعية.
موريتانيا أضافت بعداً مهماً عبر الحديث عن المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة وصندوق ضمان تحصيل النفقة والخلايا القطاعية لإدماج النوع الاجتماعي، أما لبنان، عبر السفيرة كارولين زيادة، فقدم شهادة شخصية عميقة عن كسر الحواجز داخل السلك الدبلوماسي.
4. التوجه اللاتيني
أمريكا اللاتينية برزت عبر البرازيل، تشيلي، غواتيمالا، الأوروغواي، المكسيك، والجمهورية الدومينيكية، وقد اتسمت هذه المقاربات بالتركيز على:
اقتصاد الرعاية.
المسؤولية المشتركة داخل الأسرة والمجتمع.
الأجور المتساوية.
التدريب والتكنولوجيا.
مكافحة العنف الرقمي.
حرية التعبير.
سياسات عامة لإعادة توزيع الرعاية.
مشاركة النساء في الحياة العامة والدبلوماسية.
البرازيل قدمت إضافة نوعية بربط مشاركة المرأة في العمل والحياة العامة بحرية التعبير، معتبرة أنها تمكّن النساء من التأثير في القرار، الإبلاغ عن الانتهاكات، إنتاج المعرفة، ومساءلة السلطات. أما المكسيك فقد برزت عبر الإشارة إلى قانون أوليمبيا بشأن العنف الرقمي، والجمهورية الدومينيكية ركزت باسم مجموعة من الدول على الرعاية غير مدفوعة الأجر بوصفها أحد جذور عدم المساواة.
5. التوجه الآسيوي
الهند، اليابان، كوريا، أذربيجان، وأرمينيا قدمت مقاربات متباينة لكنها التقت حول أهمية العمل والقيادة، فالهند أبرزت قوانين الحماية الاجتماعية وإجازة الأمومة ومكافحة التحرش، وأشارت إلى ارتفاع النساء في المناصب القيادية إلى نحو 40% عام 2024، ووجود النساء في ثلث المقاعد التشريعية، واليابان ركزت على العمل بوصفه أساساً للتمكين، وعلى أجندة المرأة والسلام والأمن، وكوريا ركزت على الجرائم الرقمية القائمة على النوع الاجتماعي وحماية الضحايا، وأذربيجان استحضرت تاريخ مشاركة المرأة في الحياة العامة والدبلوماسية لأكثر من قرن، وأرمينيا ركزت على مشاركة النساء في قطاع التكنولوجيا، حيث يشكلن نحو ثلث القوى العاملة في هذا القطاع.
خامساً: التوجهات المتفقة
يمكن القول إن الجلسة شهدت توافقاً واسعاً حول القضايا التالية:
1. حق المرأة في العمل شرط أساسي للتمثيل السياسي والدبلوماسي.
لم تعترض أي دولة على هذا المبدأ، بل تكرر في معظم المداخلات بصيغ مختلفة.
2. التمثيل العددي غير كافٍ.
غالبية المداخلات أكدت أن المطلوب هو تمثيل فعلي ومؤثر داخل صنع القرار.
3. أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر من أكبر المعوقات.
توافقت الدول والمنظمات على أن الرعاية المنزلية غير المتكافئة تحد من تقدم النساء مهنياً.
4. العنف والتحرش يحدان من مشاركة المرأة.
خصوصاً في أماكن العمل والفضاء الرقمي.
5. الحاجة إلى بيئات عمل آمنة وداعمة.
هذا ظهر في مداخلات الدول الأوروبية والعربية والإفريقية والأممية.
6. المساواة في الأجور والترقيات ضرورة.
الاتحاد الأوروبي، مالطا، البرازيل، ACT Alliance، Plan International وغيرها شددت على ذلك.
7. التعليم والتدريب والمهارات الرقمية بوابة للمستقبل.
ظهر ذلك لدى ITU، Plan International، Voluntaryism Organization، البرازيل، أرمينيا، عمان، وغيرها.
8. النساء في الدبلوماسية يعززن السلام والتنمية والاستقرار.
تكرر هذا المعنى في مداخلات لبنان، إسبانيا، الفرنكوفونية، المجموعة الإفريقية، والاتحاد الأوروبي.
سادساً: التوجهات غير المتفقة أو المختلفة
لم تكن الجلسة صدامية، لكن ظهرت فروقات في التصورات:
1. مقاربة حقوقية تقدمية مقابل مقاربة ثقافية/أسرية
نيجيريا ومنظمة التعاون الإسلامي ركزتا على أهمية الأسرة والخصوصيات الثقافية والدينية، مع التأكيد في الوقت ذاته على تمكين النساء، نيجيريا تحديداً أبدت تحفظاً على بعض التأويلات المتعلقة بمفهوم “أشكال الأسرة”، معتبرة أن إعادة تعريف مفاهيم غير متوافق عليها دولياً لا تراعي التنوع القانوني والثقافي.
في المقابل، ركزت الدول الأوروبية والمنظمات الأممية على المقاربة الحقوقية الشاملة، ومنها المساواة الفعلية، الحوكمة النسوية، ومساءلة المؤسسات.
هذا لا يمثل خلافاً مباشراً حول حق المرأة في العمل أو القيادة، لكنه يعكس اختلافاً في المرجعيات:
مرجعية حقوقية كونية مقابل مرجعية تراعي الخصوصيات الثقافية والأسرة
2. التركيز على التشريعات مقابل التركيز على التنمية
الدول الأوروبية ركزت على القوانين، الأطر التنظيمية، الاتفاقيات، التوصيات، والحصص.
الدول العربية والخليجية ركزت على التنمية الوطنية، الرؤى الاستراتيجية، التعليم، وبناء القدرات.
الدول الإفريقية ركزت على التنمية والاقتصاد غير المنظم والعنف ضد النساء.
دول أمريكا اللاتينية ركزت على الرعاية والسياسات الاجتماعية.
الاختلاف هنا ليس في الهدف، بل في المدخل: قانوني، تنموي، اجتماعي، أو اقتصادي.
3. الذكاء الاصطناعي: فرصة أم خطر؟
رغم الاتفاق على أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصاً ومخاطر، اختلفت درجة التركيز.
بعض الدول مثل بلجيكا، ليختنشتاين، سويسرا، إسبانيا، هولندا، UN Women وUNICEF ركزت على المخاطر: العنف الرقمي، التحيز، التزييف العميق، والمساءلة.
دول أخرى مثل عمان، اليابان، كوريا، الأوروغواي، تشيلي، ITU ركزت أيضاً على الفرص: التعليم، الصحة، الخدمات، التمكين الاقتصادي، والسلام والأمن.
4. انتخاب امرأة أميناً عاماً للأمم المتحدة
إسبانيا طرحت بوضوح ضرورة أن يتولى المنصب امرأة، في حين لم تتبنَّ معظم الدول هذا الطرح صراحة، كما ظهرت مداخلة الجمعية المسلمة المتحدة التي ذهبت باتجاه معاكس أو خارج السياق، عبر التحذير من “أجندات أيديولوجية” في سياق انتخاب الأمين العام، فقاطعتها رئاسة الجلسة لعدم ارتباطها بموضوع النقاش.
سابعاً: الاتهامات والرسائل النقدية في الجلسة
لم تكن الجلسة مخصصة لتبادل اتهامات بين الدول، ولذلك بقيت معظم المداخلات ضمن لغة دبلوماسية عامة، لكن يمكن رصد عدة أنواع من الاتهامات أو النقد:
1. اتهام مباشر لإيران
مداخلة Human Rights Research League وجهت اتهاماً واضحاً لأجهزة الأمن الإيرانية بممارسة القمع السياسي ضد النساء، خاصة في سياق الاحتجاجات بين 2022 و2026، واعتبار النساء رمزاً للمقاومة في المجتمع الإيراني.
هذه كانت أبرز إشارة مباشرة إلى دولة بعينها.
2. اتهامات غير مباشرة للقطاع الخاص وشركات التكنولوجيا
عدة مداخلات، منها ليختنشتاين، UN Women، سويسرا، أيرلندا، غواتيمالا، والاتحاد الدولي للاتصالات، حملت القطاع الخاص ومطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية مسؤولية ضمنية عن:
إهمال الأبعاد الجندرية عند تصميم التكنولوجيا.
عدم معالجة العنف الرقمي.
ضعف المساءلة.
إعادة إنتاج التحيزات الخوارزمية.
تطوير أدوات قد تضر النساء والفتيات.
3. اتهام للبنى المؤسسية والاجتماعية
معظم المداخلات وجهت نقداً بنيوياً للأنظمة التي تواصل إقصاء النساء، ومنها:
أنظمة العمل التي تفترض مساراً مهنياً متواصلاً لا يراعي الأمومة والرعاية.
مؤسسات لا تكافئ النساء بالمعايير نفسها.
ثقافات عمل قائمة على الصور النمطية.
ضعف الحماية الاجتماعية.
غياب الشفافية في التوظيف والترقية.
4. اتهام ضمني للدول المتقاعسة تشريعياً
UN Women، ACT Alliance، مجلس أوروبا، مالطا، الاتحاد الأوروبي، وغيرها أشارت إلى أن ضعف القوانين أو عدم تنفيذها يمنع النساء من الوصول للعدالة والحماية، وقد حمل ذلك نقداً ضمنياً للدول التي لم تعتمد تشريعات كافية لمكافحة العنف، التحرش، التمييز، أو العنف الرقمي.
5. مداخلة خارجة عن السياق
الجمعية المسلمة المتحدة حاولت تحويل النقاش إلى قضية انتخاب الأمين العام للأمم المتحدة والتحذير من أجندات أيديولوجية، رئاسة الجلسة قاطعت المداخلة وأكدت أن الجلسة مخصصة حصراً لحق المرأة في العمل وتمثيلها في صنع القرار، هذه الواقعة تكشف حساسية موضوع انتخاب الأمين العام، لكنها لم تتحول إلى نقاش داخل الجلسة.
ثامناً: القراءة السياسية والحقوقية للجلسة
حقوقياً، أكدت الجلسة أن مشاركة المرأة في الدبلوماسية ليست ملفاً منفصلاً، بل نتيجة لتراكم حقوقي يبدأ من التعليم والعمل والحماية من العنف وينتهي بالتمثيل في مؤسسات القرار، وقد انتقل النقاش من فكرة “تمكين النساء” إلى فكرة “تغيير المؤسسات” حتى تصبح القيادة النسائية طبيعية وليست استثناءً.
سياسياً، كشفت الجلسة أن المرأة في الدبلوماسية أصبحت معياراً لقياس جدية الدول في الالتزام بالمساواة، الدول التي قدمت أرقاماً واضحة، مثل ألبانيا وبلغاريا وسلوفينيا ومصر والهند، حاولت تقديم نماذج تقدمية أو إنجازية، في المقابل، مداخلات المنظمات الأممية والمجتمع المدني أبقت الضغط قائماً عبر التذكير بأن الأرقام العالمية لا تزال ضعيفة، وأن الفجوات الهيكلية لم تُحل.
كما أظهرت الجلسة أن موضوع المرأة في الدبلوماسية بدأ يتجاوز الإطار التقليدي للسياسة الخارجية، ليتصل بعالم العمل، الذكاء الاصطناعي، العنف الرقمي، اقتصاد الرعاية، التعليم، حرية التعبير، المناخ، والنزاعات، وهذا يعني أن الدبلوماسية نفسها لم تعد تُفهم بوصفها مجالاً رسمياً مغلقاً، بل امتداد لبنية اجتماعية واقتصادية تحدد من يصل إلى التفاوض ومن يبقى خارجه.
تاسعاً: الخلاصات الرئيسية
1. الجلسة شهدت توافقاً واسعاً على أن حق المرأة في العمل هو المدخل العملي للتمثيل في الدبلوماسية وصنع القرار.
2. أبرز معوق تكرر في معظم المداخلات هو عبء الرعاية غير مدفوعة الأجر، باعتباره حاجزاً خفياً يمنع النساء من التقدم المهني.
3. التمثيل العددي لم يعد كافياً؛ المطلوب هو تمكين النساء من صياغة الأجندات والقرارات.
4. العنف والتحرش، خصوصاً عبر الإنترنت، تحولا إلى أداة لإسكات النساء وإبعادهن عن المجال العام.
5. الدول الأوروبية قادت الخطاب الحقوقي والتشريعي، في حين قدمت الدول العربية والخليجية خطاباً تنموياً وطنياً، وركزت الدول الإفريقية على المعوقات البنيوية والعمل غير المنظم، أما أمريكا اللاتينية فبرزت بقوة في ملف اقتصاد الرعاية.
6. الذكاء الاصطناعي دخل النقاش باعتباره ساحة جديدة للتمييز أو التمكين، بحسب كيفية تنظيمه ومن يشارك في تصميمه.
7. الاتهامات المباشرة كانت محدودة، وأبرزها اتهام إيران بقمع النساء، في حين كانت معظم الرسائل النقدية موجهة إلى البنى المؤسسية والقطاع الخاص وشركات التكنولوجيا والأنظمة القانونية غير الكافية.
8. مداخلة الجمعية المسلمة المتحدة كشفت وجود حساسيات سياسية حول انتخاب الأمين العام المقبل للأمم المتحدة، لكنها عُدّت خارج سياق الجلسة.
9. الجلسة رسخت فكرة أن المساواة في الدبلوماسية لا تتحقق فقط عبر إصلاح وزارات الخارجية، بل عبر إصلاح سوق العمل، الأسرة، التعليم، التشريعات، الحماية الاجتماعية، والثقافة العامة.
عاشراً: خاتمة تحليلية
أظهرت الجلسة السادسة عشرة أن العالم لم يعد يناقش مشاركة المرأة في الدبلوماسية باعتبارها مطلباً رمزياً أو احتفالياً، بل باعتبارها اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدول والمؤسسات الدولية على تحويل المساواة من نصوص قانونية إلى واقع سياسي ومهني، فالسؤال المركزي لم يكن: كم عدد النساء في الدبلوماسية؟ بل: ما الذي يمنع النساء من الوصول؟ وما الذي يحدث عندما يصلن؟ وهل يمتلكن القدرة الفعلية على التأثير؟
الإجابة التي قدمتها الجلسة واضحة: الطريق إلى الدبلوماسية يبدأ قبل المنصب الدبلوماسي، يبدأ من الحق في التعليم، العمل اللائق، الأجر المتساوي، الحماية من العنف، تقاسم الرعاية، بناء الشبكات المهنية، والوصول إلى التكنولوجيا، لذلك فإن تمثيل المرأة في دوائر القرار ليس قضية وزارة خارجية فقط، بل قضية دولة ومجتمع واقتصاد وثقافة.
كما كشفت الجلسة عن انتقال مهم في الخطاب الدولي: لم تعد مشاركة المرأة تُطرح بوصفها “إنصافاً للنساء” فقط، بل بوصفها شرطاً لفعالية المؤسسات، جودة السياسات، استدامة السلام، شرعية القرار، وقدرة النظام متعدد الأطراف على مواجهة الأزمات، وبذلك تصبح المرأة في الدبلوماسية ليست ضيفة على الطاولة، بل شرط من شروط أن تكون الطاولة نفسها أكثر عدلاً وشرعية وفاعلية.
الخلاصة الأعمق أن الجلسة لم تكن احتفالاً تقليدياً بالمرأة في الدبلوماسية، بل مراجعة نقدية للعالم الذي ما زال يفاوض ويقرر في كثير من الأحيان من دون مشاركة متكافئة لنصف المجتمع، وقد اتفقت غالبية المداخلات، رغم اختلاف المرجعيات السياسية والثقافية، على أن مستقبل الدبلوماسية والعمل وصنع القرار لن يكون أكثر عدلاً ما لم تُزال المعوقات التي تمنع النساء من الوصول، التأثير، والقيادة.
