منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بالسجن 8 سنوات.. الاستئناف التونسية ترسخ إدانة ناشطة مناهضة للعنصرية وتشعل الجدل حول الحريات

24 يونيو 2026
الناشطة التونسية سعدية مصباح
الناشطة التونسية سعدية مصباح

أيدت محكمة الاستئناف التونسية، الحكم الصادر بحق الناشطة الحقوقية البارزة سعدية مصباح بالسجن ثماني سنوات، بعد إدانتها بتهم تتعلق بتبييض الأموال والإثراء غير المشروع، في قرار قضائي أعاد إلى الواجهة الجدل المتواصل بشأن واقع الحريات والحقوق المدنية في تونس.

 ويأتي الحكم بعد أكثر من عامين من توقيف مصباح التي تعد واحدة من أبرز الأصوات المدافعة عن مكافحة التمييز العنصري وحقوق المهاجرين في البلاد.

ونقلت وكالة فرانس برس عن اثنين من أعضاء هيئة الدفاع أن محكمة الاستئناف أيدت الثلاثاء الحكم الابتدائي الصادر في مارس الماضي، خلال جلسة الاستئناف الأخيرة التي حظيت بمتابعة محلية ودولية واسعة. كما حضر الجلسة ممثلون عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى جانب دبلوماسيين من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا، في مؤشر على الاهتمام الدولي بالقضية وتداعياتها الحقوقية والسياسية.

جلسة حاسمة

شهدت جلسة الثلاثاء الفصل النهائي في مسار الاستئناف الذي خاضته الناشطة التونسية بعد صدور الحكم الابتدائي في 19 مارس الماضي. وكانت المحكمة قد قضت آنذاك بسجن سعدية مصباح، البالغة من العمر 66 عاماً، لمدة ثماني سنوات، كما أصدرت حكما بالسجن ثلاث سنوات بحق ابنها فارس في القضية نفسها.

وأثار القرار منذ صدوره ردود فعل متباينة بين مؤيدي المسار القضائي الذين يؤكدون ضرورة تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وبين منظمات حقوقية ومحامين اعتبروا أن القضية تتجاوز الطابع المالي والقضائي إلى أبعاد مرتبطة بالنشاط الحقوقي الذي عرف عن مصباح خلال السنوات الماضية.

انتقادات حقوقية متواصلة

قبل أيام من جلسة الاستئناف، صعدت منظمة العفو الدولية من انتقاداتها للقضية، معتبرة أن الاتهامات المالية الموجهة إلى سعدية مصباح تفتقر إلى الأساس القانوني الكافي وترتبط بنشاطها في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. وأكدت المنظمة أن ملاحقة المدافعين عن الحقوق والحريات من خلال قضايا جنائية تمثل مصدر قلق متزايداً لدى الأوساط الحقوقية الدولية.

وتأتي هذه الانتقادات ضمن سلسلة مواقف صدرت عن منظمات محلية ودولية تابعت القضية منذ بدايتها، خاصة في ظل المكانة التي تحظى بها مصباح داخل المشهد الحقوقي التونسي، والدور الذي لعبته في ملفات حساسة تتعلق بالتمييز العنصري وحقوق المهاجرين.

دفاع يتمسك ببراءة الناشطة

وأكدت المحامية حياة الجزار، إحدى أعضاء هيئة الدفاع، أن سعدية مصباح تمثل رمزاً للنضال الحقوقي في تونس، مشيرة إلى إسهاماتها المباشرة في الدفع نحو إقرار قانون مكافحة العنصرية الذي دخل حيز التنفيذ عام 2018. وأضافت أن هذا التشريع شكل محطة مهمة في مسار تعزيز الحقوق المدنية داخل البلاد، معتبرة أن أجواء التحريض وخطابات الكراهية لعبت دوراً في تطورات القضية.

من جانبه، قال المحامي بسام الطريفي إن موكلته تواصلت معه في مايو 2024 وأبلغته بأنها تتعرض لحملة استهداف عنصرية واسعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وأضاف أن مصباح أعربت آنذاك عن مخاوفها من تطورات قد تطولها بشكل مباشر، قبل فترة وجيزة من فتح التحقيقات التي انتهت بتوقيفها وإحالتها إلى القضاء.

ملف المهاجرين في قلب الجدل

ارتبط اسم سعدية مصباح خلال السنوات الأخيرة بالدفاع عن المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء. وبرز حضورها بشكل أكبر عقب الخطاب الذي ألقاه الرئيس التونسي قيس سعيّد في فبراير 2023، عندما تحدث عن تدفقات المهاجرين إلى تونس واعتبر أن البلاد تواجه مخططاً يستهدف تغيير تركيبتها الديموغرافية.

وأثار ذلك الخطاب نقاشاً واسعاً داخل تونس وخارجها، حيث سجلت منظمات حقوقية ارتفاعاً في حوادث التمييز والعنف اللفظي ضد المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء. وفي المقابل، دافعت السلطات التونسية عن إجراءاتها باعتبارها جزءاً من جهود تنظيم ملف الهجرة ومواجهة التحديات الأمنية والاجتماعية المرتبطة به.

سياق سياسي وحقوقي حساس

يتزامن تثبيت الحكم على سعدية مصباح مع استمرار النقاش بشأن أوضاع الحقوق والحريات في تونس منذ عام 2021، عندما اتخذ الرئيس قيس سعيّد سلسلة إجراءات استثنائية أعادت رسم المشهد السياسي في البلاد. ومنذ ذلك الحين، تواصل منظمات حقوقية تونسية ودولية التعبير عن مخاوفها مما تصفه بتراجع هامش الحريات العامة وتزايد الضغوط على المعارضين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

قضية سعدية مصباح أصبحت تتجاوز حدود الملف القضائي لتتحول إلى إحدى القضايا الرمزية التي تعكس حالة الاستقطاب بين السلطة من جهة والمنظمات الحقوقية والمدنية من جهة أخرى، في وقت تتابع فيه جهات دولية عديدة تطورات المشهد التونسي عن كثب.

تعد سعدية مصباح من أبرز الناشطات الحقوقيات في تونس، وهي مؤسسة جمعية منامتي المعنية بمكافحة التمييز العنصري والدفاع عن حقوق التونسيين من ذوي البشرة السمراء والمهاجرين الأفارقة. وبرز دورها بشكل خاص خلال الحملة التي قادت إلى إقرار قانون القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري عام 2018، وهو أول تشريع من نوعه في منطقة المغرب العربي. كما كرست جزءاً كبيراً من نشاطها للدفاع عن المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، الأمر الذي جعلها إحدى الشخصيات الأكثر حضوراً في النقاشات المتعلقة بقضايا الهجرة والاندماج والحقوق المدنية داخل تونس خلال السنوات الأخيرة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print