شهدت الدورة الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة استمرار الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، جينا روميرو، حيث تركزت المناقشات حول التداعيات المتنامية للمراقبة الرقمية على الحريات المدنية والسياسية، وسط توافق واسع بين العديد من الدول والمنظمات الدولية على أن التحول الرقمي السريع وما صاحبه من انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة بات يفرض تحديات غير مسبوقة أمام ممارسة الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات.
وخلال الجلسة، برزت مخاوف متزايدة من أن تؤدي تقنيات المراقبة الحديثة إلى خلق ما وصفته المقررة الخاصة في تقريرها بـ”الأثر الرادع”، أي حالة الخوف والرقابة الذاتية التي تدفع الأفراد إلى الامتناع عن المشاركة في الأنشطة المدنية والسياسية خشية التعرض للمراقبة أو الاستهداف أو الوصم.
ومن بين المداخلات اللافتة، جاءت كلمة مندوبة الشباب الفنلندية التي تحدثت باسم جيلها، مؤكدة أن الفضاء المدني لم يعد ينقسم بين عالم رقمي وآخر واقعي، بل أصبح الشباب يتعلمون ويتواصلون وينظمون مبادراتهم ويشاركون في الحياة العامة عبر الفضاءات الرقمية بصورة متزايدة.
وأشارت إلى أن المراقبة الرقمية لا تحتاج بالضرورة إلى إسكات الجميع حتى تحقق تأثيرها، إذ يكفي شعور الأفراد بالخوف من التعبير أو المشاركة لإحداث ضرر عميق في الحياة الديمقراطية. وأضافت أن انعدام الشعور بالأمان في الفضاء الرقمي يؤثر على ثقة الشباب بالمستقبل ويجعل مساهمتهم في بناء مجتمعاتهم أكثر صعوبة.
وأكدت أن المشاركة المدنية لا يمكن أن تبقى مستدامة إذا تحولت إلى نشاط محفوف بالمخاطر، داعية الحكومات والشركات إلى إبقاء حقوق الإنسان في صميم تصميم وإدارة التقنيات الرقمية وضمان بقاء الفضاء المدني آمنا ومفتوحا أمام الجميع.
تحذيرات من المراقبة الرقمية
بدورها، أكدت مقدونيا الشمالية دعمها القوي لولاية المقررة الخاصة، مشيرة إلى أن حرية التجمع وتكوين الجمعيات تشكلان من الحقوق الأساسية الملازمة للكرامة الإنسانية.
وأعربت عن قلقها من الاستخدام المتزايد، معتبرة أن العديد من المبررات المستخدمة لتوسيع المراقبة، سواء تحت عنوان الأمن القومي أو السيادة أو السلامة العامة أو مكافحة خطاب الكراهية، قد تؤدي عمليا إلى تضييق الفضاء المدني وتقييد النشاط السياسي المشروع.
ورأت أن مثل هذه التدابير يمكن أن تؤثر بصورة غير متناسبة على الفئات المهمشة، وتؤدي إلى قمع الحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني والتجمعات السلمية، كما أنها تخلق مناخا من الخوف يمنع الأفراد من الانخراط في الحياة العامة.
وأشارت إلى أن بلادها تنفذ إصلاحات في قطاعي الأمن والاستخبارات بهدف تقليل مخاطر انتهاك الحقوق مع الحفاظ في الوقت ذاته على الأمن القومي.
النساء والفتيات أكثر تأثراً
وسلّطت النمسا الضوء على البعد الاجتماعي والنفسي للمراقبة الرقمية، مشيرة إلى أن التقنيات الحديثة لا تؤثر فقط على الأفراد المستهدفين بشكل مباشر، بل تمتد آثارها إلى أسرهم ومجتمعاتهم والحركات الاجتماعية التي ينتمون إليها.
وأكدت أن المراقبة، سواء كانت فعلية أو متصورة، قد تؤدي إلى تآكل العلاقات الاجتماعية وخلق مناخ من انعدام الثقة والخوف المتبادل، كما أن آثارها قد تكون أكثر حدة على النساء والفتيات، الأمر الذي يحد من مشاركتهن في الفضاء العام ويقوض قدرتهن على ممارسة حقهن في التجمع والتنظيم.
وفي المقابل، عرضت تنزانيا تجربتها الوطنية في مجال حماية البيانات الشخصية، مؤكدة التزامها باحترام الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور والاتفاقيات الدولية.
وأشارت إلى اعتماد قانون حماية البيانات الشخصية عام 2022 وإنشاء مفوضية مستقلة لحماية البيانات عام 2023، بهدف ضمان أن تتم عمليات جمع البيانات ومعالجتها وتخزينها وفقا للقانون والمبادئ الدولية.
وشددت على ضرورة تمكين جميع الأفراد من التواصل والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية والسياسية دون خوف من الانتقام أو الاستهداف، مؤكدة أن حماية الخصوصية وحرية التعبير تشكلان أساسا للمشاركة الديمقراطية والكرامة الإنسانية.
التكنولوجيا وتعزيز الحقوق
من جانبه، أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن المخاطر المرتبطة بالمراقبة الرقمية لم تعد مجرد فرضيات نظرية، بل أصبحت تؤثر بشكل مباشر على استعداد الأفراد للمشاركة في الحياة العامة والتنظيم والتعبير عن آرائهم.
وأوضح البرنامج أن عمله في مجال المشاركة المدنية الرقمية يستند إلى مبدأ أساسي يتمثل في أن التكنولوجيا، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن تكون أداة لتعزيز حقوق الإنسان لا لتقويضها.
وأشار إلى أهمية الحوكمة التشاركية للتكنولوجيا، من خلال إشراك المواطنين والخبراء وصناع القرار في النقاشات المتعلقة بتطوير واستخدام التقنيات الرقمية، معتبرا أن هذا النهج يسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة وبناء الثقة العامة.
ولفت إلى تجارب يجري تنفيذها في عدد من الدول مثل المغرب وبنغلاديش وباراغواي، حيث يتم تنظيم حوارات وطنية حول حوكمة الذكاء الاصطناعي وإشراك المواطنين في صياغة السياسات الرقمية.
حماية المدافعين عن حقوق الإنسان
أما غواتيمالا فركزت على أهمية حماية المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين وقادة المجتمعات المحلية باعتبارهم أطرافا رئيسية في بناء مجتمعات أكثر شمولا.
وأشارت إلى اعتماد سياسة عامة لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان للفترة بين 2025 و2035، معتبرة أنها تمثل خطوة مهمة لتعزيز الوقاية من المخاطر وتوفير الحماية والوصول إلى العدالة.
وأكدت أن تجديد المؤسسات القضائية يمثل فرصة لتعزيز استقلال القضاء ومكافحة الإفلات من العقاب وتوفير بيئة أكثر ملاءمة لممارسة الحريات الأساسية.
التوازن بين الأمن والحقوق
واحتلت مسألة التوازن بين مقتضيات الأمن وحقوق الإنسان حيزا مهما من النقاشات، ففي مداخلتها، أكدت بوركينا فاسو أن استخدام التقنيات الرقمية ينبغي أن يستند إلى مبادئ الشرعية والتناسب والضرورة، وأن يكون خاضعا لإطار قانوني واضح ومحدد.
وأشارت إلى أن الدستور الوطني يؤكد أن التكنولوجيا يجب أن تكون في خدمة الإنسان وألا تمس الحريات الفردية والجماعية أو الحقوق الأساسية.
وتساءلت عن كيفية التوفيق بين الحاجة إلى استخدام المراقبة الرقمية لحماية الأمن العام وبين ضرورة حماية الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات.
وفي السياق نفسه، أكدت نيجيريا أن الدول تواجه تهديدات حقيقية تشمل الإرهاب والتطرف العنيف والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وهو ما يجعل بعض التدابير الأمنية ضرورية لحماية الأرواح والحفاظ على النظام العام.
غير أنها شددت في الوقت ذاته على أن هذه التدابير يجب أن تكون مشروعة ومتناسبة وخاضعة لإشراف قضائي وقانوني صارم، وألا تتحول إلى أدوات لتقييد الفضاء المدني.
دعوات لتعزيز المساءلة
وأعربت عدة دول أوروبية عن قلقها من توسع استخدام المراقبة الرقمية، فقد شددت جمهورية التشيك على أهمية وضع ضمانات تضمن أن تكون أي عمليات مراقبة محددة زمنيا وخاضعة لتفويض قضائي ورقابة مستقلة فعالة.
وأكدت سويسرا أن استخدام تقنيات المراقبة البصرية وبرامج التجسس ينبغي أن يخضع لتحليل معمق لتأثيراته على حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن الاحتجاجات السلمية يجب ألا تكون هدفا للمراقبة أو الاستهداف الأمني.
ودعت إلى تطوير آليات فعالة للمساءلة تضمن التزام أجهزة إنفاذ القانون بمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب.
وشهدت الجلسة أيضا مواقف متباينة بشأن أوضاع حقوق الإنسان في عدد من الدول، فقد أعربت التشيك عن قلقها إزاء القيود المفروضة على الحريات المدنية والسياسية في نيكاراغوا، مشيرة إلى تقارير أممية تحدثت عن أوضاع مقلقة للمدافعين عن حقوق الإنسان.
وفي المقابل، رفضت الصين ما وصفته بالادعاءات المتعلقة بوجود مراقبة رقمية تنتهك الحقوق داخل البلاد، مؤكدة أن الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين مكفولة بموجب الدستور والقوانين الوطنية.
وشددت بكين على أن ممارسة الحقوق والحريات يجب أن تتم في إطار القانون وبما لا يضر بمصالح الدولة أو المجتمع، داعية المقررة الخاصة إلى الاعتماد على المعلومات الرسمية وتجنب ما وصفته بالمصادر الانتقائية أو المتحيزة.
وأكدت إيران أن تقييم أوضاع حرية التجمع يجب أن يأخذ في الاعتبار السياقات الأمنية والعسكرية الخاصة بكل دولة، مشيرة إلى تأثير العمليات العسكرية والصراعات المسلحة على قدرة الأفراد على ممارسة حقهم في التجمع السلمي.
التضامن أصبح محفوفاً بالمخاطر
ومن بين أكثر المداخلات السياسية حضورا كانت كلمة دولة فلسطين، التي أشارت إلى ما وصفته بتضييق متزايد على الحيز المدني المرتبط بالتضامن مع الشعب الفلسطيني.
وأكدت أن المتظاهرين السلميين والطلاب والأكاديميين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان تعرضوا خلال العامين والنصف الماضيين للوصم والقيود والترهيب بسبب تعبيرهم عن التضامن مع الفلسطينيين أو مطالبتهم بالمساءلة.
ورأت أن الخلط بين انتقاد السياسات الإسرائيلية وبين التطرف أو الإرهاب أدى إلى خلق بيئة يخشى فيها كثيرون التعبير عن آرائهم، وهو ما يجسد بصورة واضحة مفهوم “الأثر الرادع” الذي ركز عليه تقرير المقررة الخاصة.
وأضافت أن هذه الظاهرة لا تؤثر فقط على الأشخاص المستهدفين مباشرة، بل تدفع شرائح أوسع إلى الصمت وتؤدي إلى تقلص النقاش العام وإضعاف قدرة المجتمعات على المطالبة بالعدالة والمساءلة.
بناء الثقة في الفضاء الرقمي
بدوره، أكد الأردن أن الفضاء الرقمي أصبح جزءا أساسيا من حياة الأفراد ومجالات التعبير والتواصل والمشاركة العامة، ما يجعل حماية الحقوق والحريات فيه أمرا ضروريا لتعزيز الثقة المجتمعية.
وأشار إلى أن التكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة لتوسيع المشاركة المدنية لا لتقييدها، مع الاعتراف في الوقت نفسه بالمخاطر المرتبطة بالمعلومات المضللة وخطاب الكراهية والجريمة الرقمية.
وأوضح أن الأردن يواصل تنفيذ برامج للتحول الرقمي وتعزيز الثقة في الخدمات الرقمية، متسائلا عن الضمانات العملية التي يمكن أن تساعد الدول على بناء هذه الثقة مع الحفاظ على الحقوق الأساسية.
مواقف داعمة للحوكمة الرقمية
كما شددت دول عدة، بينها إندونيسيا وزامبيا وإثيوبيا، على أهمية تحقيق توازن بين حماية الحقوق والحريات من جهة، ومواجهة التهديدات الرقمية المتزايدة من جهة أخرى.
وأكدت هذه الدول أن مكافحة الجرائم الإلكترونية واستغلال الأطفال عبر الإنترنت والمعلومات المضللة تمثل تحديات حقيقية تتطلب استجابات تنظيمية مناسبة، لكنها شددت أيضا على ضرورة ألا تتحول هذه التدابير إلى مبرر للمراقبة العشوائية أو لتقييد الأنشطة المدنية المشروعة.
ودعت إلى مواصلة الحوار الدولي وتبادل الخبرات وبناء القدرات، خاصة في الدول النامية، لضمان أن تسهم التكنولوجيا في تعزيز المشاركة والشمول بدلا من تقويضها.
توافق ومخاوف مستمرة
وكشفت المناقشات عن وجود توافق واسع بين معظم المشاركين على أن التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي تتيح فرصا كبيرة لتعزيز المشاركة المدنية والتواصل المجتمعي، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطر حقيقية إذا استخدمت دون ضوابط واضحة.
وأظهرت الجلسة تزايد القلق الدولي من تحول المراقبة الرقمية إلى أداة تؤثر على جوهر المشاركة الديمقراطية عبر خلق مناخ من الخوف والرقابة الذاتية وتقليص الفضاء المدني.
وفي حين شددت دول عديدة على ضرورة تعزيز الأطر القانونية والرقابية والضمانات القضائية، برزت أيضا دعوات إلى إشراك المواطنين والمجتمع المدني في صياغة السياسات الرقمية، وإخضاع استخدام التقنيات عالية المخاطر لتقييمات حقوقية مستقلة قبل اعتمادها.
وتؤكد المناقشات الجارية داخل مجلس حقوق الإنسان أن قضية المراقبة الرقمية لم تعد ترتبط فقط بالخصوصية وحماية البيانات، بل أصبحت تمس بصورة مباشرة مستقبل الحريات المدنية والسياسية وقدرة الأفراد على المشاركة في الحياة العامة، وهو ما يجعلها واحدة من أبرز التحديات الحقوقية في العصر الرقمي.
