صعّد الاتحاد الأوروبي إجراءاته التنظيمية ضد شركات التكنولوجيا الكبرى، بعدما فرض غرامتين جديدتين على شركة غوغل بإجمالي 890 مليون يورو، في خطوة تعكس تمسك بروكسل بتطبيق قواعد المنافسة الرقمية، رغم التحذيرات الأمريكية من أن الإجراءات الأوروبية تستهدف الشركات التكنولوجية الأمريكية، ويأتي القرار في وقت تتداخل فيه ملفات المنافسة الرقمية مع العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وذكرت المفوضية الأوروبية أن الغرامة الأولى، وقيمتها 460 مليون يورو، جاءت بعدما منحت غوغل أفضلية غير قانونية لخدماتها الخاصة، مثل غوغل فلايتس وغوغل هوتيلز، عند عرض نتائج البحث، وهو ما اعتبرته المفوضية ممارسة تضر بالشركات المنافسة وتحرم المستهلكين من خيارات متكافئة.
كما فرضت المفوضية غرامة ثانية بقيمة 430 مليون يورو بسبب منع مطوري التطبيقات من عرض بدائل وعروض مجانية للمستخدمين خارج متجر غوغل بلاي، في مخالفة لأحكام قانون الأسواق الرقمية.
تعزيز المنافسة الرقمية
أكدت مسؤولة التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي هينا فيركونين أن القرار يهدف إلى ترسيخ بيئة رقمية أكثر عدالة، موضحة أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى ضمان قدرة الشركات الأخرى على الابتكار والمنافسة دون أن تواجه ممارسات تفضيلية من الشركات المسيطرة على الأسواق الرقمية.
وأضافت المفوضية الأوروبية أن التحقيق أظهر استمرار غوغل في تفضيل خدماتها الخاصة داخل محرك البحث، رغم دخول قانون الأسواق الرقمية حيز التنفيذ، كما أوضحت أن المخالفة المتعلقة بمتجر غوغل بلاي شملت الفترة الممتدة بين مارس 2024 وديسمبر 2025.
غوغل ترفض الاتهامات
رفضت غوغل نتائج التحقيق الأوروبي، مؤكدة أن القرارات الجديدة ستؤثر سلبا في جودة الخدمات التي يحصل عليها المستخدمون داخل دول الاتحاد الأوروبي.
وقال رئيس الشؤون العالمية في غوغل كينت ووكر إن التشريعات ينبغي أن تسهم في تطوير المنتجات وتحسينها، لا أن تفرض قيودا تجعل الخدمات أقل كفاءة. وأضاف أن الشركة اضطرت إلى إزالة بعض المزايا التي اعتاد المستخدمون الأوروبيون الاستفادة منها، مثل عرض الأسعار الفورية وإمكانية الحجز المباشر للفنادق والرحلات الجوية والمطاعم، كما اعتبر أن الإجراءات الأوروبية تضعف أنظمة الحماية الأمنية في متجر غوغل بلاي.
بروكسل تتمسك بالقواعد
أكدت مفوضة المنافسة في الاتحاد الأوروبي تيريزا ريبيرا أن نجاح أي منتج يجب أن يعتمد على جودته وقدرته على المنافسة، وليس على امتلاك الشركة لمحرك البحث أو المنصة التي تعرض الخدمات للمستخدمين.
وأوضحت أن المفوضية ستواصل تطبيق قواعد المنافسة الرقمية على جميع الشركات دون استثناء، مشيرة إلى أن غوغل تواجه احتمال فرض غرامات إضافية إذا لم تلتزم بتصحيح المخالفات خلال مهلة ستين يوما، وهو ما قد يعرضها لغرامات مالية دورية إلى حين تنفيذ القرار.
توتر محتمل مع واشنطن
جاءت الغرامات الأوروبية قبل أيام من الذكرى السنوية الأولى للاتفاق التجاري الذي توصل إليه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وأسهم في تهدئة التوترات التجارية بين الجانبين.
وسبق لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن اتهمت بروكسل باستهداف شركات التكنولوجيا الأمريكية من خلال القوانين الرقمية الجديدة، كما لوحت بالرد عبر إجراءات تجارية وفرض رسوم جمركية إذا استمرت المفوضية الأوروبية في هذا النهج.
ورغم هذه التحذيرات، أكدت مسؤولو الاتحاد الأوروبي أن تطبيق القوانين الأوروبية لا يرتبط بالمفاوضات التجارية، وإنما يستند إلى التزام قانوني بحماية المنافسة العادلة داخل السوق الأوروبية.
أكبر عقوبات
تمثل الغرامتان أكبر عقوبة مالية تفرض على شركة واحدة بموجب قانون الأسواق الرقمية منذ بدء تطبيقه عام 2024، وسبق للمفوضية الأوروبية أن فرضت خلال عام 2025 غرامة بقيمة 500 مليون يورو على شركة آبل، وأخرى بقيمة 200 مليون يورو على شركة ميتا، في إطار تطبيق القانون نفسه.
وأوضح مسؤولون أوروبيون أن قيمة الغرامات المفروضة على غوغل تمثل نحو 0.22 في المئة فقط من الإيرادات العالمية للشركة، بينما يتيح قانون الأسواق الرقمية للمفوضية فرض غرامات تصل إلى 10 في المئة من إجمالي الإيرادات السنوية العالمية في حال ارتكاب مخالفات جسيمة أو تكرارها.
تاريخ طويل من النزاعات
لا تعد هذه القضية الأولى بين غوغل والاتحاد الأوروبي، إذ فرضت بروكسل على الشركة بين عامي 2017 و2019 غرامات تجاوزت 8.2 مليار يورو في قضايا احتكار ومنافسة مختلفة، كما أصدرت المفوضية الأوروبية خلال سبتمبر 2025 غرامة إضافية بلغت 2.95 مليار يورو في قضية منفصلة بموجب قواعد مكافحة الاحتكار.
وأكدت تيريزا ريبيرا أن الاتحاد الأوروبي لا يستهدف شركات بعينها، بل يطبق القواعد التي أقرتها مؤسساته على جميع الشركات العاملة داخل السوق الأوروبية. وأضافت أن السلطات الأمريكية نفسها تنظر في قضايا مشابهة تتعلق بالمنافسة الرقمية، وهو ما يعكس وجود توجه دولي متزايد لتنظيم عمل المنصات الرقمية الكبرى.
دخل قانون الأسواق الرقمية حيز التنفيذ في الاتحاد الأوروبي عام 2024 بهدف الحد من هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى على الأسواق الرقمية، وإلزام المنصات المسيطرة بإتاحة فرص متساوية أمام المنافسين والمستهلكين، ويمنح القانون المفوضية الأوروبية صلاحيات واسعة للتحقيق وفرض غرامات مالية مرتفعة على الشركات التي تستغل موقعها المهيمن في السوق.
وفي المقابل، ترى شركات التكنولوجيا الأمريكية أن بعض أحكام القانون تفرض عليها التزامات أكثر صرامة من تلك المفروضة على منافسين آخرين، بينما تؤكد المفوضية الأوروبية أن التشريع يهدف إلى حماية المنافسة والابتكار وضمان حصول المستهلكين على خيارات أوسع داخل السوق الرقمية الأوروبية.
