تناول تقرير أممي جديد صادر ضمن وثائق الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان وضع استقلال القضاة والمحامين في غواتيمالا، وذلك بعد زيارة أجرتها المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين مارغريت ساترثويت إلى البلاد خلال الفترة من 12 إلى 23 مايو 2025.
ويعرض التقرير صورة مقلقة عن أزمة عميقة في منظومة العدالة، حيث تتداخل المصالح السياسية والاقتصادية والجنائية، ما يضعف التعيينات القضائية، ويؤدي إلى توظيف القانون الجنائي ضد فاعلين عدليين مستقلين.
ويكتسب التقرير أهمية خاصة لأن غواتيمالا مقبلة في عام 2026 على تعيينات مؤسسية كبرى تشمل المحكمة الدستورية، ومنصب المدعي العام، والمحكمة الانتخابية العليا، ويرى التقرير أن هذه التعيينات قد تكون لحظة حاسمة: إما لبدء تفكيك أنماط تسييس العدالة، أو لترسيخ أزمة قائمة في استقلال القضاء وسيادة القانون.
أزمة في منظومة العدالة
يشير التقرير إلى أن غواتيمالا تمتلك إطاراً دستورياً قوياً نسبياً، إذ ينص الدستور على استقلال القضاة والضمانات الخاصة بعدم نقلهم أو عزلهم أو تعليق عملهم إلا وفق القانون، كما ينظم الإطار القانوني عمل السلطة القضائية، المحكمة الدستورية، النيابة العامة، ومؤسسة الدفاع العام الجنائي.
لكن المقررة الخاصة خلصت إلى أن وجود الإطار الدستوري لا يكفي؛ لأن منظومة العدالة تمر بأزمة حادة، فقد وجدت أن هناك تركيزاً للسلطة داخل مؤسسات رئيسة، وتوظيفاً انتقائياً للقانون، وتراجعاً في الثقة العامة، إلى جانب ملاحقة قضاة ومدعين ومحامين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وقيادات من الشعوب الأصلية.
تعيينات 2026.. لحظة مفصلية
يؤكد التقرير أن عام 2026 سيكون عاماً حاسماً بالنسبة لاستقلال القضاء في غواتيمالا، بسبب التعيينات المرتقبة في المحكمة الدستورية، ومكتب المدعي العام، والمحكمة الانتخابية العليا، ويرى التقرير أن طريقة إدارة هذه التعيينات ستحدد ما إذا كانت البلاد ستتجه نحو استعادة استقلال العدالة أو نحو تعميق أنماط التسييس والإفلات من العقاب.
وتربط المقررة الخاصة بين إصلاح التعيينات القضائية والحاجة إلى ضمان معايير قائمة على الجدارة، والشفافية، والاستقلال عن النفوذ السياسي أو الاقتصادي أو الجنائي، كما يشير تقريرها الموضوعي الأوسع حول مبادئ التعيينات القضائية إلى أن أنظمة اختيار القضاة يجب أن تمنع التأثير السياسي في النتائج، وأن تعزز دور الهيئات المستقلة في تقييم المرشحين على أساس الكفاءة والنزاهة.
ومن أخطر ما يرصده التقرير هو استخدام الإجراءات الجنائية ضد قضاة ومدعين ومحامين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وقيادات من الشعوب الأصلية، ويشير إلى أن عدداً من الفاعلين العدليين المستقلين يواجهون ملاحقات قضائية، وبعضهم محتجز، في حين اضطر كثيرون إلى مغادرة البلاد والعيش في المنفى.
هذا النمط لا يمس فقط حقوق الأشخاص المستهدفين، بل يضرب قدرة النظام القضائي على العمل باستقلال، فعندما يتعرض القضاة والمدعون والمحامون للملاحقة بسبب عملهم في قضايا فساد أو حقوق إنسان أو عدالة انتقالية، تصبح الرسالة الأوسع لباقي المنظومة أن الاستقلال قد يكون مكلفاً.
المحامون تحت الضغط
أفرد التقرير مساحة مهمة لوضع المحامين، مشيراً إلى أن البيئة التي يعمل فيها كثير من المحامين أصبحت أكثر برودة وخوفاً بسبب الترهيب، التهديدات، وخطر التجريم، خاصة في القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان، العدالة الانتقالية، حقوق الشعوب الأصلية، أو الدفاع عن فاعلين عدليين، وأكد التقرير أن المحامين المنتمين إلى مجتمعات الشعوب الأصلية يواجهون هشاشة كبرى.
وأشار التقرير إلى وجود فجوات في خدمات الدفاع العام، حيث تحد محدودية التغطية الجغرافية ونقص الكوادر والفوارق الكبيرة في الميزانية مقارنة بالنيابة العامة من قدرة الدفاع على إجراء تحقيقات مستقلة أو الحصول على خبرات فنية، وهو ما يؤثر في مبدأ تكافؤ السلاح وضمانات المحاكمة العادلة.
تطرق التقرير إلى دور الجامعات وكليات القانون ونقابة المحامين في حماية استقلال القضاء، فقد أشار إلى قلق من انتشار كليات قانون خاصة ذات معايير أكاديمية ضعيفة، واعتبر أن بعض هذه المؤسسات تبدو وكأن هدفها الأساسي هو الحصول على تمثيل في لجان الترشيح القضائي.
العدالة الانتقالية والضحايا
وأشار التقرير إلى أن بعض كليات القانون لا تعطي وزناً كافياً للكفاءة الثقافية، التعددية القانونية، وحقوق الشعوب الأصلية، وهو ما ينعكس لاحقاً على ممارسات النيابة والأحكام القضائية، خاصة القضايا المتعلقة بالأراضي والموارد الطبيعية والحقوق الجماعية للشعوب الأصلية.
ولفت إلى أن قضايا العدالة الانتقالية المرتبطة بالنزاع المسلح الداخلي ما تزال تواجه تأخيراً وتعطيلاً، وأن هناك إنكاراً مستمراً لجرائم الماضي، ومنها جرائم خطِرة ارتُكبت خلال النزاع، لافتاً إلى أن بعض من يتولون قضايا العدالة الانتقالية تعرضوا هم أنفسهم للتجريم أو المنفى بسبب عملهم في ملفات الانتهاكات الجسيمة.
ويرى التقرير أن أزمة العدالة في غواتيمالا أثرت بشكل غير متناسب في الشعوب الأصلية والنساء والفئات المهمشة الذين يواجهون أصلاً معوقات متجذرة في الوصول إلى العدالة، كما أن خروج فاعلين عدليين إلى المنفى أضعف القدرة المؤسسية وعمّق الإفلات من العقاب، وترك الضحايا دون سبل انتصاف فعالة.
قراءة حقوقية
يكشف تقرير غواتيمالا أزمة تتجاوز مجرد خلل إداري في القضاء، فالمشكلة، كما يعرضها التقرير، تتعلق بتوظيف مؤسسات العدالة نفسها في ملاحقة فاعلين مستقلين، وبتركيز السلطة داخل مؤسسات رئيسة، وباستخدام الإجراءات الجنائية بطريقة انتقائية، وهذا يجعل استقلال القضاء ليس مسألة تقنية، بل شرط أساسي لحماية الحقوق ومكافحة الفساد وضمان الوصول إلى العدالة.
ويوضح التقرير أن إصلاح التعيينات القضائية ليس تفصيلاً إدارياً، بل مدخل رئيس لإعادة بناء الثقة، فإذا كانت آليات اختيار القضاة والمدعين خاضعة لتأثيرات سياسية أو اقتصادية أو جنائية، فإن النظام القضائي يصبح أكثر عرضة للاستخدام بوصفه أداة للضغط أو الانتقام بدلاً من أن يكون وسيلة حماية وإنصاف.
ويضع تقرير المقررة الخاصة غواتيمالا أمام لحظة حاسمة، فالبلاد تمتلك إطاراً دستورياً وقانونياً يمكن أن يدعم استقلال القضاء، لكنها تواجه أزمة عميقة في التطبيق بسبب تسييس التعيينات، توظيف القانون الجنائي ضد فاعلين مستقلين، ضعف الرقابة على سلطة الادعاء، واستمرار معوقات الوصول إلى العدالة، خاصة للشعوب الأصلية والنساء والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وتؤكد الوثيقة أن تعيينات عام 2026 قد تكون فرصة لإصلاح مسار العدالة، إذا جرت وفق معايير الشفافية والجدارة والاستقلال، أما دون إصلاح عاجل ومنسق، فيحذر التقرير من استمرار تحول منظومة العدالة من أداة حماية إلى أداة اضطهاد.
