كشف تقرير أممي حديث عن أزمة عميقة تضرب منظومة العدالة في غواتيمالا، محذراً من أن استقلال القضاء وسيادة القانون يواجهان تحديات متزايدة نتيجة ما وصفه التقرير بتسييس المؤسسات القضائية واستخدام الإجراءات القانونية كأدوات لملاحقة المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في قطاع العدالة.
وأوضح التقرير، الذي أعدته المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين وتناقشه الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتي تبدأ فعالياتها من 15 يونيو الجاري وحتى 10 يوليو، أن النظام القضائي في غواتيمالا يشهد تراجعاً مقلقاً في معايير الاستقلال والنزاهة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على ثقة المواطنين في مؤسسات العدالة وقدرتها على توفير الحماية القانونية المتساوية للجميع.
ويشير التقرير إلى أن الإصلاحات والتغييرات التي شهدتها المؤسسات القضائية خلال السنوات الأخيرة أسهمت في تعزيز النفوذ السياسي داخل أجهزة العدالة، ما أضعف الضمانات التي تكفل استقلال القضاة وأعضاء النيابة العامة عن الضغوط السياسية والاقتصادية.
ويرى أن هذا الواقع خلق بيئة يشعر فيها كثير من العاملين في قطاع العدالة بأن استقلالهم المهني بات مهدداً بصورة متزايدة.
وفي ما يتعلق بالسلطة القضائية، يلفت التقرير إلى أن عمليات نقل القضاة وإعادة توزيعهم بين المحاكم والاختصاصات المختلفة أصبحت تمثل أحد أبرز مصادر القلق، خاصة في الحالات التي تتم دون موافقة القاضي أو دون مبررات واضحة.
ويؤكد أن مثل هذه الإجراءات تؤدي إلى إضعاف الخبرات المتخصصة وتقويض الاستقرار الوظيفي، فضلاً عن إمكانية استخدامها وسيلة ضغط غير مباشرة على القضاة.
يرصد التقرير وجود شكاوى بشأن تأثير الاعتبارات السياسية على الترقيات والتعيينات داخل الجهاز القضائي، حيث أفادت شهادات تلقاها فريق الأمم المتحدة بأن الدعم السياسي أصبح عاملاً مؤثراً في المسار المهني لبعض القضاة، وهو ما يثير مخاوف تتعلق بمبدأ الجدارة والاستقلالية في إدارة العدالة.
ووفق التقرير، انعكست هذه التطورات على أداء الهيئات التأديبية والرقابية داخل القضاء، حيث أصبحت العديد من الشكاوى المتعلقة بسوء السلوك أو الانتهاكات المهنية لا تخضع للتحقيق الفعال، في حين تزايد الشعور داخل الأوساط القضائية بوجود ضغوط تدفع نحو الامتثال لقرارات ومواقف المستويات العليا في المنظومة القضائية.
وفي جانب آخر، تناول التقرير أوضاع النيابة العامة، معتبراً أن هيكلها الإداري الحالي يثير تساؤلات جدية بشأن استقلالية عمل المدعين العامين.
وأشار إلى أن جميع مراحل الإجراءات التأديبية تقريباً تخضع لسلطة هرمية مركزية، ومنها التحقيق في المخالفات واتخاذ القرارات التأديبية والنظر في الطعون، الأمر الذي يضعف الضمانات المرتبطة بالمحاكمة العادلة والاستقلال الوظيفي.
وكشف التقرير أن مئات المدعين العامين تعرضوا خلال السنوات الماضية لإجراءات تأديبية وعقوبات إدارية، في حين تم فصل أكثر من مئة مدعٍ عام من وظائفهم، وسط اتهامات بأن بعض هذه الإجراءات افتقرت إلى الضمانات القانونية الكافية أو اتخذت في ظروف تثير الشكوك بشأن دوافعها الحقيقية.
أعرب التقرير عن قلقه من عمليات النقل الواسعة التي طالت عدداً كبيراً من أعضاء النيابة العامة، حيث جرى نقل بعضهم إلى مناطق أو اختصاصات لا تتناسب مع خبراتهم المهنية، بينما أوكلت مناصب حساسة إلى أشخاص محدودي الخبرة. ويرى التقرير أن هذه السياسة أضعفت قدرة بعض الوحدات المتخصصة على أداء مهامها بفعالية.
وفي سياق متصل، انتقد التقرير إعادة توزيع الموارد المالية داخل النيابة العامة، مشيراً إلى أن بعض الوحدات المعنية بمكافحة الفساد والإفلات من العقاب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تعرضت لتخفيضات في التمويل، رغم تضاعف الميزانية العامة للمؤسسة خلال السنوات الأخيرة. وفي المقابل، تم توجيه موارد إضافية إلى وحدات أخرى أثارت أنشطتها جدلاً واسعاً داخل البلاد.
ورغم التوسع الكبير في انتشار خدمات النيابة العامة على المستوى المحلي، فإن التقرير يشير إلى أن النتائج العملية لا تعكس بالضرورة تحسناً مماثلاً في فعالية العدالة، ولم تصل سوى نسبة محدودة من القضايا إلى مرحلة الاتهام أو الإدانة أو التسوية القانونية، في حين يتم إغلاق عدد كبير من الملفات في مراحل مبكرة من التحقيقات.
ويخصص التقرير مساحة واسعة للحديث عما وصفه بـ«سياسة التجريم»، وهي الممارسات التي يتم من خلالها توظيف القانون الجنائي لاستهداف فئات محددة.
وتشمل هذه الفئات قضاة مستقلين ومدعين عامين ومحامين وصحفيين وقادة من السكان الأصليين ومدافعين عن حقوق الإنسان وناشطين طلابيين.
ويشير التقرير إلى أن عشرات الأشخاص العاملين في المجال القانوني والحقوقي تعرضوا لملاحقات جنائية خلال السنوات الأخيرة.
ويؤكد التقرير أن هذه الممارسات اتخذت أشكالاً متعددة، من بينها فتح قضايا متزامنة ومتكررة ضد الأشخاص أنفسهم، واستخدام اتهامات فضفاضة أو غير محددة بدقة، مثل إساءة استخدام السلطة أو عرقلة العدالة أو الانتماء إلى جمعيات غير مشروعة.
وجرى في بعض الحالات توجيه اتهامات مرتبطة بممارسة حقوق مكفولة دستورياً، مثل حرية التعبير أو حرية التجمع أو الدفاع عن الأراضي التقليدية للسكان الأصليين.
ويحذر التقرير كذلك من التوسع في استخدام الحبس الاحتياطي لفترات طويلة، بما يتجاوز الحدود المعقولة في بعض القضايا، وهو ما اعتبرته المقررة الخاصة تهديداً مباشراً للحق في المحاكمة العادلة وافتراض البراءة، كما أبدت قلقها من ممارسات قد تدفع بعض المتهمين إلى الاعتراف بالاتهامات تجنباً للبقاء لفترات طويلة رهن الاحتجاز قبل المحاكمة.
ومن بين المظاهر التي وصفها التقرير بالمقلقة أيضاً، حملات التشهير والتهديد عبر الإنترنت التي تستهدف العاملين في قطاع العدالة والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وأوضح أن هذه الحملات تتضمن في كثير من الأحيان تهديدات مباشرة بالعنف أو الاعتقال، فضلاً عن نشر معلومات حساسة تتعلق بإجراءات قضائية جارية.
تناول التقرير أوضاع المحامين، مؤكداً أن بيئة العمل القانونية أصبحت أكثر صعوبة نتيجة التهديدات والمضايقات ومخاطر الملاحقة الجنائية، خاصة بالنسبة للمحامين الذين يتولون قضايا تتعلق بحقوق الإنسان أو العدالة الانتقالية أو حقوق السكان الأصليين. ويرى التقرير أن هذا المناخ يحد من قدرة المحامين على أداء دورهم بحرية ويؤثر سلباً في حق المتقاضين في الحصول على دفاع فعال.
وأبرز التقرير أن أكثر من مائة من القضاة والمدعين العامين وغيرهم من العاملين في قطاع العدالة اضطروا إلى مغادرة البلاد خلال السنوات الأخيرة، نتيجة ما وصفه بحملات التجريم والملاحقة.
وأشار إلى أن المنفى القسري لا يقتصر تأثيره على الأفراد وحدهم، بل يؤدي أيضاً إلى استنزاف الخبرات القانونية وإضعاف المؤسسات القضائية وتعميق حالة الإفلات من العقاب.
وفي ما يتعلق بإمكانية الوصول إلى العدالة، رصد التقرير استمرار الفجوات الكبيرة التي تواجه السكان الأصليين والفئات المهمشة، سواء بسبب الحواجز اللغوية أو نقص الموارد أو ضعف انتشار خدمات الدفاع القانوني.
ولفت إلى أن النساء والأشخاص من مجتمع الميم يواجهون صعوبات إضافية في الحصول على حماية قانونية فعالة وإنصاف سريع في القضايا المتعلقة بالعنف والتمييز.
وفي ختام التقرير، أكدت المقررة الخاصة أن غواتيمالا تمتلك الإمكانات والخبرات اللازمة لإعادة بناء منظومة عدالة مستقلة وفعالة، لكنها تحتاج إلى إصلاحات عاجلة لمعالجة التسييس المفرط للمؤسسات القضائية، وإنهاء الملاحقات ذات الدوافع السياسية، وضمان استقلال القضاة والمدعين العامين، وتعزيز حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون.
وحذرت من أن استمرار الأوضاع الحالية يهدد بتحويل نظام العدالة إلى أداة للملاحقة بدلاً من أن يكون وسيلة للحماية والإنصاف.
