فيكتور ديفيس هانسون*
أرى أن كاليفورنيا، بكل المقاييس، أصبحت ولاية فاشلة ومصدر إحراج على المستوى الوطني.
كيف وصلت الولاية التي كانت الأكثر ثراءً بالموارد الطبيعية والأفضل إدارةً في الولايات المتحدة يوماً ما إلى هذا الوضع؟
الإجابة من وجهة نظري واضحة: اليسار أحكم سيطرته الكاملة عليها بعد أن غادرها ملايين من أبناء الطبقة الوسطى الذين وجدوا أنفسهم تحت ضغوط متزايدة. وفي المقابل، حل محلهم ملايين المهاجرين الفقراء، سواء كانوا مقيمين بصورة قانونية أو غير قانونية.
وفي الوقت ذاته، أنتج وادي السيليكون ذو التوجهات اليسارية بعضاً من أغنى التجمعات الليبرالية النخبوية في العالم.
والنتيجة كانت نشوء مجتمع أشبه بالإقطاعية الحديثة، مجتمع يصعب وصفه بالديمقراطي.
فمع مغادرة أصحاب الدخول المرتفعة، ارتفعت الضرائب على من بقوا لتمويل شبكة متنامية من برامج الدعم والمزايا الاجتماعية للمقيمين الجدد ذوي الدخل المحدود. ومع كل زيادة في الأعباء، غادر المزيد من أبناء الطبقة الوسطى.
هذا الهيكل الاقتصادي الهرمي كرّس احتكاراً سياسياً للحزب الديمقراطي، وهو احتكار تعزز أكثر من خلال تعديل قوانين التصويت، وإعادة رسم الدوائر الانتخابية، وجمع بطاقات الاقتراع، وتجاهل أو تقويض نتائج الاستفتاءات الشعبية.
خذوا مثالاً على ذلك ما حدث عام 2014، عندما وافق سكان كاليفورنيا على “المقترح رقم 1″، وهو برنامج تمويل بقيمة 7.5 مليار دولار لمعالجة أزمة تخزين المياه المزمنة في الولاية.
وكان من بين هذه الأموال 2.7 مليار دولار مخصصة لبناء خزانات مياه جديدة، علماً بأن آخر خزان رئيس بُني عام 1980 عندما كان عدد سكان كاليفورنيا يقارب نصف عددهم الحالي.
لكنّ البيروقراطية الحكومية والمسؤولين المنتخبين والنشطاء البيئيين وقفوا جميعاً في وجه أي مشروع جديد لبناء الخزانات.
ولم يكتفوا بذلك، بل استخدم الحاكم غافين نيوسوم 250 مليون دولار من أموال البرنامج لتفجير أربعة سدود على نهر كلاماث، كانت توفر تخزين المياه وتوليد الكهرباء والترفيه والحماية من الفيضانات.
وفي ملف آخر، صوّت سكان كاليفورنيا مرتين عبر استفتاءات شعبية لمنع استخدام التفضيلات العرقية في التوظيف والقبول الجامعي والترقيات داخل المؤسسات العامة.
لكن معظم الجامعات الحكومية تجاهلت القانون عملياً، واستمرت في تطبيق سياسات الحصص تحت مسميات جديدة مرتبطة بـ”التنوع”، في تحدٍ واضح لإرادة الناخبين.
وفي عام 2008، أقر الناخبون “المقترح 11” بهدف إنهاء التلاعب الحزبي بالدوائر الانتخابية عبر إنشاء لجنة مستقلة لإعادة ترسيمها.
لكن جماعات الضغط والمحامين المرتبطين بالحزب الديمقراطي نجحوا، بحسب رأيي، في إفشال هذا الهدف وتحويل العملية إلى أداة سياسية جديدة.
ورغم أن الجمهوريين كانوا يحصلون عادة على نحو 40% من أصوات كاليفورنيا في الانتخابات الوطنية، فإن تمثيلهم في الوفد البرلماني الفيدرالي تراجع بعد عقدين إلى سبعة أعضاء فقط من أصل 52 نائباً، أي ما يعادل 13% فقط من المقاعد.
بل إن هذا التمثيل المحدود لا يزال يُنظر إليه من قبل اليسار على أنه أكبر مما ينبغي، إذ من المتوقع أن تؤدي عملية إعادة ترسيم الدوائر عام 2026 إلى خفض عدد المقاعد الجمهورية إلى أربعة أو خمسة فقط.
أما الفوضى التي صاحبت انتخابات رئاسة بلدية لوس أنجلوس أخيراً، فهي برأيي دليل صارخ على مدى الاختلال الذي أصاب النظام الديمقراطي في كاليفورنيا.
فالديمقراطيون لا يزورون الانتخابات بالطرق التقليدية، بل يعيدون تشكيل قواعد اللعبة نفسها عبر قوانين تجعل النتائج محسومة سلفاً لمصلحتهم.
ففي الانتخابات التمهيدية المعروفة بنظام “الغابة”، والتي غالباً ما يتنافس فيها مرشحان ديمقراطيان في الجولة النهائية، لم تُعلن النتائج إلا بعد أسبوع كامل من إغلاق صناديق الاقتراع.
والأكثر غرابة أن المرشحة الاشتراكية نيثيا رامان ألقت خطاب هزيمة ليلة الانتخابات بعدما كانت متأخرة بفارق واضح أمام الجمهوري سبنسر برات.
لكن بعد وصول أعداد كبيرة من بطاقات الاقتراع المتأخرة، والتي ذهبت بنحو 90% منها لمصلحة الديمقراطيين، انقلبت النتيجة بالكامل وخسر برات السباق.
في كاليفورنيا يحصل كل ناخب مسجل تلقائياً على بطاقة اقتراع بالبريد. وإذا حملت البطاقة ختم يوم الانتخابات، فيمكن تسليمها حتى سبعة أيام بعد انتهاء التصويت.
ولا أحد يعرف على وجه اليقين ما إذا كانت هذه البطاقات تُرسل إلى أشخاص متوفين أو إلى عناوين قديمة أو حتى غير موجودة، أو إلى ناخبين مؤهلين بالفعل. وبرأيي، فإن غياب هذه الشفافية ليس مصادفة.
بل إن أي شخص يستطيع التسجيل والحصول على بطاقة اقتراع مؤقتة في اليوم نفسه.
كما يمكن للعاملين في الحملات الانتخابية جمع بطاقات التصويت من الناخبين وتسليمها جماعياً إلى مراكز الاقتراع.
ويمكنهم أيضاً تسجيل أي شخص تقريباً للتصويت، ومنحه بطاقة اقتراع ثم إيداعها مباشرة.
ولا يُشترط تقديم دليل على الجنسية الأمريكية؛ فبطاقة ائتمان من دون صورة شخصية قد تكون كافية.
وإذا لم تتوافر حتى هذه الوثائق، يمكن للناخب أن يحصل على رقم تعريف خاص يسمح له بالتسجيل والتصويت.
وإذا رُفض بعض البطاقات لاحقاً، يمكن الاستعانة بما يُعرف بـ”معالجي بطاقات الاقتراع” لتصحيحها بعد انتهاء التصويت.
وبفضل هذا النظام، يتمتع الديمقراطيون اليوم بأغلبية ساحقة في مجلسي الهيئة التشريعية للولاية.
ومن وجهة نظري، كلما ازدادت سيطرة الديمقراطيين على كاليفورنيا، ازدادت الولاية اشتراكية وأقل ديمقراطية وأكثر ميلاً إلى الحكم السلطوي.
والنتيجة هي ما أصفه بهدية اليسار لبقية الولايات المتحدة: ولاية تشبه دول العالم الثالث الفاشلة، وتقترب شيئاً فشيئاً من الانهيار المجتمعي.
فالحرائق تواصل اجتياح الغابات نتيجة القيود الأيديولوجية على إدارة الأحراش والغابات، إلى جانب الإخفاق البيروقراطي المزمن.
ومشروعات السكك الحديد العملاقة التي كلفت مليارات الدولارات تحولت إلى هياكل متآكلة من دون جدوى حقيقية.
كما تُهدر مليارات الدولارات من أموال الرعاية الاجتماعية عبر عمليات احتيال وسرقة لا تواجه عقاباً فعلياً.
ويُمنح مهاجرون غير شرعيين لا يجيدون الإنجليزية تصاريح لقيادة الشاحنات التجارية.
ومنذ عام 2020 أُفرج مبكراً عن أكثر من مئة ألف سجين من أصحاب السوابق الجنائية.
كما أن نحو نصف الولادات في الولاية يُمول من خلال برامج الرعاية الاجتماعية الحكومية.
واليوم، بات بإمكان المشردين الذين لا يملكون عنواناً ثابتاً أو وثائق تعريفية أن يشاركوا في تحديد نتائج الانتخابات.
وباختصار، عندما تستورد الفقر، وتمجد الهجرة غير الشرعية، وتُشيطن الطبقة الوسطى، وتدفع رؤوس الأموال الخاصة إلى المغادرة، وتعفي النخب من تحمل نتائج السياسات التي تدافع عنها، فإن النتيجة الحتمية هي ولاية تموت فيها الديمقراطية.
ومعها يموت الكثير من الأشياء الأخرى.
*نقلاً عن نيويورك بوست
