منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

رواندا أمام مجلس حقوق الإنسان.. أسئلة حقوقية حول الفضاء المدني والفقر وعدم المساواة

22 يونيو 2026
رواندا نفسها باعتبارها دولة تولي أهمية لآلية الاستعراض الدوري
رواندا نفسها باعتبارها دولة تولي أهمية لآلية الاستعراض الدوري

خضعت رواندا للمراجعة ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، في إطار الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض، وذلك بتاريخ 21 يناير 2026، وترأس وفد رواندا وزير العدل والنائب العام إيمانويل أوغيراشيبوجا.

واعتمد الفريق العامل تقرير رواندا في 30 يناير 2026، وبحسب الملفات المتوفرة حتى الآن، وصل تقرير الفريق العامل الخاص برواندا، لكن لم يصدر بعد رد الدولة الرسمي النهائي على التوصيات، لذلك تبقى هذه القراءة أولية وقابلة للتحديث.

قدمت رواندا نفسها خلال المراجعة باعتبارها دولة تولي أهمية كبيرة لآلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، وتتعامل معها بوصفها أداة لتقييم التقدم، وتحديد الفجوات، وتعزيز المؤسسات، وأشارت الدولة إلى أن تقريرها الوطني أُعد من خلال عملية تشاورية قادتها وزارة العدل عبر الآلية الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والمتابعة.

وتأتي مراجعة رواندا في سياق دولة تعرض تقدماً في مجالات التنمية، الحوكمة، مكافحة الفساد، تمكين النساء، وتوسيع الخدمات، لكن في المقابل، تكشف التوصيات والملاحظات المطروحة خلال المراجعة أسئلة حقوقية متكررة حول الفضاء المدني، حرية التعبير، حرية تكوين الجمعيات، الإعلام المستقل، ظروف الاحتجاز، التصديق على بعض الاتفاقيات الدولية، وحقوق الفئات المهمشة.

الحريات والفضاء المدني

يعد ملف الفضاء المدني وحرية التعبير من أبرز الملفات في مراجعة رواندا، فقد أكدت الدولة أنها عززت الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير، حرية تكوين الجمعيات، التجمع السلمي، حرية الصحافة، المشاركة المدنية، الوصول إلى المعلومات، والمساءلة، كما أشارت إلى أن مراجعة قانون الإعلام كانت جارية بالتشاور مع جمعيات الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني والمهنيين القانونيين.

وفي المقابل، أبدت عدة توصيات اهتماماً واضحاً بضرورة ضمان بيئة آمنة للمجتمع المدني والإعلام المستقل والمدافعين عن حقوق الإنسان، وهذا يجعل ملف الفضاء المدني من أهم الملفات التي يجب تحديثها عند صدور رد رواندا الرسمي، لمعرفة ما إذا كانت الدولة ستقبل التوصيات المرتبطة بتوسيع الحريات العامة أم ستتعامل معها بتحفظ.

وأشارت رواندا إلى صدور قانون جديد عام 2024 ينظم عمل المنظمات غير الحكومية، بهدف توحيد الإطار القانوني وتعزيز المساءلة وتبسيط التسجيل، ووفق التقرير، قدمت 394 منظمة طلبات تسجيل حتى 10 يناير 2026، وتم تسجيل 133 منظمة، في حين بقيت الطلبات الأخرى قيد النظر لعدم اكتمالها، مع تأكيد الدولة أنه لم يتم رفض أي طلب.

هذا الملف يحتاج متابعة عملية؛ لأن سهولة التسجيل لا تقاس فقط بغياب الرفض الرسمي، بل أيضاً بسرعة الإجراءات، وضوح المتطلبات، استقلالية المنظمات، وقدرتها على العمل دون قيود غير ضرورية.

حرية الدين وأماكن العبادة

برز ملف حرية الدين والمعتقد في مراجعة رواندا من خلال الإشارة إلى عمليات تفتيش لأماكن العبادة في يوليو 2024، أدت إلى الإغلاق المؤقت لنحو 8,000 مكان صلاة، وإلغاء الشخصية القانونية لـ21 منظمة دينية، والإغلاق الدائم لـ43 منظمة دينية غير مسجلة كانت تدير 189 مكان صلاة غير مرخص، وأوضحت الدولة أن أماكن العبادة يمكن أن يُعاد فتحها عند الامتثال للمتطلبات.

هذا الملف حساس لأنه يقع بين اعتبارات السلامة والتنظيم من جهة، وحرية الدين والمعتقد من جهة أخرى، لذلك، يجب متابعة ما إذا كانت الإجراءات المتخذة شفافة ومتناسبة وغير تمييزية، وما إذا كان تطبيقها يضمن الحق في العبادة ضمن شروط قانونية واضحة.

إلى جانب تقرير الاستعراض الدوري الشامل، يتوفر تقرير أممي قطري مهم حول زيارة المقرر الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان إلى رواندا، ويشير هذا التقرير إلى أن رواندا حققت تقدماً مهماً في خفض الفقر النقدي، حيث انخفض معدل الفقر الوطني من 39.8% عام 2017 إلى 27.4% عام 2024، كما انخفض الفقر المدقع إلى 5.4%.

لكن التقرير نفسه يوضح أن التحديات لا تزال قائمة، خاصة في الفوارق بين الريف والحضر، إذ يعيش 31.6% من سكان الريف تحت خط الفقر الوطني، مقارنة بـ 16.7% في المناطق الحضرية، كما أن 25.3% من العاملين يعيشون في الفقر، وهذا يعني أن وجود عمل لا يضمن دائماً الخروج من الفقر، وأن جودة الدخل والحماية الاجتماعية لا تزالان من الملفات المهمة.

كما يشير التقرير إلى أن 48.8% من السكان يعانون فقراً متعدد الأبعاد، منه الحرمان من الوقود النظيف، السكن الملائم، الكهرباء، التعليم، والتغذية.

حقوق النساء والمشاركة السياسية

برزت حقوق النساء في مراجعة رواندا باعتبارها أحد مجالات التقدم، حيث أشادت عدة وفود بجهود الدولة في المساواة بين الجنسين وزيادة تمثيل النساء في مواقع صنع القرار، ويظهر هذا الملف بوصفه جزءاً من الصورة التنموية والمؤسسية التي تقدمها رواندا عن نفسها.

لكن المتابعة الحقوقية يجب ألا تكتفي بمؤشرات التمثيل، بل يجب أن تنظر أيضاً إلى أثر المشاركة السياسية للنساء في ملفات مثل العنف القائم على النوع الاجتماعي، الفقر، الحماية الاجتماعية، العمل اللائق، والوصول إلى الخدمات، خاصة في المناطق الريفية.

وأشارت رواندا إلى إدخال نظام لإدارة قضايا الإعاقة لتسهيل الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأخرى بناءً على الاحتياجات الفردية، كما تضمنت التوصيات دعوات لتعزيز تمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة، ومنهم النساء، في مواقع صنع القرار، ومكافحة العنف والتمييز ضدهم.

هذا الملف مهم لأنه يربط بين الحقوق الاجتماعية، عدم التمييز، والوصول إلى الخدمات، ويحتاج إلى متابعة من حيث جودة البيانات، تغطية الخدمات، ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم والعمل والحياة العامة.

التصديق على الاتفاقيات الدولية

تكررت في مراجعة رواندا توصيات مرتبطة بالتصديق على عدد من الصكوك الدولية، خاصة الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وبعض البروتوكولات الاختيارية.

وسيكون موقف رواندا من هذه التوصيات عند صدور الرد الرسمي مؤشراً مهماً على مدى استعداد الدولة لتوسيع التزاماتها الدولية في ملفات العدالة، المساءلة، والحماية من الاختفاء القسري.

وتضمنت التوصيات دعوات تتعلق بحقوق الفئات المهمشة، ومنها توصيات بشأن تسهيل وصول شعب التوا إلى إجراءات تسجيل الأراضي والملكية، وإجراء مشاورات مسبقة بشأن القرارات التي قد تؤثر فيهم.

هذا الملف يربط بين الأرض، الهوية، المشاركة، والتنمية، ويحتاج إلى متابعة خاصة لأنه يوضح أن التنمية لا تقاس فقط بالمؤشرات العامة، بل أيضاً بمدى استفادة الفئات المهمشة منها.

قراءة حقوقية

تعكس مراجعة رواندا حالة تجمع بين إنجازات تنموية واضحة وأسئلة حقوقية مستمرة، فمن جهة، تعرض الدولة تقدماً في خفض الفقر، الحوكمة، تمكين النساء، توسيع الخدمات، وتقوية بعض الآليات المؤسسية، ومن جهة أخرى، تظهر التوصيات أن ملفات الفضاء المدني، الإعلام، الجمعيات، حرية الدين، الفقر متعدد الأبعاد، وحقوق الفئات المهمشة لا تزال تحتاج إلى متابعة.

وتكمن أهمية حالة رواندا في أنها تطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي مؤشرات التنمية لقياس التقدم الحقوقي؟ أم إن التقدم الاقتصادي والاجتماعي يجب أن يقترن بضمانات قوية للحريات، المشاركة، المساءلة، واستقلال المجتمع المدني؟

وتظهر رواندا في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان دولة تقدم نموذجاً تنموياً ومؤسسياً، لكنها تواجه أسئلة مهمة حول الفضاء المدني، حرية التعبير، حرية الدين، الفقر متعدد الأبعاد، وحقوق الفئات المهمشة، وستكون المرحلة القادمة مرتبطة بصدور رد رواندا الرسمي على التوصيات، خاصة في ملفات الحريات العامة، المنظمات غير الحكومية، التصديق على الاتفاقيات الدولية، وحقوق المجتمعات المهمشة.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print