تحولت قمصان منتخبات كرة القدم في أمريكا اللاتينية، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزامنها مع أجواء مونديال 2026 “كأس العالم”، من رمز رياضي جامع إلى مساحة تنازع على الهوية الوطنية نفسها، بعدما دخلت إلى قلب الحملات السياسية بوصفها أداة لتأكيد الانتماء وإعادة تعريف الوطنية وتحديد من يحق له التحدث باسم الأمة.
وكشفت التطورات السياسية في كولومبيا والبرازيل عن انتقال المنافسة الانتخابية من البرامج والشعارات إلى الرموز المشتركة، في مشهد يطرح سؤالاً يتجاوز الرياضة إلى المجال العام: ماذا يحدث حين يصبح أحد أكثر الرموز الوطنية شعبية موضوعاً للتنافس الحزبي؟
ووصفت صحيفة “فايننشال تايمز” هذا التحول بوصفه جزءاً من صراع أوسع تخوضه القوى السياسية على المعاني التي تحملها الرموز الوطنية في لحظة يتصاعد فيها الاستقطاب السياسي داخل المنطقة.
وارتدى مرشح الرئاسة الكولومبي المنتمي إلى اليمين المتطرف أبيلاردو دي لا إسبريلا، على غير المعتاد بالنسبة لمرشح يمتلك خط أزياء خاصاً به، قميص منتخب كولومبيا الأصفر بصورة شبه دائمة خلال الفترة السابقة للانتخابات.
وعرض الموقع الإلكتروني الخاص به منتجات متعددة تشمل سترة كاروهات أرجوانية ومنديل جيب بنقشة البيزلي وأحذية رياضية يتجاوز سعرها 110 جنيهات إسترلينية، لكن ظهوره العام خلال الحملة ارتبط بشكل شبه كامل بقميص المنتخب.
وأجرى دي لا إسبريلا مقابلة إعلامية داخل منزله المحاط بأعمال فنية حديثة مرتدياً القميص الأصفر، كما ظهر بالزي الرياضي نفسه خلال التجمع الانتخابي الختامي، في حين ارتدى معظم الحضور القميص ذاته.
وربط المرشح بين ظهوره بقميص المنتخب وشعار حملته الانتخابية Firme por la Patria أو “الصمود من أجل الوطن”، في محاولة أثارت اعتراض خصومه اليساريين الذين اعتبروا أن المزج بين الخطاب القومي والدعم الشعبي للمنتخب ينقل القميص من مساحة جامعة إلى وظيفة سياسية أكثر تحديداً.
صراع على الرموز
امتد المشهد نفسه إلى البرازيل التي تخوض بدورها حملة انتخابية متزامنة مع كأس العالم، واعتمد الرئيس البرازيلي السابق جاير بولسونارو خلال السنوات الأخيرة القميص الأصفر والأخضر الشهير للمنتخب بوصفه زياً ملازماً لحركته اليمينية المتطرفة.
وأطلق المرشح لولاية رئاسية رابعة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا حملة مضادة هدفت إلى استعادة القميص وألوانه من المجال السياسي الذي ارتبط به خلال السنوات الماضية.
ونشر السياسي اليساري إعلاناً عبر الإنترنت انتقد فيه إدارة ترامب وسط مشاهد لمؤيدين يرتدون قمصان المنتخب البرازيلي، كما ظهر في منشور منفصل على إنستغرام مرتدياً القميص.
وكشف هذا التحرك عن تحول المنافسة من استقطاب انتخابي تقليدي إلى صراع على من يملك الحق في استخدام أحد أبرز الرموز الجماعية داخل المجتمع.
واعتمد الطرفان، وفق ما أوردته “فايننشال تايمز”، على واحد من الرموز القليلة التي لا تزال قادرة على توحيد الجمهور في عصر الهواتف الذكية، حيث تبدو بطولة كأس العالم تجربة جماعية نادرة.
واستخدم الشعبويون اليمينيون هذه الرمزية بطريقة جعلت قمصان كرة القدم اختصاراً بصرياً لخطابات مشابهة لخطاب “ماغا” الذي يقدم اليسار باعتباره أقل وطنية وأكثر انشغالاً بالأقليات وأضعف في الدفاع عن الدولة.
واكتسب هذا الاستخدام السياسي للقميص قوة إضافية بسبب مكانته داخل الوعي الوطني في البلدين.
فأصبح القميص البرازيلي الأصفر ذو الياقة الخضراء أحد أشهر رموز البلاد منذ تتويج منتخبها بقيادة بيليه بكأس العالم 1970، أول نسخة من البطولة تُبث تلفزيونياً بالألوان.
واكتسب القميص الكولومبي الأصفر بتفاصيله الحمراء والزرقاء الذي صممه مصمم سابق في دار ديور، مكانة أيقونية خلال أوائل التسعينيات عندما استحوذ جيل ذهبي من اللاعبين على خيال المجتمع في فترة اتسمت بالعنف السياسي.
القميص بوصفه مجالاً عاماً
بدأ دي لا إسبريلا ارتداء القميص قبل الجولة الأولى من الانتخابات التي جرت في 31 مايو، كما دعا أنصاره إلى ارتدائه يوم الاقتراع.
وتزامن هذا الاستخدام للرمز الوطني مع حملة انتخابية تقوم على تبني سياسة صارمة ضد تجار المخدرات، في حين اتهم منافسه اليساري إيفان سيبيدا بالتساهل مع الجريمة المنظمة.
وقال نائب المرشح الرئاسي خوسيه مانويل ريستريبو لصحيفة “فايننشال تايمز” إن الشعب سئم الانعدام الأمني والعنف، وإن الحكومة السابقة كانت ضعيفة في مواجهة الجماعات الإجرامية.
وطلب المنافس الرئاسي إيفان سيبيدا، وهو نجل زعيم شيوعي ويظهر عادة بقمصان بلا ياقة تذكر بقمصان ماو تسي تونغ، من الاتحاد الكولومبي لكرة القدم التدخل في البداية.
وأصدر أحد قضاة بوغوتا حكماً يعد استخدام القميص في السياق السياسي “غير لائق”، لكن دي لا إسبريلا أعلن تجاهله، قبل أن ينقض قاضٍ آخر القرار لاحقاً.
وارتدى عدد من أنصاره قميص المنتخب، كما تلقى خلال فعالية جمعت مشجعين من عدة فرق قميص المنتخب الوطني، وقال مخاطباً الحضور: “لا تسرقوا قميصنا، لا تسرقوه”.
وحصل دي لا إسبريلا في الوقت نفسه على دعم عدد من لاعبي كرة القدم المعروفين، منهم فاوستينو أسبريلا، أحد نجوم منتخب التسعينيات.
ونجح المرشح في ربط صورته بالقميص رغم ما نقلته سيرة كتبها الكاتب الكولومبي أنخيل بيكاسينو من أن أبيلاردو لا يهتم بكرة القدم ولم يسبق له الذهاب إلى ملعب أو متابعة كأس العالم.
استعادة الألوان
أعاد الجدل البرازيلي إحياء نقاش مشابه سبق أن ظهر خلال انتخابات 2022، ووصل ارتباط جاير بولسونارو بالقميص الأصفر إلى درجة دفعت بعض خصومه إلى المطالبة بتغيير الزي الوطني.
واقترح معارضون العودة إلى القميص الأبيض والأزرق القديم، لكن الفكرة قوبلت بانتقادات واسعة بسبب ارتباط ذلك القميص بخسارة نهائي مونديال 1950 أمام أوروغواي في ريو دي جانيرو، وهي خسارة ما تزال تُنظر إليها بوصفها صدمة وطنية.
واختار لولا هذا العام طريقاً مختلفاً، وأطلق حملة بعنوان “لولا يلعب من أجل البرازيل” جمعت بين صور الزي الرياضي والإشارات إلى إنجازات حكومته.
وصرح في وقت سابق بأن على اليسار ضمان عدم استيلاء “أي فاشي” على الألوان الوطنية.
ورد أقرب منافسيه فلافيو بولسونارو، الابن الأكبر للرئيس السابق، بوصف الزي الرياضي بأنه “قميص بولسونارو”، مضيفاً عبر إنستغرام أن لولا لا يستخدم الأخضر والأصفر إلا خلال الانتخابات وكأس العالم، في حين ظل أنصارهم يرتدون القميص طوال حياتهم.
وكشف هذا التنافس كيف يمكن أن تنتقل الرموز الرياضية من مساحة الانتماء الجماعي إلى مساحة التنافس السياسي، وأن تصبح الألوان الوطنية نفسها جزءاً من معركة على تمثيل الوطن.
