منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المساواة بين النصوص والواقع.. فجوة الأجور والقيود الاجتماعية تعرقل تقدم المرأة عالمياً

20 يوليو 2026
احتجاجات مطالبة بحقوق المرأة
احتجاجات مطالبة بحقوق المرأة

رغم التقدم التشريعي الذي شهدته دول عديدة خلال العقود الماضية، لا تزال المساواة بين الرجل والمرأة تواجه فجوة واضحة بين ما تنص عليه القوانين وما تعكسه الحياة اليومية. فالمرأة استطاعت الوصول إلى مستويات أعلى في التعليم والمشاركة الاقتصادية والسياسية مقارنة بالماضي، لكن الأرقام الدولية تظهر أن الطريق نحو المساواة الكاملة ما زال طويلاً، خصوصاً في مجالات الأجور، وفرص التوظيف، والوصول إلى المناصب القيادية، وتقاسم المسؤوليات الأسرية.

وتشير بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء ما زلن يواجهن عوائق هيكلية تحد من مشاركتهن الاقتصادية والسياسية رغم التزامات الدول الدولية بتحقيق المساواة.

وتؤكد الهيئة أن التمييز لا يظهر فقط في القوانين الصريحة، بل يمتد إلى الممارسات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في فرص المرأة منذ مرحلة البحث عن وظيفة وحتى الوصول إلى مواقع صنع القرار.

فجوة الأجور لا تزال قائمة

تعد فجوة الأجور بين الرجال والنساء من أبرز المؤشرات التي تكشف استمرار التفاوت في سوق العمل. ووفق منظمة العمل الدولية، تحصل النساء عالمياً على دخل أقل من الرجال في المتوسط، رغم أن الفارق يختلف من دولة إلى أخرى بحسب مستوى التنمية الاقتصادية وطبيعة سوق العمل والقوانين المنظمة له.

وتوضح منظمة العمل الدولية أن متوسط الفجوة في الأجور بين الجنسين عالمياً يصل إلى نحو 20 في المئة، أي أن النساء يحصلن في المتوسط على ما يعادل 80 في المئة تقريباً مما يحصل عليه الرجال مقابل العمل نفسه أو العمل ذي القيمة المتساوية، مع اختلاف النسب وفق القطاعات والمهن ومستويات الدخل.

وتؤكد المنظمة أن الفجوة لا تنتج عن عامل واحد، بل ترتبط بمجموعة من الأسباب، من بينها التمييز في التوظيف، واختلاف توزيع النساء والرجال بين القطاعات الاقتصادية، وتراجع وصول النساء إلى المناصب الأعلى أجراً.

ويشير البنك الدولي في تقاريره المتعلقة بالمرأة والعمل والقانون إلى أن وجود تشريعات تمنع التمييز لا يعني بالضرورة اختفاء الفجوة الاقتصادية، لأن تطبيق القوانين يواجه تحديات مرتبطة بالثقافة المؤسسية والاجتماعية، إضافة إلى ضعف آليات الرقابة في بعض الأسواق.

المرأة في سوق العمل بين الفرص والعوائق

رغم ارتفاع معدلات تعليم النساء في العديد من الدول، لا تزال مشاركتهن في سوق العمل أقل من الرجال على المستوى العالمي، ووفق منظمة العمل الدولية، تقل نسبة مشاركة النساء في قوة العمل العالمية بشكل واضح مقارنة بالرجال، إذ تواجه ملايين النساء عوائق تمنعهن من دخول سوق العمل أو الاستمرار فيه.

وترى منظمة العمل الدولية أن أحد أبرز أسباب هذا التفاوت يعود إلى الأعباء غير المتساوية في أعمال الرعاية غير المدفوعة، مثل رعاية الأطفال وكبار السن والأعمال المنزلية، وتظهر بيانات المنظمة أن النساء يتحملن الجزء الأكبر من هذه المسؤوليات، ما يقلل الوقت المتاح أمامهن للعمل بأجر أو تطوير مسارهن المهني.

وأكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أعمال الرعاية غير المدفوعة تمثل عاملاً أساسياً في استمرار عدم المساواة الاقتصادية، لأن تحمل المرأة مسؤوليات أسرية أكبر يؤثر في اختياراتها المهنية، ويجعلها أكثر عرضة للعمل بدوام جزئي أو الانسحاب المؤقت من سوق العمل.

القيود الاجتماعية وتأثيرها على الخيارات المهنية

لا تقتصر التحديات التي تواجه المرأة على القوانين أو ظروف سوق العمل، بل تمتد إلى الأعراف الاجتماعية التي تؤثر في اختيار المهنة وطبيعة الوظائف التي تتقدم إليها، وتوضح دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول الأعراف الاجتماعية أن الصور النمطية المتعلقة بأدوار الرجال والنساء ما زالت تؤثر في فرص المرأة في العديد من المجتمعات.

ويشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الاعتقادات الاجتماعية بشأن طبيعة الأعمال المناسبة للمرأة أو الرجل تحد من قدرة النساء على دخول قطاعات معينة، خصوصاً المجالات التي ترتبط تاريخياً بالرجال مثل الهندسة والتكنولوجيا والمناصب التنفيذية العليا.

كما تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن بعض النساء يواجهن ضغوطاً اجتماعية عند اختيار تخصصاتهن التعليمية أو مساراتهن المهنية، ما يؤدي إلى تركّز أعداد كبيرة منهن في قطاعات أقل أجراً مقارنة بقطاعات أخرى ذات عوائد مالية وفرص تقدم أكبر.

صعوبات تواجه المرأة عند البحث عن وظيفة

تكشف تقارير منظمة العمل الدولية أن بعض النساء يواجهن عراقيل تبدأ قبل الحصول على فرصة العمل نفسها، حيث تظهر أشكال من التحيز أثناء عمليات التوظيف، سواء من خلال تفضيل الرجال في بعض الوظائف أو افتراض عدم قدرة المرأة على الالتزام الوظيفي بسبب مسؤوليات الأسرة.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن فجوات التوظيف والترقي لا ترتبط فقط بمستوى التعليم أو الخبرة، بل تتأثر أيضاً بالممارسات الداخلية للشركات، مثل معايير التقييم غير الواضحة وشبكات العلاقات المهنية التي تمنح الرجال فرصاً أكبر للوصول إلى المناصب المؤثرة.

وتوضح المنظمة أن تحسين مشاركة المرأة في سوق العمل يحتاج إلى سياسات تتجاوز منع التمييز المباشر، وتشمل توفير بيئات عمل مرنة، وخدمات رعاية أطفال بأسعار مناسبة، وضمان تكافؤ فرص الترقية والتدريب.

سقف زجاجي يمنع الوصول إلى القيادة

رغم زيادة حضور النساء في سوق العمل، لا تزال مشاركتهن في مواقع القيادة محدودة مقارنة بالرجال، ووفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تشكل النساء نسبة أقل من الرجال في المناصب السياسية والإدارية العليا عالمياً، رغم امتلاكهن المؤهلات والخبرات اللازمة.

ويؤكد المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين أن الوصول إلى المساواة الكاملة في المشاركة الاقتصادية يحتاج إلى عقود طويلة إذا استمرت وتيرة التقدم الحالية، بسبب استمرار الفجوات في القيادة والأجور وفرص التقدم الوظيفي.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن تمثيل النساء في مجالس إدارات الشركات والمناصب التنفيذية العليا لا يزال أقل من الرجال في معظم الدول، رغم وجود أدلة اقتصادية تؤكد أن التنوع داخل المؤسسات يعزز جودة القرارات ويرفع القدرة على الابتكار.

القوانين الدولية ومحاولات سد الفجوة

اعتمد المجتمع الدولي مجموعة من الاتفاقيات والمواثيق التي تهدف إلى حماية حق المرأة في العمل والمساواة الاقتصادية، وتعد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المعروفة باتفاقية سيداو، من أهم الأدوات القانونية الدولية التي تلزم الدول باتخاذ إجراءات للقضاء على التمييز ضد النساء في التعليم والعمل والحياة العامة.

وتؤكد لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة أن تحقيق المساواة لا يتوقف عند تعديل القوانين، بل يتطلب تغيير السياسات والممارسات التي تعيق وصول النساء إلى الفرص نفسها التي يحصل عليها الرجال.

كما تلزم اتفاقيات منظمة العمل الدولية الدول الأعضاء بتعزيز مبدأ المساواة في الأجر عن العمل المتساوي القيمة، ومنع التمييز في التوظيف والمهنة، وتوفير ظروف عمل عادلة للنساء والرجال.

الآثار الإنسانية والاقتصادية لاستمرار الفجوة

لا تقتصر فجوة المساواة بين الرجل والمرأة على اختلاف الدخل أو فرص العمل فقط، بل تمتد آثارها إلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأسر والمجتمعات. وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن محدودية مشاركة النساء في الاقتصاد تؤثر في مستويات الدخل الأسري، وتضعف قدرة كثير من النساء على تحقيق الاستقلال المالي، خصوصاً في الحالات التي تعتمد فيها الأسرة على مصدر دخل واحد.

ويرى البنك الدولي أن تعزيز مشاركة المرأة في الاقتصاد يمثل عاملاً أساسياً في تحقيق النمو والتنمية المستدامة، إذ تشير تقديرات البنك إلى أن سد الفجوات بين الرجال والنساء في سوق العمل يمكن أن يرفع الناتج الاقتصادي العالمي بصورة كبيرة.

ويؤكد البنك أن حرمان النساء من فرص متساوية لا يمثل قضية اجتماعية فقط، بل يؤدي أيضاً إلى خسائر اقتصادية بسبب عدم الاستفادة الكاملة من قدرات نصف المجتمع.

كما تشير منظمة العمل الدولية إلى أن استمرار فجوة الأجور يؤثر على حياة النساء بعد انتهاء سنوات العمل، لأن انخفاض الدخل ينعكس على حجم المدخرات ومستوى الحماية الاجتماعية وقيمة المعاشات التقاعدية، وهو ما يجعل بعض النساء أكثر عرضة للفقر في مراحل عمرية متقدمة.

تحذيرات من استمرار التمييز

تواصل المنظمات الحقوقية الدولية مطالبة الحكومات بتجاوز مرحلة الاعتراف بالمشكلة والانتقال إلى إجراءات عملية تضمن مساواة حقيقية في العمل والتعليم والمشاركة العامة.

وأكد مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن التمييز ضد المرأة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية يمثل انتهاكاً لمبدأ المساواة الذي نصت عليه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مشدداً على ضرورة إزالة الحواجز القانونية والاجتماعية التي تمنع النساء من ممارسة حقوقهن على قدم المساواة مع الرجال.

كما تشير منظمة هيومن رايتس ووتش في تقاريرها المتعلقة بحقوق المرأة إلى أن بعض النساء في عدد من الدول ما زلن يواجهن قيوداً قانونية أو اجتماعية تحد من قدرتهم على اختيار العمل أو التنقل أو تأسيس الأعمال الخاصة، رغم الإصلاحات التي شهدتها بعض الأنظمة القانونية.

وتؤكد منظمة العفو الدولية في تقاريرها المتعلقة بالمساواة وحقوق المرأة أن التمييز لا يظهر فقط في النصوص القانونية، بل يمكن أن يستمر عبر ممارسات اجتماعية ومؤسسية تجعل النساء أقل قدرة على الوصول إلى الفرص المتاحة.

الشفافية والإصلاحات الحديثة

دفعت الضغوط الحقوقية والاقتصادية عدداً من الدول إلى تبني قوانين جديدة تهدف إلى تقليص فجوة الأجور وتعزيز الشفافية داخل المؤسسات.

واعتمد الاتحاد الأوروبي توجيه شفافية الأجور الذي يفرض قواعد جديدة على الشركات بشأن الكشف عن معايير تحديد الرواتب وتعزيز حق الموظفين في معرفة المعلومات المتعلقة بالأجور، بهدف معالجة الفوارق غير المبررة بين الرجال والنساء.

وأكدت المفوضية الأوروبية أن التشريع يمثل خطوة مهمة نحو تطبيق مبدأ الأجر المتساوي عن العمل المتساوي القيمة، لكنه يحتاج إلى جانب ذلك إلى إجراءات داعمة تتعلق بتغيير ثقافة المؤسسات وتحسين فرص النساء في الوصول إلى الوظائف الأعلى دخلاً.

وترى منظمة العمل الدولية أن قوانين الشفافية تمثل أداة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للقضاء على الفجوة، لأن المشكلة ترتبط أيضاً بعوامل أعمق مثل توزيع المسؤوليات الأسرية، والتحيزات غير المباشرة في التوظيف، وضعف تمثيل النساء في مواقع صنع القرار.

المساواة بين القانون والمجتمع

تكشف التجارب الدولية أن وجود قوانين تمنع التمييز لا يعني بالضرورة تحقيق مساواة فعلية على أرض الواقع. فالفجوة بين التشريع والتطبيق ترتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية تحتاج إلى سياسات طويلة الأمد.

وتوضح هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن تحقيق المساواة يتطلب تغييراً في طريقة تصميم السياسات العامة، بحيث تراعي ظروف النساء في سوق العمل، وتوفر خدمات رعاية الأطفال، وتشجع الرجال على المشاركة في المسؤوليات الأسرية، وتدعم وصول النساء إلى المناصب القيادية.

كما يشدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أهمية معالجة الأعراف الاجتماعية التي تحدد أدوار الرجال والنساء بصورة تقليدية، مؤكداً أن تغيير القوانين يجب أن يصاحبه تغيير في التصورات المجتمعية حتى تصبح المساواة ممارسة يومية وليست مجرد نصوص مكتوبة.

تجدر الإشارة إلى أن المطالب الحديثة بالمساواة الاقتصادية بين الرجل والمرأة بدأت مع توسع حركة حقوق المرأة خلال القرن العشرين، خصوصاً بعد دخول النساء بأعداد كبيرة إلى سوق العمل خلال فترات الحروب العالمية وما بعدها. وأسهمت الاتفاقيات الدولية التي ظهرت لاحقاً، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة عام 1979، في وضع إطار قانوني عالمي لتعزيز حقوق النساء.

وخلال العقود الماضية، حققت النساء تقدماً كبيراً في مجالات التعليم والمشاركة المهنية والسياسية، إذ ارتفعت معدلات التحاقهن بالجامعات وزادت مشاركتهن في قطاعات كانت مغلقة أمامهن سابقاً. لكن هذا التقدم لم ينهِ الفجوات القائمة، حيث ما زالت النساء أقل تمثيلاً في المناصب القيادية، ويحصلن في المتوسط على أجور أقل، ويتحملن الجزء الأكبر من أعمال الرعاية غير المدفوعة.

ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره السنوية حول الفجوة بين الجنسين إلى أن تحقيق المساواة الاقتصادية الكاملة يحتاج إلى تسريع الإصلاحات في مجالات المشاركة الاقتصادية، والتعليم، والصحة، والتمكين السياسي.

وتوضح البيانات الدولية أن قضية المساواة بين الرجل والمرأة تجاوزت مرحلة النقاش حول الحقوق القانونية الأساسية، وأصبحت مرتبطة بقدرة المجتمعات على إزالة الحواجز الاقتصادية والاجتماعية التي تحد من مشاركة النساء الكاملة.

ورغم التطور التشريعي الذي شهدته دول كثيرة، فإن فجوة الأجور وصعوبة الوصول إلى المناصب القيادية والقيود الاجتماعية ما زالت تمثل تحديات رئيسية أمام تحقيق المساواة الفعلية.

وتؤكد المؤسسات الأممية والدولية أن معالجة هذه الفجوات تحتاج إلى مزيج من التشريعات الفعالة، والرقابة على تطبيق القوانين، وتوفير بيئات عمل عادلة، وإعادة توزيع مسؤوليات الرعاية داخل الأسرة والمجتمع، حتى تتحول المساواة من مبدأ قانوني إلى واقع اقتصادي واجتماعي ملموس.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print