في كثير من دول العالم، لم يعد التحدي الأساسي أمام المرأة هو دخول سوق العمل، بل طبيعة المكانة التي تحصل عليها داخله.. فالأرقام قد تظهر ارتفاع معدلات المشاركة الاقتصادية، لكنها لا تكشف بالضرورة حجم الفجوات المتعلقة بالأجور وفرص الترقية والتمثيل في مواقع صنع القرار.
وتقدم اليابان وكوريا الشمالية نموذجين مختلفين لهذه المفارقة، ففي اليابان، حيث تُعد المرأة جزءا أساسيا من القوة العاملة، لكن لا تزال المساواة المهنية الكاملة هدفاً لم يتحقق بعد.
أما في كوريا الشمالية فرغم الحضور الواسع للنساء في الأنشطة الاقتصادية والأسواق المحلية، تبقى الأسئلة مطروحة حول مدى تمتعهن بالحقوق المهنية والحماية التي تكفلها المعايير الدولية للعمل اللائق.
اليابان.. مساواة غير مكتملة
شهدت اليابان خلال العقدين الأخيرين ارتفاعا ملحوظا في مشاركة النساء في سوق العمل، مدفوعا بتراجع أعداد السكان في سن العمل واحتياجات الاقتصاد المتزايدة للعمالة.
ووفق بيانات حكومية يابانية، تجاوز عدد العاملين في البلاد 70 مليون شخص خلال عام 2025، فيما لعبت النساء دورا أساسيا في هذا النمو.
وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن معدل توظيف النساء في اليابان بات من بين الأعلى في الدول الصناعية، إلا أن هذا التقدم لم ينعكس بصورة كاملة على واقع المساواة المهنية.
ولا تزال النساء ممثلات بنسبة أقل في المناصب الإدارية والتنفيذية مقارنة بالرجال، كما تستمر الفجوة في الأجور بين الجنسين عند مستويات تفوق متوسط العديد من الدول المتقدمة.
ويربط خبراء هذه الفجوة باستمرار الأعباء المرتبطة برعاية الأطفال وكبار السن، إضافة إلى ثقافة العمل طويلة الساعات التي تجعل التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية أكثر صعوبة بالنسبة للنساء، رغم توسع برامج إجازات الأمومة والأبوة وخدمات رعاية الأطفال.
كوريا الشمالية.. مشاركة المرأة مرتفعة
في كوريا الشمالية، تشكل النساء ما يقارب نصف القوى العاملة، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أنهن مثلن نحو 48 بالمئة من إجمالي العاملين خلال عام 2024، فيما بلغ معدل مشاركتهن في القوى العاملة نحو 78 بالمئة.
وخلال العقود الماضية، أصبحت النساء عنصرا محوريا في الأنشطة الاقتصادية المحلية، خاصة في الأسواق التي توسعت بعد الأزمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد في تسعينيات القرن الماضي، وأسهم هذا الدور في تعزيز حضور النساء في التجارة الصغيرة وتأمين دخل الأسر.
لكن منظمات حقوق الإنسان تؤكد أن ارتفاع نسب المشاركة الاقتصادية لا يعكس بالضرورة تمتع النساء بكامل حقوقهن المهنية، في ظل استمرار تحديات تتعلق بحرية اختيار العمل وإمكانية الوصول إلى المناصب القيادية وظروف العمل، إضافة إلى محدودية البيانات المستقلة التي تسمح بتقييم شامل لأوضاع العاملات داخل البلاد.
مساحة المرأة محدودة
يوضح الباحث تيمو شميتز، في حديثه لمنصة “صفر”، أن النساء في كوريا الشمالية أصبحن أكثر احتكاكا بالتحديات الاقتصادية اليومية بحكم دورهن المتزايد في الأسواق المحلية والأنشطة التجارية الصغيرة.
ويشير شميتز إلى أن العاملات والتاجرات يواجهن بصورة متكررة رسوما وقيودا وإجراءات تنظيمية تؤثر على مصادر دخلهن، ما أدى إلى تزايد مظاهر التذمر والانتقاد لبعض الممارسات الإدارية على المستوى المحلي.
ومع ذلك، يلفت شميتز إلى أن هذه الانتقادات تتركز غالبا على المسؤولين المحليين والجهات التنفيذية، ولا تمتد عادة إلى المستويات السياسية العليا.
مشاركة المرأة لا تعني النفوذ
رغم اختلاف السياقات السياسية والاقتصادية، تتشابه اليابان وكوريا الشمالية في قضية أساسية تتمثل في محدودية حضور النساء في مواقع صنع القرار مقارنة بحجم مشاركتهن الاقتصادية.
ففي اليابان، لا تزال النساء يشغلن نسبة محدودة من المناصب التنفيذية العليا في الشركات الكبرى رغم الجهود الحكومية الرامية إلى تعزيز التنوع بين الجنسين.
وفي كوريا الشمالية، تظل المواقع القيادية في مؤسسات الدولة والقطاعات الاستراتيجية خاضعة بدرجة كبيرة لهيمنة الرجال، وفق ما تشير إليه تقارير أممية ودراسات متخصصة في شؤون شبه الجزيرة الكورية.
وتكفل المواثيق الدولية، بما فيها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، الحق في العمل والمساواة في الأجر والفرص المهنية والحماية من التمييز.
إلا أن التجارب الدولية تظهر أن قياس التقدم في هذا المجال لا يعتمد فقط على معدلات التوظيف، بل يشمل قدرة النساء على الوصول إلى المناصب القيادية والحصول على أجر عادل والاستفادة من بيئة عمل آمنة ومتوازنة تتيح لهن التطور المهني على قدم المساواة مع الرجال.
وفي حين تواصل اليابان جهودها لتقليص الفجوات المهنية وتعزيز تمثيل النساء في مواقع القيادة، تبقى أوضاع المرأة العاملة في كوريا الشمالية مرتبطة بتحديات تتعلق بالشفافية وتوافر المعلومات المستقلة، ما يجعل تقييم مدى التقدم أكثر تعقيداً.
العمل اللائق معيار للمساواة
تشير تجربة اليابان وكوريا الشمالية إلى أن المشاركة الاقتصادية ليست سوى خطوة واحدة في مسار أطول نحو المساواة؛ فوجود النساء في سوق العمل لا يكتسب معناه الكامل إلا عندما يقترن بفرص متكافئة للترقي والقيادة والحصول على أجر عادل وحماية مهنية فعالة.
لذلك يبقى العمل اللائق معيارا أكثر دقة من معدلات التوظيف وحدها عند تقييم واقع حقوق المرأة في أي مجتمع، كما يظل ضمان المساواة في الفرص والحقوق المهنية أحد المؤشرات الأساسية على قدرة الدول على تحويل المشاركة الاقتصادية إلى مكاسب حقيقية في مجال حقوق الإنسان والتنمية المستدامة.

