تناول تقرير أممي جديد صادر ضمن وثائق الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان وضع حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات في تشيلي، وذلك بعد زيارة أجرتها المقررة الخاصة المعنية بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات جينا روميرو إلى البلاد خلال الفترة من 14 إلى 23 يوليو 2025، بدعوة من الحكومة التشيلية.
وهدفت الزيارة إلى تقييم الإطار القانوني، السياسات العامة، الممارسات المؤسسية، والسياق الاجتماعي المرتبط بممارسة الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات.
ويكتسب التقرير أهمية خاصة لأنه لا يقرأ حرية التجمع بوصفها مسألة قانونية فقط، بل يربطها بذاكرة الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها تشيلي في عامي 2019 و2020، وبسؤال العدالة والجبر وعدم التكرار للضحايا، وبمدى قدرة الدولة على ضمان الحق في الاحتجاج دون خوف من الانتقام أو الاستخدام التعسفي للقانون.
انفتاح على آليات الأمم المتحدة
أشادت المقررة الخاصة بتعاون الحكومة التشيلية خلال الزيارة، واعتبرت أن استقبال تشيلي ستّ زيارات من أصحاب ولايات الإجراءات الخاصة بين عامي 2023 و2025 يعكس استعداداً للحوار البنّاء مع آليات حقوق الإنسان.
وخلال الزيارة، التقت المقررة الخاصة مع جهات رسمية وقضائية وأمنية وبرلمانية ومؤسسات وطنية، إضافة إلى ممثلي المجتمع المدني، الضحايا، الناجين، محامين، قادة من مجتمعات المابوتشي، نقابيين، طلاب، صيادين، عمال موانئ، ومزارعين.
هذا الانفتاح مهم؛ لأنه يضع تشيلي في موقع دولة مستعدة للنقاش الأممي، لكنه لا يلغي وجود تحديات جدية في الإطار القانوني والممارسة الأمنية والإدارية المرتبطة بالاحتجاج.
إطار قانوني مجزأ
أحد أبرز ما خلص إليه التقرير أن الإطار القانوني الناظم للحق في التجمع السلمي في تشيلي يعاني من تجزؤ كبير، ما يخلق غموضاً قانونياً ويضعف فهم الجمهور ويؤخر وفاء الدولة بالتزاماتها الدولية.
وأشارت المقررة الخاصة إلى أن عدم وجود قانون موحد وواضح ومتوافق مع المعايير الدولية حدّ من ممارسة الحق في التجمع، وفتح المجال أمام ممارسات تعسفية من السلطات.
ورغم أن الدستور يضمن الحق في “التجمع السلمي وغير المسلح دون إذن مسبق”، فإن تنظيم التجمعات في الأماكن العامة لا يزال يستند إلى مرسوم إداري صادر عام 1983 خلال فترة الحكم العسكري، وهو المرسوم رقم 1086 الصادر عن وزارة الداخلية، ويشترط هذا المرسوم أن يطلب المنظمون إذناً مسبقاً قبل يومين على الأقل، ويمنح السلطات صلاحية منع أو تفريق التجمعات غير المصرح بها.
ومن منظور حقوقي، ترى المقررة الخاصة أن أنظمة الإذن المسبق تبدو غير متوافقة مبدئياً مع القانون الدولي، وأن أي نظام قائم يجب أن يعمل عملياً بوصفه نظام إخطار فقط، بحيث يكون السماح بالتجمع هو الأصل، ولا يجوز التقييد إلا لأسباب قاهرة ومحددة.
العدالة والجبر وعدم التكرار
ركز التقرير على الوصول إلى العدالة وجبر الضرر لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في سياق الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها تشيلي في عامي 2019 و2020، واعتبر أن هناك تحديات مستمرة، خاصة فيما يتعلق بضمانات عدم تكرار الانتهاكات، وبوجود آليات فعالة وشاملة للجبر، وبمعالجة معاناة الضحايا وأسرهم.
ورغم أن التحقيق مع مسؤولين رفيعي المستوى في الشرطة يمثل، بحسب التقرير، سابقة إيجابية، فإن استمرار الإفلات من العقاب وغياب آليات فعالة للتعويض الشامل يفاقمان معاناة الضحايا، لذلك، لا يتعامل التقرير مع احتجاجات 2019 باعتبارها حدثاً من الماضي فقط، بل باعتبارها اختباراً مستمراً لقدرة الدولة على الاعتراف، الإصلاح، وضمان عدم التكرار.
ودعا التقرير إلى مواءمة الإطار القانوني والإداري والبروتوكولات الأمنية المتعلقة بالتجمع السلمي مع المعايير الدولية، ومنها مشروع القانون المتعلق باستخدام القوة.
لوائح إدارية مقيدة
أكدت المقررة الخاصة أن قواعد تنظيم التجمعات يجب ألا تبقى خاضعة للوائح إدارية مقيدة، بل يجب أن ترتقي إلى مستوى القانون، ما يضمن الوضوح، الشفافية، وتقييد استخدام القوة ضمن معايير الضرورة والتناسب.
ويعني ذلك أن إصلاح ملف الاحتجاج في تشيلي لا يقتصر على الاعتراف بالحق في التجمع، بل يتطلب إطاراً قانونياً واضحاً، تدريباً أمنياً، مساءلة على الانتهاكات، وضمان أن تكون مهمة الشرطة هي تسهيل التجمع وحمايته، لا التعامل معه بوصفه تهديداً أمنياً مسبقاً.
ورغم أن الزيارة ركزت أساساً على الحق في التجمع السلمي، فإن التقرير تناول أيضاً جوانب من حرية تكوين الجمعيات، وأشار إلى أهمية دور المجتمع المدني والنقابات والطلاب ومجتمعات السكان الأصليين في تعزيز الديمقراطية والمساءلة، كما أشاد بالشعب التشيلي الذي أظهر، بحسب التقرير، قوة العمل الاجتماعي بوصفها أداة للتغيير والحوار الديمقراطي.
ويطرح هذا الملف سؤالاً مهماً حول العلاقة بين الدولة والمجتمع: هل يتم النظر إلى الاحتجاج والتنظيم المدني بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة الديمقراطية، أم حالة استثنائية تحتاج ضبطاً أمنياً وإدارياً؟
الذاكرة جزء من الضمانات
من أبرز ما يميز التقرير أنه لا يكتفي بالتوصية بإصلاح القوانين والبروتوكولات، بل يدعو أيضاً إلى مسار يتعلق بـالحقيقة والذاكرة بشأن الاضطرابات الاجتماعية.
وترى المقررة الخاصة أن الاعتراف، الجبر، والإصلاح المؤسسي ضرورية للانتقال إلى مستقبل قائم على العدالة والتماسك الاجتماعي وضمانات عدم التكرار.
هذا البعد مهم لأنه يجعل حماية الحق في التجمع مرتبطة ليس فقط بالحاضر، بل أيضاً بكيفية معالجة الدولة لانتهاكات الماضي، وكيفية بناء ثقة جديدة بين المواطنين ومؤسسات إنفاذ القانون.
قراءة حقوقية
يكشف تقرير تشيلي حالة دولة تمتلك مؤسسات ديمقراطية وتعاوناً واضحاً مع آليات حقوق الإنسان، لكنها لا تزال تواجه تحدياً جوهرياً في ضمان حرية التجمع السلمي بصورة كاملة ومتوافقة مع المعايير الدولية، فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود انتهاكات سابقة، بل في استمرار إطار قانوني مجزأ وموروث إداري يعود إلى فترة الحكم العسكري، ويمنح السلطات هامشاً واسعاً في تنظيم أو منع الاحتجاجات.
ويوضح التقرير أن حرية التجمع ليست حقاً إجرائياً فقط، بل هي أداة ديمقراطية أساسية للتعبير، المشاركة، والمطالبة بالحقوق، لذلك، فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يجمع بين القانون، الشرطة، القضاء، الجبر، والذاكرة العامة.
ويضع تقرير المقررة الخاصة تشيلي أمام اختبار مهم: هل يمكن تحويل دروس احتجاجات 2019/2020 إلى إصلاح مؤسسي دائم؟ ويؤكد التقرير أن التقدم في المؤسسات والاعتراف بالحقوق لا يكفيان إذا بقيت القيود القانونية والإدارية والممارسات الأمنية تعوق الممارسة الكاملة للحق في التجمع السلمي.
وتبدو الأولويات واضحة: قانون موحد ومتوافق مع المعايير الدولية للتجمع السلمي، مواءمة بروتوكولات استخدام القوة، ضمان المساءلة والجبر للضحايا، حماية المجتمع المدني، وبناء مسار للحقيقة والذاكرة وعدم التكرار.
