منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين نار راخين ومخيمات اللجوء.. الروهينغا يتخذون البحر طريقاً للهروب من العنف

22 أبريل 2026
عدد قياسي لقتلى الروهينغا خلال عبور البحر في عام 2025
عدد قياسي لقتلى الروهينغا خلال عبور البحر في عام 2025

لم يعد البحر بالنسبة إلى كثير من الروهينغا مجرد ممر للهجرة، بل صار امتداداً مباشراً لأزمة ممتدة تبدأ من العنف والاضطهاد في ميانمار، وتمر عبر مخيمات مكتظة وغير آمنة في بنغلاديش، وتنتهي غالباً في قوارب متهالكة تسلك بحر أندامان وخليج البنغال نحو ماليزيا أو إندونيسيا أو تايلاند.

وفي هذا السياق قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن عام 2025 كان الأكثر دموية على الإطلاق في تاريخ تحركات الروهينغا البحرية، بعدما سُجلت نحو 900 حالة وفاة أو فقدان في تلك الرحلات.

ووفقاً للمفوضية، حاول نحو 6,500 شخص من الروهينغا عبور البحر خلال 2025، وكان أكثر من واحد من كل سبعة منهم بين مفقود أو متوفى، وهو ما وصفته الأمم المتحدة بأنه أعلى معدل وفيات معروف عالمياً على مسارات الهجرة واللجوء البحرية.

هذا الرقم لا يعكس فقط خطورة الطريق البحري، بل يكشف أيضاً حجم اليأس الذي يدفع العائلات إلى المخاطرة رغم المعرفة المسبقة بأن الرحلة قد تنتهي بالغرق أو الاختفاء.

تصاعد النزوح البحري

ولم يتوقف هذا المسار مع انتهاء 2025، بل استمر بوتيرة مقلقة في 2026، فقد قالت المفوضية إن أكثر من 2,800 شخص من الروهينغا أبحروا بالفعل بين يناير و13 أبريل 2026، ما يعني أن النزوح البحري ليس موجة عابرة، بل اتجاه متواصل تغذيه أسباب بنيوية لم تُحل.

كما أوضحت المفوضية أن أكثر من نصف الذين يركبون هذه الرحلات في السنوات الأخيرة هم من النساء والأطفال، وهو ما يضفي على الأزمة بعداً إنسانياً أشد قسوة.

وتربط الأمم المتحدة هذا التصاعد في النزوح البحري بعاملين رئيسيين: العنف في ميانمار والظروف القاسية في مخيمات بنغلاديش، فالمفوضية قالت صراحة إن المغادرين “تدفعهم” أعمال العنف في وطنهم واليأس داخل المخيمات المزدحمة في بنغلاديش.

وهذه المعادلة تعني أن قرار ركوب البحر لا يصدر غالباً عن رغبة في “الهجرة” بالمفهوم التقليدي، بقدر ما يصدر عن إحساس بانسداد الأفق وانعدام البدائل الآمنة.

الأزمة الإنسانية والحرب

في ميانمار تتداخل الأزمة الإنسانية مع الحرب واتساع النزاع، خصوصاً في ولاية راخين، وكانت رويترز قد نقلت في أكتوبر 2025 تحذيرات منظمات إغاثية من أن راخين تتجه نحو كارثة جوع في ظل الحرب والقيود وتدهور الإمدادات، مع وصول نازحين جدد من الروهينغا إلى بنغلاديش وهم في حالة صحية أسوأ من موجات النزوح السابقة.

وبينهم معدلات مرتفعة من سوء التغذية، خصوصاً لدى الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات. كما أشارت التغطية إلى أن الأزمة دفعت مزيداً من الأسر إلى الفرار من راخين أصلاً.

أما في بنغلاديش، حيث يعيش العدد الأكبر من الروهينغا المهجرين، فالصورة لا تقل قتامة، رويترز نقلت عن المفوضية أن 1.2 مليون من الروهينغا يوجدون في بنغلاديش وحدها، في حين يتجاوز عدد المهجرين من الروهينغا وطالبي اللجوء في المنطقة كلها 1.3 مليون شخص.

ومع هذا الحجم الهائل من اللجوء، تصبح المخيمات بيئة شديدة الهشاشة، خصوصاً مع تراجع التمويل الدولي وتصاعد انعدام الأمن والجريمة والاتجار بالبشر.

تدهور الوضع الأمني

وتقول مفوضية اللاجئين على صفحتها الخاصة ببنغلاديش إن الوضع الأمني داخل المخيمات “تدهور بشكل كبير”، مع زيادة في الحوادث الخطيرة، ومنها عمليات القتل والاختطاف والعنف والابتزاز.

وعندما تتقاطع هذه البيئة مع الفقر والبطالة وانسداد فرص التعليم والعمل، يصبح البحر في نظر كثير من الأسر، رغم خطورته، أقل رعباً من البقاء بلا أفق.

ويضيف عامل التمويل الإنساني بعداً آخر للأزمة. فالمفوضية قالت إن نداءها لعام 2026 لدعم الروهينغا في كوكس بازار وفي باشان شار تبلغ قيمته 200 مليون دولار، لكنه ممول حتى الآن بنسبة 32% فقط.

كما ربطت تزايد اليأس بين اللاجئين مباشرةً بتراجع تمويل المانحين، وهو ما يهدد خدمات أساسية مثل الغذاء والماء والمأوى والرعاية الصحية.

خفض الحصص الغذائية

وهذا التدهور لا يقتصر على التوقعات، بل انعكس بالفعل على المساعدات الغذائية، ففي مارس 2025، نقلت رويترز أن الأمم المتحدة قررت خفض الحصص الغذائية الشهرية للاجئي الروهينغا في بنغلاديش من 12.50 دولاراً إلى 6 دولارات للفرد شهرياً بسبب نقص التمويل.

وهو خفض كانت وكالات الإغاثة قد حذرت من أنه سيدفع مزيداً من الأسر إلى الجوع واليأس والخيارات الخطرة. صحيح أن هذا القرار يعود إلى 2025، لكنه يفسر بوضوح كيف تراكمت ظروف تدفع الناس اليوم إلى البحر.

ويظهر أثر هذا اليأس بوضوح في الكوارث البحرية المتتالية، ففي أبريل 2026 قالت رويترز إن نحو 250 شخصاً فُقدوا بعد انقلاب قارب كان يحمل قرابة 300 شخص من الروهينغا وبنغلاديشيين انطلق من تكناف في جنوب بنغلاديش متجهاً إلى ماليزيا.

ووصفت روايات ناجين الظروف داخل القارب بأنها لاإنسانية، مع اختناق شديد داخل حجرات مكتظة، وموت عشرات الأشخاص حتى قبل الانقلاب الكامل.

ممرات موت متكررة

هذه المأساة ليست حادثاً منفصلاً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة، فالمفوضية تقول إن أكثر من 5,000 شخص لقوا حتفهم على هذه المسارات البحرية منذ 2012، ما يجعل بحر أندامان وخليج البنغال من أخطر طرق الهجرة واللجوء في العالم.

وعندما تستمر الخسائر البشرية بهذا الحجم على مدى أكثر من عقد، فإن الحديث لم يعد فقط عن “رحلات تهريب”، بل عن ممرات موت متكررة ترتبط بفشل إقليمي ودولي في توفير الحماية والحلول.

كما أن الوجهة المقصودة نفسها تكشف طبيعة الأزمة. فماليزيا وإندونيسيا وتايلاند تبقى أهدافاً رئيسية لأن الروهينغا يأملون فيها بقدر من الأمان أو العمل أو لمّ الشمل، لكن الوصول إليها ليس مضموناً، والاستقبال فيها متفاوت، وشبكات التهريب تستغل هذا اليأس عبر قوارب مكتظة ووعود كاذبة.

وقد أوردت أسوشيتد برس في 17 أبريل الجاري أن ماليزيا اعترضت 25 مهاجراً غير نظامي يُعتقد أنهم من ميانمار، في حادثة تعكس استمرار هذا المسار حتى مع تشديد المراقبة.

أزمة حقوق وجنسية

الأزمة إذن ليست أزمة “قوارب” فقط، بل أزمة حقوق وجنسية وحماية ممتدة، الروهينغا لا يهربون من ظرف طارئ واحد، بل من مزيج من الاضطهاد التاريخي والاقتلاع القسري والحرمان من المواطنة والحرب في راخين والاختناق داخل المخيمات.

ولذلك شددت المفوضية في إحاطتها الأخيرة على ضرورة معالجة الأسباب الجذرية داخل ميانمار، وتوسيع المسارات القانونية والآمنة للجوء، ومكافحة شبكات الاتجار والتهريب التي تستغل الفئات الأشد هشاشة.

والخطر أن المؤشرات الحالية لا توحي بانحسار سريع، فمع استمرار النزاع، وضعف التمويل، وتدهور الخدمات، وانعدام أفق العودة الآمنة والكريمة، يبقى البحر خياراً يدفع الناس إليه الإكراه أكثر من الاختيار.

ولهذا فإن توصيف هذه الممرات بأنها “مقابر بحرية” ليس تعبيراً مجازياً فقط، بل وصف دقيق لطريق صار يبتلع الفارين من الاضطهاد عاماً بعد عام.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية