منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين الانتهاكات ومسار العدالة.. تقرير أممي يطالب بوقف الإفلات من العقاب

17 سبتمبر 2025

عقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة دورته الـ60 في جنيف، والتي تتواصل أعمالها حتى 8 أكتوبر المقبل، وفي هذا السياق، قدم المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار، برنارد دوهايم، تقريرًا نوعيًا يركز على الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، مع الدعوة إلى معالجة جذور الإفلات من العقاب وبناء منظومات فعالة للعدالة الانتقالية. 

ويغطي التقرير التطورات والممارسات ذات الصلة حتى منتصف عام 2024، مع التركيز على الأبعاد العالمية لهذه القضية وتداعياتها على المجتمعات الخارجة من النزاعات.

وبحسب التقرير الذي اطلع «جسور بوست» على نسخة منه، فإن العالم لا يزال يشهد أنماطاً متكررة من الانتهاكات واسعة النطاق، تراوح بين القتل خارج نطاق القانون، والإخفاء القسري، والتعذيب، والتهجير القسري للسكان.

وأكد المقرر الخاص أن هذه الممارسات لا تمثل فقط انتهاكات جسيمة لحقوق الأفراد، بل تهدد أسس السلم والأمن على المستوى الدولي، موضحاً أن استمرار هذه الجرائم دون محاسبة فعلية يسهم في إدامة دوامات العنف ويقوض فرص المصالحة الوطنية.

الإفلات من العقاب

وسلط التقرير الضوء على ظاهرة الإفلات من العقاب التي لا تزال متجذرة في كثير من الدول. فقد بين المقرر الخاص أن غياب المساءلة يفتح الباب أمام تكرار الجرائم ويضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن العديد من الحكومات تفتقر إلى الإرادة السياسية أو الأدوات المؤسسية اللازمة للتحقيق في الجرائم الخطيرة ومحاسبة مرتكبيها، سواء كانوا من قوات الأمن أو جماعات مسلحة.

وشدد التقرير على أن العدالة الانتقالية ليست مجرد خيار سياسي أو إجراء قانوني، بل هي عملية شاملة ترتبط بحقوق الضحايا في معرفة الحقيقة والحصول على الجبر والتعويض، وضمانات عدم تكرار الانتهاكات، موضحاً أن بناء منظومات فعالة للعدالة الانتقالية يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الإصلاح المؤسسي، وتوثيق الجرائم، وإنشاء آليات قضائية مستقلة، إلى جانب برامج جبر الضرر.

وأبرز التقرير أن الضحايا غالباً ما يتركون في الهامش، في حين تناقش القضايا الكبرى على المستوى السياسي، وشدد المقرر الخاص على ضرورة وضع الضحايا في قلب أي عملية للعدالة الانتقالية، بما يضمن الاستماع إلى أصواتهم ومشاركتهم الفعالة في صياغة السياسات، مؤكداً أن تجاهل حقوق الضحايا أو إقصاءهم من مسارات العدالة يسهم في تعميق الجراح المجتمعية ويؤخر تحقيق المصالحة الحقيقية.

تحديات مؤسسية وقانونية

وأشار التقرير إلى أن العديد من الدول الخارجة من النزاعات تواجه تحديات مؤسسية ضخمة، أبرزها ضعف استقلال القضاء، ونقص الموارد البشرية والمالية، والانقسامات السياسية. وأن هذه التحديات تقف حائلًا أمام إنشاء آليات قضائية فعالة، وتؤدي إلى بطءٍ شديد في ملاحقة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة، كما نبه إلى أن غياب التشريعات الوطنية التي تجرم الانتهاكات وفق المعايير الدولية يعرقل بشكل كبير أي محاولة لتحقيق العدالة.

وأشاد المقرر الخاص بالدور الحيوي الذي يلعبه المجتمع المدني في توثيق الانتهاكات ومناصرة قضايا الضحايا، لكنه أشار أيضًا إلى القيود والتهديدات التي تواجهها المنظمات الحقوقية والمدافعون عن حقوق الإنسان في عدة بلدان، محذراً من أن استهداف هذه المنظمات يقوض قدرة المجتمعات على المطالبة بالمساءلة ويحد من إمكانيات التغيير.

ولم يغفل التقرير الإشارة إلى أهمية القضاء الدولي بوصفه ملاذاً للضحايا في حال فشل الأنظمة الوطنية في القيام بواجبها، وأكد المقرر الخاص أن المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من الآليات الدولية يجب أن تلعب دورًا مكملًا وليس بديلًا عن الجهود الوطنية، داعيًا إلى تعزيز التعاون بين المحاكم الوطنية والدولية لتبادل الأدلة والخبرات.

وأنهى المقرر الخاص تقريره بجملة من التوصيات الموجهة إلى الدول الأعضاء والمجتمع الدولي، دعا فيها إلى ضمان التحقيق الفوري والمستقل في جميع الانتهاكات الجسيمة ومحاسبة المسؤولين عنها، واعتماد سياسات شاملة للعدالة الانتقالية تراعي حقوق الضحايا وتضعهم في صميم العملية، وإصلاح المؤسسات القضائية والأمنية لضمان استقلالها وفعاليتها، وتوفير الدعم والموارد الكافية لبرامج جبر الضرر وتعويض الضحايا.

ودعا المقرر الخاص إلى تمكين المجتمع المدني وحمايته من القيود والتهديدات، باعتباره شريكًا أساسيًا في عمليات المساءلة، وتعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات لبناء منظومات عدالة قوية وفعالة.