تيموثي غارتون آش
أن تكون في بودابست مساء الأحد الماضي، يعني أن تشهد التاريخ وهو يُصنع من جديد على ضفاف نهر الدانوب. هناك، حيث احتشدت جموع غفيرة على الضفة المقابلة لمبنى البرلمان المضاء، تهتف بحماس: “المجر! المجر!” و“المجر – أوروبا!” كان واضحاً لنا جميعاً أن تداعيات الفوز الانتخابي الكاسح لحزب “تيسا” بقيادة بيتر ماغيار تتجاوز حدود هذا البلد في قلب أوروبا.
هذه النتيجة تحمل أخباراً جيدة لـأوكرانيا والاتحاد الأوروبي، وبالقدر ذاته، تمثل نبأً سيئاً لكل من فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، الداعمين لنظام فيكتور أوربان. السؤال الحاسم الآن: هل يمكن للمجر أن تكون أول دولة في العالم تنجح في الخروج من هذا التآكل العميق للديمقراطية بفعل الشعبوية؟ وهل تملك أوروبا الإرادة والخيال السياسيين لإنجاح هذه التجربة؟
منذ مساء الجمعة، وأنا أقف وسط حشد هائل من الشباب في ميدان الأبطال، خلال حفل وصفوه بأنه “مغير للنظام”، شعرت بطاقة التغيير. في المكان ذاته الذي شهد عام 1989 صعود أوربان الشاب، وهو يطالب بإنهاء الحكم الشيوعي وخروج الروس، رأيت جيلاً جديداً يطالب اليوم بإنهاء حكم أوربان نفسه. كانوا يهتفون: “فِيدِس الفاسد!” و“أيها الروس، إلى الخارج!”، في إشارة لا تخطئها العين إلى تحالف أوربان الوثيق مع موسكو.
وفي مساء السبت، وسط تجمع أصغر سناً يغلب عليه الطابع المحافظ، استمعت إلى خطاب أوربان الأخير في حملته الانتخابية، أمام تمثال القديس ستيفن في الجانب البودي من المدينة. هناك، شعرت بإرهاق نظامه بالكامل. رغم التنظيم المحكم والأعلام الموحدة ومكبرات الصوت، بدت الفعالية بلا روح… كأنها لقاء متقاعدي عصر مضى. أما أوربان نفسه، فكان متعباً، حادّاً، متذمراً، حتى إنه انتقد الشباب. حينها قلت لنفسي: لقد أصبح هو “الشيوعي العجوز” الذي كان يحاربه يوماً.
ورغم استطلاعات الرأي المشجعة، ظلّ الغموض يخيّم على صباح يوم الانتخابات. لكن مع ارتفاع نسب المشاركة إلى مستويات قياسية، بدأ التفاؤل يتسلل. وبعد إغلاق الصناديق، كشفت النتائج عن فوز كاسح. لقد اجتاحت إرادة الناخبين كل محاولات التلاعب: من إعادة رسم الدوائر، إلى السيطرة الإعلامية، وصولاً إلى شراء الأصوات.
ثم، وبعد التاسعة مساءً بقليل، ظهر منشور مفاجئ على صفحة ماغيار: أوربان اتصل به واعترف بالهزيمة. مشهد نادر في السياسة… كأن الرجل لم يُحسن شيئاً في مسيرته بقدر ما أحسن الخروج منها.
في تلك اللحظة، انفجرت الاحتفالات. وعلى ضفاف الدانوب، أعلن ماغيار في خطاب النصر عزمه بناء دولة يعيش فيها الجميع بحرية، واستعادة التوازن الدستوري، وإصلاح العلاقات الخارجية، وجعل المجر شريكاً قوياً في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. وردد الحشد: “أوروبا! أوروبا!”
لكن مع صباح الاثنين، بدأ التفكير الجاد: هل يمكن تحقيق ذلك فعلاً؟
الفرصة موجودة، خاصة مع حصول “تيسا” على أغلبية الثلثين في البرلمان، ما يتيح تعديل الدستور. ومع ذلك، تبقى تحديات قائمة، مثل دور الرئيس والمحكمة الدستورية، ومدى تماسك حزب فيدس، ورد فعل أوربان نفسه.
التحدي الأصعب، في رأيي، هو الاقتصاد. فالوضع المالي للمجر متدهور، والحكومة السابقة استنزفت معظم موازنة العام في محاولة لكسب الأصوات. كما أن الغموض يلف الاتفاقات مع روسيا والصين. أما وعود ماغيار بالحفاظ على سياسات الدعم، فقد تزيد الوضع تعقيداً. لذلك، سيكون الوصول السريع إلى أموال الاتحاد الأوروبي المجمدة أمراً حاسماً.
على أوروبا الآن أن تدعم هذا التحول، لكن بشروط سياسية حقيقية، لا مجرد إجراءات بيروقراطية شكلية كما كان يحدث سابقاً. يجب التركيز على حرية الإعلام، والمساءلة، ومنع تغول السلطة التنفيذية.
ما لفتني حقاً هو حماس الشباب المجري لأوروبا. شعرت وكأن البلاد تعيش “عودة ثانية إلى أوروبا”، شبيهة بما حدث عام 1989.
ولا بد أن نعترف أيضاً بمسؤولية الاتحاد الأوروبي الذي سمح لسنوات بإساءة استخدام مليارات اليوروهات، ما أسهم في ترسيخ نظام أوربان. لقد تأخر التصحيح كثيراً.
لكن الأهم من كل ذلك أن ما يحدث في المجر اليوم قد يقدم نموذجاً عالمياً: طريقاً للخروج من قبضة الشعبوية.
فالمجر كانت من أوائل الدول التي تحررت من الشيوعية، وأول من انزلق إلى الشعبوية التي تقوض الديمقراطية.
فإذا نجحت الآن في الخروج منها، فسيكون ذلك سابقة تاريخية… وربما درساً حتى للولايات المتحدة نفسها.
نقلاً عن الجارديان
