تحوّلت أعياد المسلمين في بعض المدن الأوروبية، لا سيما مع مطلع عام 2026، من مناسبات دينية واجتماعية خالصة تفيض بقيم التسامح والتواصل، إلى ملفات أمنية معقدة تُناقش خلف الأبواب المغلقة في أروقة البلديات وأقسام الشرطة.
لم يعد مشهد صلاة العيد في الساحات العامة أو الحدائق المفتوحة مجرد ممارسة لحرية العبادة التي تكفلها المواثيق الدولية؛ بل أضحى مسرحاً للاستنفار الأمني، ومحاطاً بحواجز حديدية مسبقة الصنع، ومراقباً بكاميرات متطورة وأفراد شرطة مدججين بأسلحتهم.
هذا التحول الدراماتيكي لم يأتِ من فراغ، بل يتزامن مع تدفق موجات جديدة من اللاجئين الفارين من بؤر الصراعات المشتعلة، والذين وجدوا أنفسهم يحيون العيد الأول أو الثاني لهم في بلدان المهجر الأوروبي وسط أجواء مشحونة بالقلق والترقب.
تُشير البيانات المحدثة الصادرة عن الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) في تقاريرها الربع سنوية لعامي 2025 ومطلع 2026، إلى أن الضغط على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي سجل مستويات قياسية جديدة، مما دفع الحكومات المحلية في دول مثل ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والنمسا إلى تبني سياسات أمنية أكثر تشدداً داخل حدودها الحضرية.
إجراءات أمنية استثنائية
وفي هذا السياق، رصدت تقارير المرصد الأوروبي لحقوق الإنسان في الربع الأول من عام 2026 زيادة بنسبة تقارب 35% في الإجراءات الأمنية الاستثنائية المطبقة حول المساجد والمراكز الإسلامية خلال فترات الأعياد مقارنة بالسنوات الثلاث الماضية.
هذه الإجراءات شملت فرض تصاريح مسبقة ومعقدة لإقامة صلاة العيد في الميادين، وتقييد أعداد المصلين، ومنع المظاهر الاحتفالية التقليدية في الشوارع المحيطة بدواعي الحفاظ على النظام العام ومنع التحرش أو الاحتكاك.
بالنسبة للاجئ الجديد، الذي يحمل في ذاكرته أهوال الحرب ومرارة اللجوء، فإن العيد في أوروبا بات يحمل غصة مضاعفة، فبدلاً من أن يكون مناسبة للاندماج والتخفيف من وطأة الغربة، يجد نفسه محاصراً بنظرات الشك والريبة الأمنية.
وترى منظمات حقوقية، من بينها الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية (ENAR) في تقريرها التحليلي لعام 2025، أن “أمننة العيد” (أي تحويله إلى قضية أمنية) يعكس تنامياً واضحاً في التمييز الهيكلي ضد المسلمين، حيث يُنظر إلى تجمعاتهم الاحتفالية كتهديد محتمل للنظام العام وليس كمظهر من مظاهر التعددية الثقافية. هذا المشهد يفرض تساؤلات عميقة حول مستقبل الحريات الدينية في القارة التي طالما تغنت بحقوق الإنسان، ويضع اللاجئين الجدد في مواجهة مباشرة مع واقع أوروبي متوجس يعيد صياغة مفهوم الأمان على حساب البهجة والحرية.
اليمين المتطرف
لا يمكن فصل الهوس الأمني المحيط باحتفالات العيد في المدن الأوروبية عن المشهد السياسي العام المحكوم بالصعود المدوي لتيارات اليمين المتطرف والشعبوي.
ووفقاً لبيانات مركز الدراسات السياسية الأوروبية CEPS المنشورة في أواخر عام 2025، فإن الأحزاب اليمينية القومية تمكنت من تعزيز مقاعدها في البرلمانات المحلية والوطنية بنسبة متوسطها 22% في عدة دول محورية بالاتحاد الأوروبي.
هذا الصعود السياسي تُرجم مباشرة إلى ضغوط هائلة على الحكومات التقليدية لتبني أجندات صارمة في ملفات الهجرة والاندماج، مما جعل المظاهر الثقافية والدينية للمهاجرين واللاجئين، وخاصة المسلمين، مادة دسمة للمزايدات السياسية وصناعة الخوف.
لقد نجحت الآلة الإعلامية لليمين المتطرف في تحويل تجمعات العيد وصوت التكبيرات في الساحات إلى ما تصفه بـ”مظاهر الغزو الثقافي” أو “أسلمة الفضاء العام”، مستغلة المخاوف الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين الأصليين.
وبحسب تقرير وكالة الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي الصادر في أوائل عام 2026، فإن الاستقطاب السياسي أدى إلى زيادة حادة في خطاب الكراهية الموجه ضد اللاجئين على منصات التواصل الاجتماعي خلال مواسم الأعياد، حيث رُصدت زيادة بنسبة 45% في المنشورات المحرضة التي تطالب بـ”حظر صلوات الشوارع” وفرض رقابة مشددة على أموال التبرعات التي تُجمع في العيد.
هذا الضغط السياسي دفع بالعديد من البلديات الأوروبية، وخاصة تلك التي تديرها تحالفات يمين الوسط أو يمين الوسط مع المتطرفين، إلى تبني مقاربة “الأمن الوقائي الصارم”.
وصارت الأجهزة الأمنية تتعامل مع صلاة العيد كحدث “عالي المخاطر” يتطلب استنفاراً يشابه الاستنفار في مباريات كرة القدم الحساسة أو التظاهرات السياسية الكبرى.
ويرى باحثون في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI في ورقة بحثية حول الأمن المجتمعي لعام 2025، أن هذا الإفراط في “أمننة” الممارسات الدينية يسهم في عزل مجتمعات اللاجئين ويدفعهم نحو التقوقع، حيث يشعر الفرد بأنه مستهدف أمنياً لمجرد رغبته في الاحتفال بعيده، مما يخدم بالضرورة السردية المتطرفة التي تروج لاستحالة التعايش بين الإسلام والغرب، وهي النتيجة التي يطمح إليها اليمين المتطرف لتبرير سياسات الطرد والإغلاق.
ميثاق اللجوء الجديد والأرقام الصادمة
لم تتوقف الضغوط عند حدود الخطاب السياسي والانتشاري للشرطة في الشوارع، بل امتدت لتصبح بنية قانونية وتشريعية خانقة عبر حزمة من القوانين الأوروبية الجديدة. ففي عام 2025 ومطلع عام 2026، أقر الاتحاد الأوروبي تعديلات جذرية على نظام اللجوء الأوروبي المشترك، تضمنت ما يُعرف بـ”لائحة العودة الجديدة” وتشديد إجراءات الفحص على الحدود وفي مراكز الاحتجاز الاحتياطي.
وتكشف البيانات الرسمية الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR لعام 2025، أن هذه التعديلات منحت السلطات المحلية صلاحيات واسعة لتقييد حركة طالبي اللجوء، وفرض تدابير مراقبة صارمة بذريعة “تقييم المخاطر الأمنية”، وهو ما أثر بشكل مباشر على قدرتهم على التنقل والاحتفال بالأعياد خارج مراكز الإيواء.
وفي تحديث إحصائي صادر عن منظمة العفو الدولية (أمنستي) في مارس 2026، تبين أن أكثر من 60% من اللاجئين الجدد المقيمين في مراكز الاستقبال المؤقتة في دول مثل اليونان وإيطاليا والنمسا مُنعوا من مغادرة المراكز للمشاركة في صلاة العيد في المساجد الكبرى بالمدن، لـ”دواعي تنظيمية وأمنية”.
كما أشار التقرير الحقوقي ذاته إلى أن معايير تحديد “الخطر الأمني” باتت فضفاضة للغاية، لدرجة أن مجرد التجمع غير المرخص للاحتفال بالعيد أو توزيع الحلوى في الأماكن العامة قد يُفسر على أنه خرق للنظام العام، مما يهدد ملف اللجوء الخاص بالفرد ويعرضه لخطر الترحيل السريع بموجب القوانين الجديدة لعام 2026، والتي تتيح تمديد احتجاز اللاجئين لمدد تصل إلى 24 شهراً إذا اعتبرتهم السلطات “تهديداً محتملاً”.
هذه البيئة القانونية الصارمة خلقت حالة من الرعب غير المعلن بين اللاجئين الجدد. فالعيد، الذي يُفترض أن يكون فسحة من الأمل وتجديد الروابط الإنسانية، تحوّل في ظل هذه التشريعات إلى حقل ألغام قانوني. وبحسب دراسة مسحية أجرتها منظمة “مراقبة حقوق الإنسان” (Human Rights Watch) في أواخر عام 2025 شملت عينات من اللاجئين في ألمانيا وفرنسا، عبر 72% من المبحوثين عن خوفهم من إظهار مشاعر البهجة أو التجمع العائلي الكبير في الشقق المستأجرة خشية بلاغات الجيران أو مداهمات الشرطة، مما يوضح كيف أسهمت القوانين الجديدة في تحويل العيد من مناسبة دينية واجتماعية إلى مصدر للقلق والتهديد الوجودي للاجئين.
تداعيات “الأمننة” على اندماج اللاجئين
تحويل احتفالات العيد إلى “ملف أمني” في المدن الأوروبية يحمل في طياته تداعيات حقوقية واجتماعية خطيرة بعيدة المدى، تتجاوز مجرد التقييد المؤقت لحرية الحركة والعبادة خلال أيام العيد. فمن المنظور الحقوقي النقدي، يمثل هذا التوجه انتهاكاً صارخاً للمادة 9 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي تكفل حرية الفرد في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد والتعليم والممارسة وإقامة الشعائر، سواء أكان ذلك بمفرده أم بالاشتراك مع آخرين وعلناً أو سراً.
إن التذرع الدائم بـ”الأمن العام” لتبرير التضييق على المناسبات الإسلامية دون غيرها، يكرس حالة من “مواطنة الدرجة الثانية” للاجئين والمهاجرين، ويزيد من فجوة الثقة بينهم وبين مؤسسات الدولة المضيفة.
وتُحذر تقارير المعهد الأوروبي للسلام الصادرة في عام 2026 من أن استمرار مقاربة “الأمننة” سيؤدي حتماً إلى تقويض جهود الاندماج الاجتماعي التي أنفقت عليها الحكومات الأوروبية مليارات اليورو خلال العقد الماضي.
فعندما يشعر اللاجئ الجديد، وخاصة الشباب واليافعين، بأن ممارساتهم الثقافية والدينية البريئة تُعامل كشبهة جنائية أو أمنية، يتولد لديهم شعور حاد بالإحباط والاغتراب العكسي، وهذا الشعور بالإقصاء يمثل التربة الخصبة التي تتغذى عليها قوى التطرف من الجانبين؛ حيث يستغلها اليمين المتطرف لإثبات فشل الاندماج، وتستغلها الجماعات المتطرفة لإقناع الشباب بأن المجتمعات الغربية تُكنّ العداء المطلق لهويتهم.
حريّة الشعائر ومَرارة الإقصاء الوجداني
قال محمد العروقي، الإعلامي الفلسطيني المقيم في أوكرانيا، إن تجربة المهاجرين واللاجئين في الاحتفال بالأعياد الدينية في بلاد الغربة تتسم بالتفاوت والتباين الشديد بين المجتمعات الغربية، حيث تختلف طبيعة التعامل مع الأجواء الاحتفالية والمظاهر الدينية من بلد إلى آخر، مؤكداً أن العيش في أوكرانيا يتيح للجالية المسلمة واللاجئين الاحتفال بأجواء العيد بكامل الحرية والأمان، وإقامة كل المناسبات الوطنية والدينية على نطاق واسع وبشكل كبير، دون التعرض لأي نوع من المضايقات أو النظرات الغريبة من قبل المجتمع المحيط، وهو ما يعكس مرونة وتقبلاً فريداً في هذا الجزء من العالم.
وأشار العروقي، في تصريحات خاصة لـ“صفر”، إلى أن هذا التقبل الميداني لا يلغي حقيقة أن هناك غصة أعمق يعيشها المغترب بعيداً عن وطنه، حيث يظل الجانب المحزن في تجربة الغربة هو الافتقاد التام لتلك الأجواء الأصيلة والمشاعر الممتدة التي لا يمكن تلمسها إلا في الوطن الأم أو في مكان المنشأ، حيث تبدو العادات والتقاليد الراسخة والاحتفالات المبهجة واضحة المعالم وتنبض بالحياة في كل زاوية، مبيناً أن واقع الاغتراب يفرض على المرء نمطاً من العزلة الاحتفالية، بحيث لا يعود يشعر ببهجة العيد الحقيقية إلا مع نفسه أو في نطاق ضيق ومحدود يجمعه بمجموعة من أصدقائه المقربين الذين يتشاركون معه ذات الخلفية الدينية والثقافية، ويحملون في وجدانهم نفس المشاعر والأحاسيس المرتبطة بهذه المناسبة المباركة.
ونبّه الإعلامي الفلسطيني إلى الفجوة الوجدانية والثقافية الكبيرة التي تفصل المغترب عن محيطه الاجتماعي في بلاد المهجر خلال هذه المناسبات الدينية البارزة، موضحاً أنه في الوقت الذي تمتلئ فيه أنفس المسلمين بالفرحة والقدسية، فإن السكان الأصليين للبلدان المضيفة لا يدركون في الغالب المعاني العميقة لهذا العيد، ولا يستوعبون مدى قدسيته أو طبيعة الفرحة الروحية والاجتماعية التي يمثلها، الأمر الذي يضع المغترب في حيرة نفسية، حيث يتخيل للحظة أن الجميع من حوله يشاركونه أو يشعرون ببهجته، لكنه يصطدم بواقع مغاير تماماً يؤكد أنه لا أحد يشاركه هذا الإحساس سوى دائرته المقربة ومن هم على شاكلته الدينية.
وأكد العروقي أن هذا التباين الثقافي يترك غصة وحزناً دفيناً في القلب، نتيجة الرغبة الفطرية في أن يشعر المحيط بالكامل بهذه المناسبة، وأن يجد المغترب من يهنئه أو يشاركه الاحتفال من جيرانه وزملائه، لافتاً إلى أن المرء قد يجد أقرب الأصدقاء إليه من أبناء المجتمع الغربي غير معنيين بتاتاً بهذه الأيام، أو غير مطلعين على الإطلاق بمواعيدها ومعانيها، لدرجة أنهم لا يعرفون أصلاً أن هذا اليوم يمثل عيداً للمسلمين، وبالتالي لا يقدمون التهاني لقلة معرفتهم وخبرتهم الثقافية والدينية بهذا الشأن.
وفي سياق متصل، نبّه العروقي إلى المفارقة والمعادلة غير المتكافئة التي يواجهها المسلم في الغربة، حيث يجد نفسه مطالباً من باب اللياقة والاندماج الاجتماعي بالتعرف على كافة الأعياد والمناسبات المحلية للبلد الذي يقيم فيه وتقديم التهنئة لسكانه الأصليين، في حين لا يلقى ذات الاهتمام أو المبادرة في أعياده الخاصة، وهو ما يولد نوعاً من الحزن الداخلي المفروض، والذي يحاول المغترب دائماً تبريره والتماس الأعذار فيه للآخرين نظراً لعدم معرفتهم المسبقة بتلك المواعيد والشعائر.
وخلص الإعلامي محمد العروقي إلى القول بأن أجواء العيد، ومهما بلغت مستويات الحرية المتاحة في الغربة، ستظل دائماً أجواء منقوصة وناقصة وغير قادرة على الوصول إلى المستوى الروحاني والاجتماعي المطلوب الذي تكتمل به الفرحة، مشدداً على أنه بالرغم من غياب المضايقات المباشرة على الممارسات الدينية أو التضييق على الشعائر والاحتفاليات في بلدان مثل أوكرانيا، إلا أن هذا التوقيت الحرج والمناسبات الكبرى تعيد تذكير المغترب على نحو دائم وقاسٍ بالمعاني الحقيقية للغربة، وتجعله يتجرع بمرارة تامة مشاعر البعد الشديد عن الوطن والمنشأ.

