منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين الحدود والاحتجاز.. طالبو اللجوء في مواجهة الفراغ القانوني والإنساني

17 يوليو 2026
اللاجؤون والنازحون يواجهون تحديات متعددة
اللاجؤون والنازحون يواجهون تحديات متعددة

في مراكز احتجاز مكتظة وعلى أطراف الحدود المغلقة، يعيش آلاف طالبي اللجوء حول العالم حالة من الغموض القانوني والإنساني، بعدما دفعت السياسات المتشددة والقيود المتزايدة على أنظمة اللجوء كثيرين إلى البقاء عالقين لسنوات من دون وضع قانوني مستقر أو حماية فعلية.

وبات الهاربون من الحروب والاضطهاد والنزاعات يواجهون اليوم واقعاً أكثر تعقيداً، إذ لم تعد معاناتهم مرتبطة فقط بمخاطر النزوح والعبور، بل امتدت إلى ما تصفه منظمات حقوقية بـ”الفراغ القانوني”، حيث يجد طالب اللجوء نفسه مهدداً بالاحتجاز أو الترحيل أو الحرمان من الحقوق الأساسية، رغم أن القانون الدولي يكفل حقه في طلب الحماية.

وتشير تقارير صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى أن عدداً متزايداً من الدول اتجه خلال السنوات الأخيرة إلى تشديد سياسات اللجوء والهجرة، عبر تقييد إجراءات التسجيل، وتسريع عمليات الترحيل، وتوسيع نطاق الاحتجاز، وربط قضايا اللجوء باعتبارات الأمن القومي ومكافحة الهجرة غير النظامية.

كما توثق هذه التقارير تزايد حالات بقاء طالبي اللجوء في أوضاع قانونية هشة لفترات طويلة، من دون وثائق مستقرة أو إمكانية واضحة للوصول إلى العمل والرعاية الصحية والتعليم والمساعدة القانونية، إضافة إلى تعرض بعضهم لخطر الإعادة القسرية إلى بلدان تشهد نزاعات أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

فراغ قانوني يهدد الحماية الدولية

قال الخبير في القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، رضا الدنبوقي، في تصريح لـ“صفر”، إن منظومة اللجوء الدولية تمر بإحدى أخطر مراحلها، في ظل اتجاه عدد من الدول إلى تعليق أو تقييد استقبال طلبات اللجوء، وتسريع إجراءات الترحيل، ونقل المسؤولية إلى دول توصف بأنها “آمنة”، رغم غياب الضمانات الكافية في كثير من الحالات.

وأوضح الدنبوقي أن هذه التحولات لا تمثل مجرد تغييرات إدارية، بل تؤسس لـ”فراغ قانوني وإنساني” يهدد جوهر الحق في طلب الحماية الدولية، ويقوض المبادئ التي قامت عليها منظومة اللجوء العالمية.

وأضاف أن تعليق أو تقييد أنظمة اللجوء يضع طالبي الحماية في “منطقة رمادية”، فلا هم قادرون على الحصول على وضع قانوني مستقر، ولا يتمتعون بحماية فعلية من الترحيل أو الاحتجاز أو الاستغلال.

وأشار إلى أن خطورة هذه السياسات تتضاعف عندما تطول الفئات الأكثر هشاشة، مثل النساء والأطفال والناجين من العنف والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والأشخاص الفارين من الاضطهاد السياسي أو الديني أو القائم على النوع الاجتماعي.

وأكد أن أبرز المخاطر تتمثل في الاحتجاز لفترات طويلة، والترحيل القسري، والحرمان من المساعدة القانونية، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية والسكن والعمل، إلى جانب تنامي الاعتماد على طرق هجرة غير آمنة.

الإعادة القسرية تحت ذريعة الأمن

شدد الدنبوقي على أن أخطر ما تفرزه السياسات التقييدية الحالية يتمثل في إضعاف مبدأ “عدم الإعادة القسرية”، أحد أهم المبادئ الراسخة في القانون الدولي، والذي يحظر إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر التعذيب أو الاضطهاد أو المعاملة اللاإنسانية.

وحذر من استخدام اعتبارات “الأمن القومي” أو “الضغط على الحدود” مبررات جماعية لإغلاق أبواب الحماية الدولية، مؤكداً أن هذه الاعتبارات لا تعفي الدول من التزاماتها القانونية والإنسانية.

كما أوضح أن الدولة تتحمل مسؤولية مباشرة في ضمان الحق في تقديم طلب اللجوء، ودراسة الطلبات بصورة فردية وعادلة، وتوفير الحماية القانونية والإنسانية الأساسية لحين الفصل فيها، مشدداً على ضرورة رفض سياسات الاحتجاز التعسفي والترحيل الجماعي.

وأضاف أن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقل أهمية، إذ لا يمكن ترك دول الاستقبال أو العبور تواجه أزمات النزوح الكبرى بمفردها، بل يتطلب الأمر تقاسماً عادلاً للمسؤولية عبر التمويل، وبرامج إعادة التوطين، ودعم أنظمة اللجوء الوطنية.

تحولات تهدد حق اللجوء

من جانبه، قال الباحث الاستراتيجي والأمني علي فضل الله، في حديثه لـ“صفر”، إن النظام العالمي يشهد تحولات كبيرة تنعكس بصورة سلبية على حقوق الإنسان عموماً، وعلى حق اللجوء بشكل خاص.

وأوضح أن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، بدءاً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، مروراً باتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكول 1967، وصولاً إلى الاتفاق العالمي للهجرة واللجوء لعام 2018، وضعت أطراً قانونية واضحة لحماية اللاجئين والمهاجرين.

وأضاف أن إعادة المهاجر أو اللاجئ السياسي إلى بلده الأصلي تتعارض مع جوهر القانون الدولي، خاصة أن الاتفاقيات الدولية شددت على مبدأ “عدم الإعادة القسرية” باعتباره أحد أهم الضمانات القانونية للاجئين.

وأشار فضل الله إلى أن غالبية طالبي اللجوء يغادرون أوطانهم بسبب ظروف إنسانية قاسية أو ملاحقات أمنية وسياسية وعسكرية تهدد حياتهم، مؤكداً أن اللجوء في معظم الحالات ليس خياراً طوعياً بل ضرورة تفرضها المخاطر.

كما اعتبر أن تشديد السياسات في الدول المستقبلة، خصوصاً في دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، دفع كثيرين إلى سلوك طرق غير نظامية وخطرة نتيجة تضييق المسارات القانونية أمامهم.

ووصف هذا التوجه بأنه “تحول خطير” في طبيعة النظام الدولي المعاصر، إذ باتت الدول تعطي أولوية متزايدة للاعتبارات الأمنية وحماية الحدود على حساب الجوانب الإنسانية وحقوق الإنسان.

اللجوء حق وليس منحة

بدوره، أكد الحقوقي الدولي عبد المجيد مراري، في تصريح لـ“صفر”، أن التشريعات الأوروبية والأمريكية الأخيرة باتت تهدد حق اللجوء، رغم كونه حقاً مكفولاً بموجب القانون الدولي والاتفاقيات الخاصة بحماية اللاجئين.

وأوضح مراري أن اللاجئ لا يطلب “منحة”، بل يمارس حقاً إنسانياً أصيلاً، إلا أن القيود التي تفرضها بعض الدول أدت عملياً إلى تقويض هذا الحق.

وأضاف أن بعض الدول الأوروبية أصبحت تقصر اللجوء على حالات النزاعات المسلحة، في حين يجري التضييق على حالات الاضطهاد السياسي أو الخوف من الاعتقال والتعذيب.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة، خاصة خلال إدارة دونالد ترامب، شددت سياسات الهجرة واللجوء بصورة تخالف روح الاتفاقيات الدولية، ما جعل اللاجئ “مهدداً في كل مكان”.

كما لفت إلى أن الكثير من مراكز استقبال اللاجئين في اليونان تحولت عملياً إلى مراكز احتجاز تعاني من أوضاع قاسية، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة وثقت انتهاكات بحق لاجئين سوريين وأفارقة وليبيين داخل هذه المراكز.

وحذر مراري من أن تصاعد التيارات الشعبوية وتشدد السياسات الغربية تجاه الهجرة يهددان مستقبل اللجوء ومنظومة الحماية الدولية بشكل عام.

منظومة مهددة بالتآكل

تحذر منظمات حقوقية دولية من أن استمرار السياسات القائمة على الردع والاحتجاز والإبعاد الخارجي لطالبي اللجوء قد يؤدي إلى تقويض منظومة الحماية الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية.

وترى هذه المنظمات أن تحويل قضية اللجوء إلى ملف أمني بحت وإغلاق المسارات القانونية والآمنة لا يحدان من الهجرة غير النظامية، بل يدفعان مزيداً من الأشخاص إلى الاعتماد على شبكات التهريب وخوض طرق أكثر خطورة.

وفي ظل تصاعد النزاعات والأزمات الإنسانية حول العالم، يؤكد خبراء وحقوقيون أن حماية طالبي اللجوء لم تعد مجرد التزام قانوني أو إنساني، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على الحفاظ على مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان