جددت الجمعية العامة للأمم المتحدة الثقة في مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، بعدما صوتت بأغلبية كبيرة لمصلحة تمديد ولايته أربع سنوات إضافية، في خطوة عكست تمسك غالبية الدول الأعضاء باستمرار قيادة المفوضية، رغم الاعتراضات الصريحة التي أبدتها الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل.
تصويت بالتأييد
وكشف التصويت عن انقسام سياسي متزايد داخل المنظمة الدولية بشأن دور آليات حقوق الإنسان واستقلاليتها في التعامل مع ملفات النزاعات والانتهاكات حول العالم.
وأفادت وكالة رويترز بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرت مقترح الأمين العام أنطونيو غوتيريش بإعادة تعيين تورك لولاية ثانية، بعد تصويت أيده 144 بلداً، مقابل معارضة 10 دول، في حين امتنعت 13 دولة عن التصويت، وجاء القرار بعد أيام من سجال دبلوماسي مكثف ومحاولات لتأجيل التصويت، إلا أن غالبية الدول الأعضاء فضلت حسم الملف قبل انتهاء الولاية الحالية لتورك في أكتوبر المقبل.
و دعمت دول الاتحاد الأوروبي التمديد الكامل لولاية تورك، كما أيدت دول إفريقية وعدد كبير من دول أمريكا اللاتينية القرار، في حين انضمت الصين إلى قائمة الدول المؤيدة، في مؤشر على اتساع قاعدة الدعم التي حصل عليها المفوض السامي رغم الانقسام السياسي الحاد.
وأظهر التصويت حجم التأييد الذي يحظى به المفوض السامي داخل الأمم المتحدة، رغم الانتقادات التي واجهها خلال السنوات الماضية بسبب مواقفه الحادة من عدد من الملفات الدولية، حيث انتقد تورك الحرب الروسية في أوكرانيا، كما وجه انتقادات متكررة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، ودعا إلى إجراء تحقيقات في وفيات مهاجرين خلال احتجازهم لدى السلطات الأمريكية، وهي مواقف دفعت موسكو وتل أبيب وواشنطن إلى معارضة تجديد ولايته.
دول معارضة
وأكدت الولايات المتحدة رفضها لإجراءات إعادة التعيين، بعدما طالبت بتأجيل التصويت عدة أيام لإجراء مزيد من المشاورات بين الدول الأعضاء، وحذر جيف بارتوس، الممثل الأمريكي لشؤون إدارة وإصلاح الأمم المتحدة، من أن إقرار التمديد يعزز الانتقادات التي تتهم المنظمة الدولية بوجود اختلالات مؤسسية وإجرائية، معلناً أن واشنطن ستعيد تقييم مستوى مشاركتها وانخراطها وتمويلها للأمم المتحدة عقب القرار.
كما واصلت الإدارة الأمريكية انتقادها لآلية إعادة التعيين، إذ اعتبر متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن التعجيل بالتصويت حرم الدول الأعضاء من نقاش ورقابة كافيين، ووصف الخطوة بأنها مثال جديد على ما اعتبره فساداً وعدم كفاءة داخل المنظمة الدولية.
وعبرت روسيا عن رفضها القاطع للقرار، إذ اتهم نائب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة دميتري تشوماكوف المفوض السامي بالتحيز وتوجيه اتهامات لا تستند إلى أسس بحق موسكو، معتبراً أن الأمين العام أنطونيو غوتيريش قدم للجمعية العامة قضية خلافية جديدة بدلاً من طرح ملف يوحد الدول الأعضاء.
وسارت إسرائيل في الاتجاه ذاته، إذ وصفت وزارة خارجيتها قرار الإبقاء على تورك بأنه فشل أخلاقي، ورأت أن اختيار المفوض السامي المقبل كان ينبغي أن يترك للأمين العام الجديد الذي سيخلف غوتيريش بعد انتهاء ولايته.
وأشاد لويس شاربونو، مدير شؤون الأمم المتحدة في منظمة هيومن رايتس ووتش، بنتيجة التصويت، معتبراً أن العالم يحتاج إلى مفوض سامٍ يتمتع بالاستقلالية والشجاعة لمواجهة الضغوط التي تمارسها القوى الكبرى على مؤسسات الأمم المتحدة المعنية بحماية حقوق الإنسان، محذراً من أن تقليص التمويل أو إضعاف تلك المؤسسات سيؤثر في قدرتها على رصد الانتهاكات والدفاع عن الضحايا.
محطة تاريخية في مسيرة تورك
ويمثل القرار محطة تاريخية في مسيرة فولكر تورك، إذ أصبح أول مفوض سامٍ لحقوق الإنسان يتولى المنصب لولايتين كاملتين مدة كل منهما أربع سنوات. ويملك تورك خبرة طويلة داخل الأمم المتحدة، حيث عمل لعقود في مواقع قيادية بمقر المنظمة في جنيف، كما تولى مهام ميدانية في عدد من المناطق، منها كوسوفو، قبل أن يتولى قيادة المفوضية السامية لحقوق الإنسان.
وقد أنشأت الأمم المتحدة منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان عام 1993 بهدف تعزيز حماية حقوق الإنسان ومراقبة أوضاعها في مختلف دول العالم، ويعد المفوض أعلى مسؤول أممي معني بهذا الملف. ويتولى المنصب إصدار التقارير، وتوثيق الانتهاكات، وتقديم التوصيات للدول، إضافة إلى دعم التحقيقات الدولية والتعاون مع مجلس حقوق الإنسان والآليات الأممية المختلفة.
وخلال السنوات الأخيرة، ازداد الجدل حول دور المفوضية بسبب مواقفها من النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، في وقت تواجه فيه ضغوطاً سياسية وتمويلية متزايدة من بعض الدول الكبرى، في حين تؤكد منظمات حقوق الإنسان أن استقلالية المفوضية تمثل عنصراً أساسياً لضمان مساءلة مرتكبي الانتهاكات والدفاع عن حقوق الضحايا في مختلف أنحاء العالم.
