تحولت الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي إلى واحدة من أكثر مناطق العبور خطورة في العالم، حيث تتقاطع سياسات الهجرة مع أحد أكثر الحقوق الأساسية حساسية، وهو الحق في الحياة، وبينما تواصل الدول تعزيز إجراءاتها الأمنية للحد من الهجرة غير النظامية، تكشف الوقائع المتكررة أن تشديد الرقابة لا ينهي محاولات العبور، بل قد يدفع المهاجرين إلى طرق أكثر خطورة، بما يضاعف احتمالات الوفاة والإصابة.
وأعادت مأساة سبتة على الحدود المغربية الإسبانية هذا الجدل إلى الواجهة، بعدما ارتفعت حصيلة الضحايا إلى 67 مهاجرا خلال محاولات العبور الجماعي، في واحدة من أكثر الحوادث دموية على الحدود الجنوبية لأوروبا، ما أعاد طرح تساؤلات حول مدى قدرة سياسات إدارة الحدود على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والالتزامات التي يفرضها القانون الدولي لحماية الأرواح.
أرقام تعكس اتساع المخاطر
لا تمثل أحداث سبتة حالة منفصلة، إذ تؤكد بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن طريق غرب البحر المتوسط لا يزال من أخطر مسارات الهجرة نحو أوروبا، مع استمرار تسجيل وفيات ومفقودين كل عام أثناء محاولات العبور.
وفي الأزمة الأخيرة، شهدت المدينة تدفق نحو 60 ألف مهاجر خلال أقل من 24 ساعة، ما فرض ضغطا غير مسبوق على مرافق الاستقبال والخدمات في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها 84 ألف نسمة، بالتزامن مع تعزيزات أمنية وإجراءات طارئة لاحتواء الأزمة.
وتمثل سبتة، إلى جانب مليلية، الحدود البرية الوحيدة بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية، ما يجعلها إحدى أكثر نقاط العبور حساسية بالنسبة للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا، كما أن تشديد الإجراءات الأمنية في مسارات أخرى دفع كثيرين إلى اعتبارها أحد الخيارات المتبقية، رغم ارتفاع المخاطر المرتبطة بمحاولات العبور الجماعي
ويرى مختصون أن استمرار غياب مسارات قانونية وآمنة للهجرة واللجوء يسهم في زيادة الاعتماد على شبكات تهريب البشر، ويجعل كثيرا من المهاجرين أمام خيارات شديدة الخطورة قد تنتهي بفقدان حياتهم.
حماية الحياة التزام قانوني
يؤكد المحامي والحقوقي، مهند أبو طربوش، أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يكفل الحق في الحياة لجميع الأشخاص دون تمييز، ومنهم المهاجرون وطالبو اللجوء، وهو ما يفرض على الدول اتخاذ تدابير فعالة لحمايتهم أثناء محاولات العبور.
ويوضح أبو طربوش، في حديثه لـ”صفر”، أن هذه الالتزامات تشمل تعزيز عمليات البحث والإنقاذ، والاستجابة السريعة لحالات الطوارئ، وضمان ألا تتحول إجراءات ضبط الحدود إلى عوامل تزيد من احتمالات الوفاة أو الإصابة، مؤكدا أن حماية الأرواح لا تتعارض مع حق الدول في إدارة حدودها، بل تمثل جزءا من التزاماتها القانونية.
ويضيف أن للدول الحق في حماية أمنها، لكن هذا الحق يجب أن يمارس بما ينسجم مع القانون الدولي، مشيرا إلى أن السياسات التي تدفع المهاجرين نحو طرق أكثر خطورة تستوجب مراجعة مستمرة لضمان تحقيق التوازن بين الاعتبارات الأمنية والواجبات الإنسانية.
ويرى أبو طربوش أن توسيع قنوات الهجرة النظامية، وتعزيز التعاون الدولي لمكافحة شبكات تهريب البشر، ورفع كفاءة البحث والإنقاذ، تمثل أدوات أكثر فاعلية في الحد من تكرار المآسي على الحدود.
معيار نجاح سياسات الهجرة
تكشف مأساة سبتة أن فعالية سياسات الهجرة لا تُقاس فقط بقدرتها على ضبط الحدود أو الحد من العبور غير النظامي، وإنما أيضا بقدرتها على صون الحق في الحياة أثناء إدارة تلك الحدود، فحين يصبح الوصول إلى الحماية الدولية محفوفا بمخاطر الموت، تتحول الهجرة من قضية أمنية إلى اختبار حقيقي لمدى التزام الدول بمبادئ حقوق الإنسان.
ومن هنا، يبقى احترام الكرامة الإنسانية وحماية الأرواح الأساس الذي ينبغي أن تستند إليه أي سياسة للهجرة، لأن أمن الحدود لا يكتمل إلا عندما يقترن بحماية الإنسان.

