كان يملك “توكتوك” ويكسب رزقه من نقل المؤن للناس في غزة، اليوم يمشي الشاب الفلسطيني العشريني بين الركام باحثاً عن أي عمل بعدما دمر القصف وسيلة رزقه، ويقول لفضائية “الجزيرة”: “كنت أشتغل سواق توكتوك.. التوكتوك انضرب بالقصف، ومن أول الحرب لحد اليوم ما عاد معي حتى 10 شيكل حتى آكل وأشرب منهم”.
ليست قصته مجرد حكاية عن وظيفة ضاعت. ففي غزة، حيث دمرت الحرب منشآت وأوقفت أعمالا ودفعت الاقتصاد إلى انهيار غير مسبوق، فقد آلاف الفلسطينيين الوسيلة التي كانوا يعيلون بها أسرهم. وهكذا تحولت البطالة من مؤشر اقتصادي إلى معركة يومية على الطعام والعلاج والسكن، وأصبح الحق في العمل جزءا من سؤال أكبر: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش بكرامة حين تُدمر قدرته على كسب رزقه؟
85 % بلا عمل
تكشف بيانات منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حجم الانهيار؛ ففي الربع الثالث من عام 2025 بلغ معدل البطالة في غزة 85.1%، مقارنة بنحو 12.9% في الفترة نفسها من عام 2023 قبل الحرب، ووصل إلى 92% بين النساء مقابل 81% بين الرجال.

ولم تتوقف الخسارة عند الوظائف؛ فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في القطاع بنحو 89% مقارنة بالربع الثالث من عام 2023، بينما هبط متوسط الأجر اليومي الحقيقي من نحو 16 دولارا قبل الحرب إلى 2.1 دولار، ليفقد قرابة 87% من قيمته.
وفي بيت آخر، تختصر أم فلسطينية ما تعنيه هذه الأرقام حين تقول: «بنتي تصحى بالليل وتقولي بدي أكل، وأنا ما معي إشي أطعمها.. بكسر الخبز وبحطه في المي، وبقول لها بكرة الصبح بناكل».
فالعمل هنا لا يتعلق بالوظيفة وحدها؛ حين يدمر مكان العمل وتتوقف المنشأة وتنقطع الكهرباء والإمدادات ووسائل النقل، يفقد الإنسان الوسيلة التي تتيح له شراء الغذاء والدواء وتأمين السكن.

ويُقر العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالحق في العمل، بما يشمله من فرصة الإنسان في كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله، وهو ما يجعل انهيار سوق العمل في غزة قضية حقوقية تمس القدرة على العيش باستقلال وكرامة.
اقتصاد فقد القدرة على العمل
يقول الكاتب الفلسطيني المهتم بالشأن الحقوقي هاني أبو عكر لـ«صفر» إن الحرب لم تدمر البنية العمرانية وحدها، بل أصابت القاعدة الاقتصادية التي تقوم عليها حياة الأسر، مع تدمير أماكن العمل وتعطل الطرق والنقل ونقص الكهرباء والإمدادات.
ويضيف: «في عام 2026 نحن أمام بطالة شبه كاملة ودمار شامل وتوقف شبه كلي للنشاط الاقتصادي»، معتبراً أن المساعدات، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تصبح بديلاً عن قدرة الفلسطيني على العمل وإعالة أسرته.
ويقدر أحدث تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي و إعادة الإعمار بنحو 71.5 مليار دولار، فيما تشير التقديرات إلى أن سوق العمل في القطاع أصبح غير فاعل إلى حد كبير.
لكن أبو عكر يرى أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على المباني، بل يجب أن تشمل إعادة تشغيل المنشآت ودعم القطاع الخاص وتعويض الخسائر وخلق فرص العمل وإشراك الفلسطينيين في تحديد أولويات التعافي.
ويقول: «العدالة الاقتصادية بعد الحرب لا تُقاس بعدد شاحنات المساعدات التي تدخل غزة، وإنما بقدرة الفلسطيني على العودة إلى العمل والإنتاج وإعالة أسرته بكرامة».
وهنا تكمن إحدى معضلات اليوم التالي: يمكن إعادة بناء المنزل، لكن الأسرة ستبقى معتمدة على المساعدة إذا لم تعد معها الورشة والمتجر والمزرعة والطريق والكهرباء والسوق التي تسمح لأفرادها بكسب رزقهم.

من البطالة إلى أزمة حماية
من جانبها، تقول وزيرة التنمية الاجتماعية الفلسطينية سماح حمد لـ«صفر» إن الانهيار الاقتصادي تحول إلى «أزمة حماية اجتماعية شاملة»، تمس قدرة الأسر على الحصول على الغذاء والسكن والدواء والتعليم، مع فقدان مصادر الدخل وتآكل القدرة الشرائية.
وتشير حمد إلى تقديرات تفيد بتضرر أو تدمير نحو 92% من المنشآت الاقتصادية، فيما تظهر بيانات عام 2025 مستويات شديدة الارتفاع للبطالة، وصلت في الربع الثالث إلى 85.1%.
وترى الوزيرة أن وجود السلع في الأسواق لا يعني قدرة الأسر على شرائها، ولذلك لا يمكن أن تقوم الاستجابة على المساعدات العينية وحدها، بل تحتاج إلى دعم نقدي منتظم وحماية اجتماعية واستعادة مصادر الدخل وتوسيع برامج التمكين الاقتصادي.
وتؤكد أن الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر التي فقدت مصادر رزقها يجب أن يكونوا في قلب خطط التعافي، داعية إلى تمويل مستدام للخدمات الاجتماعية والمشروعات الصغيرة وسبل العيش، بدلا من الاكتفاء بتمويل الاستجابة الطارئة.
المساعدة تُبقي الإنسان حياً.. والعمل يعيد استقلاله
تكشف أزمة غزة الفارق بين الإغاثة والتعافي؛ فالمساعدة قد تمنح الأسرة طعام يومها، لكنها لا تعيد للعامل متجره أو ورشته أو أرضه أو مركبته، ولا تمنحه دخلا يستطيع من خلاله أن يقرر كيف ينفق على أسرته.
كما أن استعادة الحق في العمل لا تتوقف على العامل نفسه، بل تحتاج إلى طرق وكهرباء وأسواق ومنشآت وتمويل، وإلى حركة للأشخاص والبضائع والمواد اللازمة لإعادة تشغيل الاقتصاد.
ولهذا لا يمكن قياس التعافي بعدد المباني التي يعاد تشييدها وحده، بل بعدد الأشخاص الذين يستطيعون العودة إلى العمل والإنتاج والاستغناء تدريجيا عن الاعتماد الكامل على المساعدات.
وتقول سماح حمد إن «غزة لا تحتاج فقط إلى أن تبقى على قيد الحياة، وإنما إلى أن تستعيد قدرتها على الحياة».
والشاب الذي كان قبل الحرب يعمل على «توكتوك» وينقل المؤن، ثم أصبح يبحث بين الركام عن عشرة شواكل ليشتري طعامه، يجسد المسافة بين الأمرين، فإعمار غزة لا يكتمل بإعادة الحجر إلى مكانه، بل بإعادة الإنسان إلى عمله وقدرته على إعالة أسرته. وما دام البقاء مرهوناً بالمساعدة، والرزق مدفوناً تحت الركام، فإن التعافي لم يبدأ بعد.
