منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“يُعاملون بوصفهم مشتبهاً بهم”.. فلسطينيو بريطانيا يواجهون تضييقاً متصاعداً على حرية التعبير

16 مايو 2026

كشفت شهادات فلسطينيين بريطانيين عن شعور متزايد بالخوف والعجز عن التعبير العلني عن آرائهم بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة، وسط ما يصفه ناشطون بمناخ متنامٍ من العداء تجاه الهوية الفلسطينية والنشاط المؤيد لفلسطين داخل المملكة المتحدة، بالتزامن مع تصاعد القيود الأمنية والشرطية المحيطة بالاحتجاجات الجماهيرية في لندن.

وتحدثت مديرة اللجنة الفلسطينية البريطانية، سارة حسيني، قبل مسيرة “النكبة” التي شهدتها العاصمة البريطانية لندن، عن حالة من “التضليل الإعلامي” والصمت القسري التي يعيشها كثير من الفلسطينيين البريطانيين، في وقت يتابعون فيه مقتل وتجويع وتعذيب عائلاتهم وأصدقائهم في غزة، وفق ما أوردته صحيفة “الغارديان”.

قالت حسيني، إن فلسطينيين كثيرين يشعرون بأنهم يعاملون “بوصفهم مشتبهاً بهم لا ضحايا لمعاناة جماعية”، مضيفة أن البعض أصبح يخشى ارتداء الكوفية أو الرموز الفلسطينية في أماكن العمل والأماكن العامة.

وأشارت إلى وجود “تقارير موثقة” عن إسكات فلسطينيين ومتضامنين معهم أو معاقبتهم بسبب ارتداء الرموز الفلسطينية أو دبابيس البطيخ أو التحدث عن “الإبادة الجماعية”.

وأضافت أن “العديد من الزملاء في مختلف القطاعات يشعرون بالتضليل الإعلامي في حين يقتل أصدقاؤهم وعائلاتهم في وطنهم”، واصفة ما يحدث بأنه حالة قاسية يعيشها الفلسطينيون، خاصة القادمين من غزة أو الذين لديهم أقارب داخل القطاع.

واستعادت حسيني الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة التي شهدت تهجير ما لا يقل عن 700 ألف فلسطيني خلال قيام إسرائيل عام 1948، مؤكدة أن كثيرين يشعرون بأن حزنهم جرى “تسييسه”، وأنهم لا ينظر إليهم بوصفهم ضحايا، بل أشخاص يثيرون الشبهة.

رعب وخوف يومي

وقالت مديرة اللجنة الفلسطينية البريطانية: “لن نكتفي بتجاهل ما يحدث لكم، بل سنشكك فيكم، ونستجوبكم، ونمنعكم من الحديث عنه، وإذا تكلمتم، فسنصوركم على أنكم أنتم المشكلة”.

وصفت حسيني العامين ونصف العام بـ”الرعب والخوف اليومي“، معتبرة أن هذه الفترة تمثل “أحلك فصول التاريخ الفلسطيني منذ عام 1948”.

وأشادت في المقابل، بالتضامن الشعبي البريطاني الواسع مع الفلسطينيين، قائلة إن المسيرات الجماهيرية المؤيدة لفلسطين تحولت إلى مصدر دعم نفسي لكثير من الفلسطينيين المقيمين في بريطانيا.

وأضافت أن “مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين، من أصحاب الضمائر الحية” شاركوا في التظاهرات، ووقعوا العرائض، وكتبوا إلى أعضاء البرلمان احتجاجاً على ما وصفته بـ”تواطؤ الحكومة البريطانية في جرائم الحرب الإسرائيلية”.

وأفادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” بمقتل 111 فلسطينياً، بينهم 18 طفلًا وسبع نساء، على يد القوات الإسرائيلية في غزة خلال شهر أبريل فقط، ليرتفع إجمالي عدد القتلى الفلسطينيين منذ بدء الحرب إلى 72 ألفاً و619 قتيلاً.

وأوضحت الوكالة الأممية أن خيام الإيواء الطارئة للنازحين أصبحت موبوءة بالقوارض الناقلة للأمراض، ما تسبب في زيادة حالات العدوى الجلدية داخل القطاع.

دعم غذائي متخصص

أكدت حسيني أن نحو 700 فلسطيني تمكنوا من الفرار من غزة إلى المملكة المتحدة، مضيفة أن بعض الوافدين احتاجوا إلى دعم غذائي متخصص بسبب معاناتهم من الجوع الشديد وعدم قدرتهم على تناول الطعام بشكل طبيعي عند وصولهم.

وحذرت من الأثر النفسي الممتد للحرب، قائلة إن “الصدمة النفسية ستنتقل عبر الأجيال”، رافضة وصف الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين بأنها “مسيرات كراهية”، مؤكدة أنها “احتجاجات ضد الحرب والإبادة الجماعية”.

وأضافت أنها شاركت في المظاهرات برفقة طفليها، مشيرة إلى أن المتظاهرين يسيرون “جنباً إلى جنب مع أناس من جميع الأديان والطوائف”، ومنهم 13 تجمعاً يهودياً منظماً؛ احتجاجاً على “قتل الأطفال وتجويع البشر قسراً”.

واتهمت جهات سياسية وإعلامية بالسعي إلى “تحريف” صورة الاحتجاجات الجماهيرية عبر وصفها بمسيرات كراهية، معتبرة أن الهدف من ذلك “التقليل من شأن مئات الآلاف من الأشخاص الذين يخرجون إلى الشوارع”.

رقابة وملاحقات

تزامنت هذه الشهادات مع استعدادات أمنية واسعة النطاق أعلنتها شرطة لندن قبيل عطلة نهاية أسبوع وصفتها بأنها من “الأكثر ازدحاماً” في السنوات الأخيرة، مع تنظيم مسيرتين كبيرتين، إحداهما مؤيدة للفلسطينيين لإحياء ذكرى النكبة، والثانية بعنوان “توحيد المملكة” يقودها الناشط المناهض للإسلام ستيفن ياكسلي لينون المعروف باسم “تومي روبنسون”، وفق ما أوردته وكالة رويترز.

وأعلنت شرطة العاصمة البريطانية نشر نحو 4000 ضابط شرطة مدعومين بمروحيات ووحدات كلاب بوليسية ومركبات مسلحة احتياطية، في عملية قالت إنها “غير مسبوقة” لمنع “العنف والفوضى”.

وقال نائب مساعد مفوض الشرطة، جيمس هارمان، إن السلطات ستستخدم “أقصى قدر ممكن من صلاحياتها” خلال المظاهرات، في ظل التوترات العالمية والهجمات المعادية للسامية ورفع مستوى التهديد الإرهابي في بريطانيا.

وأكد هارمان أن الشرطة ستطبق سياسة “عدم التسامح مطلقاً” تجاه خطاب الكراهية، موضحاً أن المنظمين والمتحدثين في الاحتجاجات سيتحملون المسؤولية عن أي خطاب غير قانوني.

وأضاف أن الشرطة فرضت للمرة الأولى شروطاً تتعلق بالمتحدثين في الاحتجاجات، بهدف منع استخدام الفعاليات “منصة للترويج للتطرف غير القانوني وخطاب الكراهية”.

وأشار إلى أن الشرطة ستستخدم تقنية التعرف على الوجوه في منطقة كامدن لمراقبة المشاركين في فعالية “توحيد المملكة”، لمقارنة وجوه الموجودين بقائمة مراقبة أمنية محددة.

صلاحيات تفريق التجمعات

وأوضح أن السلطات ستلجأ أيضاً إلى صلاحيات تفريق التجمعات، والتفتيش المعزز، وإزالة أغطية الوجه، إلى جانب استخدام الطائرات المسيرة والخيول والفرق المتخصصة، في ظل ما وصفه بـ”استمرار حالة عدم الاستقرار والتوتر العالميين”.

وربطت الشرطة البريطانية بين بعض الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين وتصاعد معاداة السامية، مشيرة إلى ملاحقات قضائية بحق أشخاص متهمين برفع شعارات أو لافتات تحرض على الكراهية.

وقال هارمان، إن العديد من اليهود في لندن يشعرون “بالترهيب والخوف” من هذه الاحتجاجات، مضيفاً أن الشرطة سجلت اعتقالات مرتبطة بالتحريض على الكراهية العنصرية ودعم منظمات إرهابية.

وتحدث كذلك عن مخاوف داخل المجتمعات المسلمة والأقليات العرقية الأخرى، موضحاً أن كثيرين يتجنبون وسط لندن ومحطات النقل خشية الالتقاء بمؤيدي حركة “توحيد المملكة”.

وأكد أن بعض احتجاجات “توحيد المملكة” السابقة شهدت هتافات معادية للمسلمين وأعمال عنف واعتداءات على ضباط الشرطة.

وانتقدت سارة حسيني ما وصفته بمحاولات تصوير القضية الفلسطينية باعتبارها “صراعاً بين المسلمين واليهود”، معتبرة أن هذا الخطاب يسهم في “تأجيج التوترات الطائفية”.

وقالت إن تصوير الهوية الفلسطينية على أنها “مثيرة للريبة أو متطرفة” يمثل جزءاً من “محاولة أوسع لمحو الفلسطينيين وتهميشهم”، مضيفة أن “نزع الإنسانية عن الفلسطينيين شرط أساسي للإبادة الجماعية”.

وربطت مديرة اللجنة الفلسطينية البريطانية في ختام حديثها، بين نضال الفلسطينيين وتجربة مناهضة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، مؤكدة أن “الحرية حتمية في نهاية المطاف”.