منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط حالة الهلع بشأن انخفاض معدلات المواليد.. رأي الأمهات الجدد

28 يوليو 2026
تُواجِه الأمهات اللواتي لديهن أطفال صغار توقُّعاتٍ بأن "يقمن بكل شيء": العمل، وإدارة شؤون المنزل، وتربية الأطفال
تُواجِه الأمهات اللواتي لديهن أطفال صغار توقُّعاتٍ بأن "يقمن بكل شيء": العمل، وإدارة شؤون المنزل، وتربية الأطفال

لوسي جونز*
يكشف بحث جديد مخاوف عميقة، حيث طُرحت فكرة منح الميداليات والمكافآت النقدية بوصفها حوافز، لكن الأولوية تكمن في وضع سياسات تعالج مخاوف النساء الحقيقية.

يبدو أن كل أسبوع يحمل معه خبراً جديداً عن انخفاض معدلات المواليد عالمياً، وقد انتاب القلق عدداً من القادة السياسيين لفترة، بالطبع، حيث يحثون المواطنين على الإنجاب بأسلوب جذاب، فمن ذا الذي يستطيع مقاومته؟ يقول جيه دي فانس: “أريد المزيد من الأطفال”؛ ويقول جاكوب ريس-موغ: “نحن بحاجة إلى المزيد من الأطفال”.

وفي فرنسا هذا العام، حثت حملة بريدية حكومية مباشرة الشباب في سن التاسعة والعشرين على إنجاب طفل قبل فوات الأوان.

ينشغل الناس بالتفكير ملياً في أسباب هذه الظاهرة، يُوصف هذا التوجه بأنه كارثة حضارية، حيث يسعى القادة جاهدين لتقديم الحوافز والسياسات استجابةً له، بدءاً من منح الأوسمة (في روسيا) ومكافأة ولادة قدرها 1000 يورو (في إيطاليا) وصولاً إلى توسيع نطاق الوصول إلى التلقيح الصناعي (في الولايات المتحدة، حيث يتباهى دونالد ترامب -وإذا كنت تتناول الطعام، فقد ترغب في تخطي بقية هذه الجملة- بأنه سيُعرف باسم “رئيس التخصيب”).

نسمع نظريات تتزايد باستمرار، من تكاليف السكن، ووسائل منع الحمل، وتعليم المرأة، وإدمان الهواتف الذكية، إلى انخفاض معدلات العلاقات العابرة، ومشاكل مقاعد السيارات، والاحتباس الحراري، والتوسع الحضري.. لكن هناك شيئاً مفقوداً في هذه النقاشات.
إليكم الدليل.. يبدأ بحرف الميم ويتكون من سبعة أحرف.
في خضم كل هذا الذعر بشأن انخفاض معدلات المواليد، تغيب بشكل غريب تجارب الأشخاص الذين يقومون بالإنجاب فعلياً والذين يرعون الأطفال الرضع، وغالباً ما يكونون أمهات، ونسمع عن الأثر المدمر لانخفاض معدلات المواليد، ولكننا نسمع القليل نسبياً عن الصعوبات التي تواجهها الأمهات، مثل التمييز ضد الأمومة ومشكلات الصحة النفسية.. يبدو أن هناك خللاً في طريقة تنظيمنا للمجتمع يجعل الأمهات الجدد ومقدمات الرعاية غير مرئيات.

لحسن الحظ، صدر تقرير جديد مهم من مركز الأبحاث “ثيوس” الذي كتبتُ مقدمته يهدف إلى تسليط الضوء على تجربة الأمومة. إنه تقرير ثري، شيق، وعميق، يتناول مواضيع مثل الوفيات والضرائب، والنوم والديون، والجسد والسياسة، ورغم أن تجربة الأمومة فردية، فإن هناك مواضيع متكررة تستدعي انتباه المجتمع.

من أبرز النتائج أن العديد من الأمهات يشعرن بـ”عدم التقدير”، فما معنى تنظيم المجتمع بطريقة تجعل من يربين أطفالاً جدداً يشعرن بهذا الشعور؟ لا شك أن هذا ليس جيداً، لكن ربما يكون ملائماً، فبينما رأى معظم المشاركين في الدراسة أن رعاية الأطفال لا تقل أهمية عن العمل بأجر، فإن الحد الأقصى لأجر الأمومة الحكومي في المملكة المتحدة -من ستة أسابيع إلى 39 أسبوعاً بعد الولادة- هو 6412.56 جنيهاً إسترلينياً، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور، ليس من المستغرب إذن أن تشعر الأمهات بالتقليل من شأنهن في مجتمع تُقاس فيه القيمة بالربح.

كيف هي تجربة الأمومة اليوم؟ فبينما وجدت الكثيرات رعاية الأطفال مُجزية وممتعة، تشير الدراسة أيضاً إلى بيانات تُظهر أن 48% منهن وجدنها مُرهقة، و40% وجدنها مُثقلة.
ربما يرتبط هذا بتوقع أن تقوم الأمهات اللواتي لديهن أطفال صغار بكل شيء: العمل، وإدارة شؤون المنزل، وتربية الأطفال.
كما شعرت العديد من الأمهات بأنهن “غير مرئيات” بعد ولادة أطفالهن.. قالت إحداهن: “تتوقفين عن الوجود وتصبحين مجرد أم”.

وتحدثت أخرى عن تنازل الناس عن مقاعدهم في مترو الأنفاق عندما كانت ترتدي بطاقة تعريفية خلال فترة حملها، لكنها أضافت: “من النادر جداً أن يُفسح لكِ الناس مقعداً بعد إنجاب طفل وعربة أطفال، وهذا مُضحك؛ لأنني أشعر، خاصة بعد ولادتي القيصرية، أنني ربما كنتُ في أمسّ الحاجة إلى ذلك”.
يُمكن تدارك هذا الإغفال بسهولة من خلال توفير مقاعد ذات أولوية في وسائل النقل العام للآباء المسافرين مع أطفال رُضّع وصغار، أو حتى -كما هو الحال في العديد من الدول الأوروبية- تخصيص مناطق محددة في القطارات لعربات الأطفال والعائلات.

كيف كانت تجربة الولادة وما بعدها بالنسبة للنساء المشاركات في الدراسة؟ وصفتها الكثيرات بأنها فترة “إرهاق شديد، وحرمان من النوم، وقلق”، حيث وجدت بعضهن أن زيارات ما بعد الولادة سريعة و”مُجردة”، متجاهلة الأم، وهو ما ينطبق أيضاً على الفحص الروتيني بعد ستة أسابيع.
تباينت تجارب الرعاية الصحية للأمهات أثناء الولادة ودعم ما بعد الولادة: إذ تحدثت إحدى النساء عن “معاملتها بوصفها قطعة لحم”.
وخلصت الدراسة إلى أن المشاركات كنّ متوترات أو خائفات من مشاركة مشاعر الإرهاق بعد الولادة، بسبب الوصمة الاجتماعية المرتبطة بمعاناة الأمومة في بدايتها، من الواضح أن التركيز على الأمراض النفسية في فترة ما حول الولادة مهم، ولكنه ليس الصورة الكاملة.. إذ إن فهماً أفضل لأبعاد مرحلة الأمومة الطبيعية من شأنه أن يُساعد. وتشمل توصيات التقرير أيضاً تعزيز الفحص الذي يُجرى بعد ستة أسابيع وتحسين الرعاية المقدمة للأمهات الجدد خلال فترة إقامتهن الأولى في المستشفى.
عندما رُزقنا بطفلنا الأول، لم أكن قد فكرتُ ملياً في “الأمومة”، تخيلتُ أن جسدي -لأنني حملتُ طفلنا، مع أن هذا ليس حال جميع الأمهات- سيكون صندوقاً أو أصيص زهور، وأنني سأعود بعد الولادة إلى ما كنت عليه تقريباً، لكن سرعان ما أدركتُ أن التجربة البيولوجية والاجتماعية والسياسية والنفسية للأمومة أكثر تعقيداً وعمقاً مما كنتُ أعتقد، بدءاً من رسائل الرعاية قبل الولادة وصولاً إلى الفلسفة والسياسة والثقافة التي استوعبتها طوال حياتي.

هناك مشكلتان متداخلتان؛ أولاً، هناك نقص في تقدير عمق تجارب الحمل والولادة والأمومة، ثانياً، هناك نقص في الدعم الاجتماعي خلال فترة ما حول الولادة، وكلاهما ضروري لتحسين تجربة الآباء والأمهات.

على نطاق أوسع، نحتاج إلى فهم كيف ولماذا تشعر الأمهات الجدد بهذه الطريقة، وماذا يكشف ذلك عن منظومة قيمنا الحالية، وكيف يمكننا تطوير ثقافة ومجتمع قادرين على تقدير الولادة والرعاية، للجميع.. لا حاجة لأي ميداليات.

*صحفية ومؤلفة كتابي “حضور الأم”

الغارديان