منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

نساء يخترن عدم الإنجاب.. حين يصبح القرار الشخصي موضع وصاية اجتماعية

27 أكتوبر 2026
نساء يخترن عدم الإنجاب.. حين يصبح القرار الشخصي موضع وصاية اجتماعية
نساء يخترن عدم الإنجاب.. حين يصبح القرار الشخصي موضع وصاية اجتماعية

“هتندمي لما تكبري”.. عبارة تسمعها نسمة -وهي مصرية اختارت عدم الإنجاب- كلما حاولت شرح قرارها؛ فتتبعها أسئلة عن الشيخوخة والوحدة واتهامات بالأنانية، حتى أصبح الصمت، كما تروي لـ”صفر”، أهون من الدفاع المستمر عن حياتها الخاصة.

نسمة، وهو اسم مستعار لحماية خصوصيتها، متزوجة من رجل لديه أطفال من زواج سابق. وتقول إن قرارها ارتبط بمخاوف بشأن مسؤولية التربية والظروف الاقتصادية والاجتماعية، وخلال تجربة حمل سابقة واجهت قراراً صعباً بشأن استمراره، فيما زادت فترات انقطاعها عن العمل ومرورها بالاكتئاب من وطأة الأحكام الاجتماعية عليها.

تجربتها تفتح قضية تتجاوز الرغبة في الأمومة إلى حق المرأة في اتخاذ قراراتها الإنجابية دون إكراه أو وصم، في مجتمعات لا تزال تربط قيمة المرأة بقدرتها على الإنجاب.

اختيار لا يعني رفض الأسرة

تشير “اللاإنجابية الطوعية” إلى اختيار عدم إنجاب الأطفال بإرادة شخصية، خلافاً لعدم الإنجاب بسبب العقم أو العوائق الصحية، ولا تعني بالضرورة رفض الزواج أو الأطفال، بل قد ترتبط بالأولويات الشخصية أو الاستعداد النفسي أو الظروف المعيشية.

وتظهر الفجوة بين الاختيار الفردي والتوقعات الاجتماعية حين تتحول الأسئلة العائلية إلى ضغوط متكررة، أو يصبح عدم الإنجاب سببا للتشكيك في أنوثة المرأة واستقرارها النفسي.

وفي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع لمركز «بيو» للأبحاث عام 2024 أن 47% من البالغين دون الخمسين، ممن لا أطفال لديهم ويستبعدون الإنجاب مستقبلا، قالوا إنهم لا يرجحون إنجاب أطفال، مقارنة بنسبة 37% في استطلاع سابق عام 2018. وهذه النتائج تخص الفئة المشمولة بالدراسة، ولا يمكن تعميمها على المجتمعات العربية.

كما أن تراجع معدلات الخصوبة في مصر والمغرب لا يثبت انتشار اللاإنجابية الطوعية، إذ قد يعكس تأخر الزواج أو تقليص حجم الأسرة أو عوامل اقتصادية وصحية.

حين تصبح الأمومة معيارا لقيمة المرأة

ترى الحقوقية المغربية ليلى أملي، رئيسة جمعية «أيادي حرة»، أن التصورات التقليدية تربط قيمة المرأة بقدرتها على الإنجاب، فيما تربط مكانة الرجل باستمرار النسل.

وتقول لـ«صفر» إن المرأة التي تختار عدم الإنجاب قد تواجه اتهامات بالأنانية أو النقص العاطفي، إلى جانب التشكيك في أنوثتها، ما يحول قرارها الشخصي إلى مصدر للوصم والإنهاك النفسي، داعية إلى تفكيك الصور النمطية عبر التعليم والإعلام، وحماية الخصوصية والاستقلالية الإنجابية، وعدم التعامل مع جسد المرأة وقرارها باعتبارهما شأنا يخص المجتمع بأكمله.

من جهتها، تؤكد الحقوقية المصرية انتصار السعيد، في حديث لـ«صفر»، أن المشكلة تبدأ عندما يمنح المجتمع نفسه سلطة تقييم قرار الإنجاب أو عدمه. وتقول: “من حق كل إنسان أن يتخذ قراراته المتعلقة بحياته وجسده ومستقبله دون أن يصبح عرضة للسخرية أو الانتقاص من إنسانيته”.

وتطالب السعيد بمناهضة التمييز المرتبط بالاختيارات الشخصية، وتغيير الخطاب الذي يجعل الأمومة شرطا لاكتمال المرأة، مؤكدة أن احترام القرار لا يعني مطالبة الآخرين بتبنيه.

بين الحقوق الإنجابية والمخاوف السكانية

تكفل المادة 57 من الدستور المصري حرمة الحياة الخاصة، فيما تتناول المادة 11 المساواة وحماية حقوق المرأة. ولا تنص المادتان صراحة على حق مستقل في عدم الإنجاب، لكنهما توفران إطاراً دستورياً لمناقشة الخصوصية والاستقلالية.

دولياً، تحمي المادة 17 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الأفراد من التدخل التعسفي في حياتهم الخاصة، وتتناول المادة 16 من اتفاقية «سيداو» المساواة في القرارات المتعلقة بعدد الأطفال والمباعدة بين الولادات، مع مراعاة الالتزامات والتحفظات القانونية للدول.

في المقابل، يحتل الإنجاب مكانة اجتماعية ودينية مهمة في مجتمعات عربية عديدة، وتثير معدلات الخصوبة المتراجعة مخاوف تتعلق بشيخوخة السكان واستدامة الحماية الاجتماعية، غير أن التعامل مع هذه المخاوف عبر السياسات العامة يختلف عن ممارسة الضغط على الأفراد لتغيير قراراتهم.

ماذا تقول الدراسات؟

تناولت دراسة لجامعة أسيوط نُشرت عام 2026 الاستقلالية الإنجابية لدى 400 امرأة متزوجة تتراوح أعمارهن بين 19 و49 عاما، في ثلاثة مراكز للرعاية الصحية الأولية. وأعدتها الباحثات مروة عبد المالك عبد الله عرابي، وأميمة الجبالي، ودعاء محمد عثمان، للتحقق من صلاحية النسخة العربية لمقياس الاستقلالية الإنجابية.

وخلصت الدراسة إلى اعتماد مقياس من 11 بنداً يتناول اتخاذ القرار والتواصل والتحرر من الإكراه. لكنها لم تقِس انتشار اختيار عدم الإنجاب طوعا، ولا تصلح نتائجها لتقدير حجم هذه الظاهرة في مصر.

أما تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2025، «أزمة الخصوبة الحقيقية»، فاستند إلى استطلاع في 14 دولة، أظهر أن واحدا من كل خمسة مشاركين تعرض لضغوط لإنجاب أطفال رغم عدم رغبته في ذلك، وأن 39% تأثرت خياراتهم الإنجابية بقيود مالية.

وتؤكد هذه النتائج أهمية حرية القرار الإنجابي، لكنها ليست إحصاءات خاصة بالنساء المصريات أو بانتشار اللاإنجابية الطوعية.

الموقف الرسمي.. تنظيم الأسرة دون تبني اللاإنجابية

تضع الاستراتيجية الوطنية المصرية للسكان والتنمية 2023–2030 الحقوق الإنجابية وتنظيم الأسرة ضمن أولوياتها، وتستهدف الوصول بمعدل الإنجاب الكلي إلى 2.1 طفل لكل امرأة بحلول عام 2030.

وكان وزير الصحة والسكان خالد عبد الغفار قد عرض في يونيو 2024 محاور الاستراتيجية، ومنها تحسين خدمات الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة. ولا يتضمن هذا الطرح موقفاً صريحاً من اختيار عدم الإنجاب طوعاً.

وفي رد رسمي على «صفر»، أوضح المجلس القومي للمرأة أن الصحة الإنجابية ينبغي أن تقوم على قرار تشاركي مدروس داخل الزواج، بعيداً عن الضغوط والقوالب الاجتماعية التقليدية.

وأكد المجلس أن مبادراته التوعوية وحملات «طرق الأبواب» تعمل على تعزيز حق المرأة والشريك في التخطيط الأسري واختيار التوقيت الملائم للحمل، وفق قدرات الأسرة الصحية والاقتصادية.

وشدد على أن الخطاب الحقوقي الرسمي لا يدعو إلى «اللاإنجابية» كنمط عام، لكنه يناهض الوصم والتدخل العائلي القهري في الخيارات الإنجابية، ويدعم بيئة اجتماعية وتشريعية تساعد النساء على التوفيق بين أدوارهن الأسرية والمهنية.

حق لا تقيسه معدلات المواليد

تكشف تجربة نسمة أن الضغوط الإنجابية لا تحتاج دائماً إلى نص قانوني أو قرار مؤسسي؛ فقد تبدأ بسؤال عائلي متكرر، وتنتهي إلى شعور المرأة بأنها مطالبة بالحصول على موافقة الآخرين على مستقبلها.

وتبقى الحاجة قائمة إلى دراسات مصرية تقيس اختيار عدم الإنجاب طوعاً، وتوثق الضغوط المرتبطة به، وتفصل بينه وبين العوائق الاقتصادية والصحية أمام الإنجاب، فالمجتمع الذي يحترم الأمومة بوصفها اختياراً إنسانياً جديراً بالتقدير، مطالب أيضاً بألا يجعلها امتحاناً إلزامياً لقيمة المرأة، وبين الحق في تكوين أسرة والحق في تقرير شكلها، تبدأ مساحة الحرية التي لا ينبغي أن تضيق تحت وطأة الوصاية.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان