منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

موجة حر تقتل 18 فرنسياً.. لماذا يحصد الصيف أرواح الأوروبيين؟

23 يونيو 2026
موجة حر تصدم الأوروبيين
موجة حر تصدم الأوروبيين

تعرض المجتمع الفرنسي لصدمة خلال الأسبوع الحالي، بعد مصرع 18 شخصا جراء موجة حارة وصلت درجة الحرارة خلالها إلى 41 درجة مئوية، في واقعة أعادت تسليط الضوء على تزايد مخاطر موجات الحر في أوروبا مع تصاعد تأثيرات تغير المناخ.

وتأتي هذه الوفيات في ظل تحذيرات متكررة من أن أوروبا أصبحت من أكثر القارات تضررا من موجات الحر، حيث تسجل نحو 100 ألف حالة وفاة سنويا بسبب ارتفاع درجات الحرارة، بحسب منظمة الصحة العالمية.

وتكشف موجات الحر المتكررة في القارة الأوروبية عن عدة عوامل تجعل تأثيرها أكثر خطورة من مناطق أخرى، أبرزها ارتفاع نسبة كبار السن، وطبيعة المباني غير المجهزة للحر الشديد، وقلة انتشار أجهزة التكييف، إلى جانب ضعف الاستعداد للموجات المفاجئة في بدايات الصيف.

وتعد التركيبة السكانية في أوروبا أحد أبرز أسباب ارتفاع معدلات الوفاة خلال موجات الحر، إذ يقترب كبار السن ممن تجاوزوا 65 عاما من ربع سكان القارة، مع تسجيل نسب مرتفعة في دول مثل إيطاليا والبرتغال.

تغير طبيعة الجسم

ويواجه المسنون خطرا أكبر خلال موجات الحر بسبب تغير طبيعة الجسم مع التقدم في العمر، حيث تضعف قدرة الغدد العرقية على تنظيم الحرارة، كما يقل الشعور بالعطش، ما يزيد احتمالات الجفاف وضربات الشمس دون الانتباه المبكر للأعراض.

وتتفاقم المخاطر لدى كبار السن بسبب اعتماد كثير منهم على أدوية الأمراض المزمنة، ومنها أدوية خفض ضغط الدم ومدرات البول المستخدمة في أمراض القلب، وهي أدوية قد تزيد من أعراض الإجهاد الحراري والجفاف في فترات الحرارة الشديدة.

وبحسب التقارير، ضمت حصيلة ضحايا موجة الحر الأخيرة في فرنسا 3 مسنين بين 18 حالة وفاة، في مؤشر على هشاشة هذه الفئة أمام الارتفاع الحاد في درجات الحرارة.

خطورة الحر الأوروبي

لا تقتصر خطورة الحر الأوروبي على الشوارع أو الأماكن المفتوحة، إذ تحدث أغلب الوفيات المرتبطة بالحر داخل المنازل، نتيجة تصميم كثير من المباني الأوروبية منذ عقود بطريقة تساعد على حبس الحرارة لمواجهة البرد، لا على طردها خلال الصيف.

وتواجه أوروبا كذلك أزمة في انتشار أجهزة التكييف، إذ لا تتجاوز نسبة امتلاكها في بريطانيا 5%، وفي ألمانيا 3% فقط، بسبب قلة الحاجة إليها سابقا، وارتفاع تكاليف شرائها وتركيبها، خاصة في المنازل القديمة غير المجهزة لهذا النوع من الأجهزة.

وتزيد أزمة الطاقة وارتفاع أسعار الكهرباء من صعوبة الاعتماد على التكييف، خاصة بعد اضطرابات سوق الطاقة الأوروبية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وما تبعها من ارتفاع في الفواتير مقارنة بمتوسط دخول كثير من الأسر.

قيود على أجهزة التكييف

تفرض بعض السياسات والقيود العمرانية والبيئية مزيدا من التعقيد، إذ توجد قيود في بعض المناطق البريطانية على تركيب أجهزة التكييف في واجهات المنازل حفاظا على المظهر العام، بينما تضع إسبانيا حدودا لاستخدام التبريد في بعض الأماكن لتقليل استهلاك الطاقة والحد من الأثر البيئي.

وتكمن خطورة موجات الحر الأوروبية أيضا في أنها قد تأتي بشكل مباغت في بدايات الصيف، مع وصول كتل هوائية حارة ورياح ترفع درجات الحرارة بصورة حادة في وقت لا يكون فيه السكان مستعدين بعد للتعامل مع الظروف القاسية.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن معدلات الوفاة غالبا ما تكون أعلى في بداية الموجات الحارة، قبل أن تنخفض لاحقا مع زيادة وعي السكان واتخاذهم إجراءات وقائية، مثل شرب المياه بانتظام، وارتداء الملابس الخفيفة، وتجنب التعرض المباشر للشمس.

وفيات بين الأطفال نتيجة الحر

في فرنسا، أظهرت حصيلة الضحايا الأخيرة أن الأطفال ليسوا بمنأى عن الخطر، إذ تضمنت الوفيات طفلين بقيا داخل سيارة مغلقة دون تهوية، في واقعة تبرز خطورة ترك الأطفال داخل المركبات خلال موجات الحر، حتى لفترات قصيرة.

وتعكس موجة الحر الأخيرة في فرنسا أن ارتفاع درجات الحرارة لم يعد مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل تحوّل إلى خطر صحي متكرر، يفرض على الحكومات الأوروبية مراجعة سياسات الإسكان والطاقة والصحة العامة، وتعزيز خطط الوقاية المبكرة لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print