تعيش النساء والفتيات في العراق أزمة متعددة الأوجه، لا تختصرها حوادث العنف الأسري أو جرائم ما يسمى “الشرف”، وإنما تمتد إلى الزواج المبكر، والتمييز في قوانين الأحوال الشخصية، وضعف الحماية القانونية، والعنف الرقمي والاتجار والاستغلال، فضلاً عن المعوقات الاقتصادية والاجتماعية التي تحد من استقلالهن.
وكشفت أحدث مراجعة أممية لوضع المرأة العراقية أن العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال واسع الانتشار، في حين تعاني البلاد نقصاً في البيانات الرسمية الشاملة التي تقيس حجم الظاهرة بدقة، ما يجعل كثيراً من الانتهاكات خارج نطاق الرصد والمساءلة. وأكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة في ملاحظاتها الختامية الصادرة في فبراير 2026 أن العنف ضد النساء والفتيات واسع الانتشار وغير مُبلّغ عنه في العراق.
أوضحت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة أن المشكلة لا تتعلق بالعنف وحده، بل بإطار قانوني ومؤسسي لا يزال يحتوي ثغرات تسمح باستمرار التمييز. وأشارت اللجنة إلى أن القانون الجنائي العراقي يتضمن مواد تسمح بتخفيف العقوبات في جرائم القتل المرتبطة بما يسمى دوافع الشرف، كما أبقت المادة 41 من قانون العقوبات على مفهوم تأديب الزوجة، في حين لا يزال قانون شامل لمكافحة العنف الأسري غائباً على المستوى الاتحادي. وربطت اللجنة بين هذه الثغرات وضعف آليات التحقيق والحماية وبين استمرار صعوبة وصول الناجيات إلى العدالة.
العنف داخل الأسرة
أظهرت بيانات الأمم المتحدة أن حجم العنف الأسري في العراق يصعب تحديده بصورة حديثة بسبب نقص البيانات الوطنية المنتظمة والمصنفة حسب العمر والمكان ونوع العنف وعلاقة المعتدي بالضحية. وذكرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن البيانات الرسمية الوطنية المتعلقة بالعنف الجسدي أو الجنسي من الشريك خلال الأشهر الاثني عشر السابقة غير متاحة، في حين تشير أحدث المؤشرات المتوافرة إلى أن 27.9 بالمئة من النساء بين 20 و24 عاماً تزوجن قبل بلوغ 18 عاماً، وأن 7.2 بالمئة تزوجن قبل سن 15 عاماً. وتكشف هذه الأرقام عن ارتباط وثيق بين الزواج المبكر ومخاطر العنف والتبعية الاقتصادية والاجتماعية.
كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” أن العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات في العراق يشمل العنف الأسري والاستغلال والعنف الجنسي والزواج القسري وزواج الأطفال وتشويه الأعضاء التناسلية وجرائم ما يسمى الشرف.
وأظهرت بيانات “اليونيسف” أن 28 بالمئة من النساء العراقيات بين 20 و24 عاماً تزوجن أو دخلن في اتحاد قبل سن 18 عاماً، في حين اعتبرت 37 بالمئة من النساء بين 15 و49 عاماً أن ضرب الزوجة يمكن أن يكون مبرراً لسبب واحد على الأقل من الأسباب المحددة في المسح. وتوضح اليونيسف أن الخوف من الوصمة الاجتماعية وجرائم الشرف يمثلان عائقاً أمام طلب العدالة.
جرائم القتل والإفلات من العقاب
أفادت منظمة العفو الدولية بأن العنف القائم على النوع الاجتماعي ظل منتشراً خلال 2025، مع إخفاق السلطات في توفير المساءلة الكافية أو الخدمات الملائمة للناجيات. وسجلت سلطات إقليم كردستان العراق مقتل 53 امرأة وفتاة على الأقل خلال ذلك العام، معظمهن على أيدي أقارب من الرجال، في حين لا توجد قاعدة بيانات مركزية مماثلة تغطي بقية العراق، وفق المنظمة. ورأت العفو الدولية أن غياب البيانات الوطنية الموحدة يعرقل معرفة الحجم الحقيقي لجرائم قتل النساء ويضعف قدرة السلطات على بناء سياسات حماية تستند إلى الأدلة.
أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن قانون العقوبات العراقي يوفر ثغرات يمكن أن تسهم في إفلات مرتكبي العنف ضد النساء من العقاب، ومنها السماح للزوج بمعاقبة زوجته، وتخفيف العقوبات في جرائم ترتكب بدافع ما يسمى الشرف، إضافة إلى أحكام كانت تسمح بوقف الملاحقة أو إلغاء العقوبة في بعض جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي عند زواج الجاني من الضحية. واعتبرت المنظمة أن استمرار هذه الأحكام يتعارض مع مبدأ المساواة وحماية النساء من العنف.
الأحوال الشخصية في دائرة الخلاف
دخل تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 حيز التنفيذ في 17 فبراير 2025، وفتح المجال أمام اختيار تطبيق قانون الأحوال الشخصية لعام 1959 أو مدونة أحوال شخصية تستند إلى الفقه الجعفري في قضايا الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والميراث. واعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن هذا الترتيب ينشئ أنظمة قانونية مختلفة بحسب المرجعية الدينية، ما يهدد المساواة القانونية بين المواطنين ويعرض النساء والفتيات لمستويات متفاوتة من الحماية والحقوق.
أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش في أكتوبر 2025 أن مدونة الأحوال الشخصية الجعفرية التي أقرها البرلمان في أغسطس من العام نفسه تتضمن أحكاماً قالت إنها تضر بحقوق النساء، منها إمكان تحويل عقد الزواج إلى أحكام المدونة دون موافقة الزوجة أو علمها، وإمكان طلاق الزوج لزوجته دون إبلاغها، وانتقال مسؤولية رعاية الأطفال إلى الأب بعد سن السابعة في بعض الحالات. كما قالت المنظمة إن البرلمان لم يقر في 2025 قانوناً اتحادياً لمكافحة العنف الأسري رغم استمرار المطالبات به منذ سنوات.
وضع الناجيات من تنظيم داعش
وقد حملت نساء وفتيات إيزيديات آثاراً استثنائية لجرائم تنظيم داعش، منها الاختطاف والاستعباد والعنف الجنسي والتهجير وفقدان أفراد الأسرة. وأقرت السلطات العراقية قانون الناجيات الإيزيديات رقم 8 لسنة 2021 الذي يمثل إطاراً للتعويض وجبر الضرر، لكن لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة قالت في 2026 إن تنفيذ القانون لا يزال يفتقر إلى بيانات شفافة حول التعويضات، وإن بعض الإجراءات قد تفرض أعباءً قانونية وإجرائية على الناجيات، خصوصاً المقيمات في المناطق النائية أو المخيمات.
العنف الرقمي والاتجار
ودخلت المخاطر التي تواجهها النساء العراقيات مرحلة جديدة مع توسع استخدام التكنولوجيا في الاعتداءات القائمة على النوع الاجتماعي. ورصدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة تنامي جرائم المطاردة الإلكترونية والتحرش والتشهير وكشف البيانات الشخصية ونشر الصور الحميمة من دون موافقة، إضافة إلى استخدام محتوى جنسي مولد بالذكاء الاصطناعي، في ظل فجوات تشريعية ومحدودية معدلات الملاحقة القضائية. كما سجلت اللجنة نقصاً في البيانات المصنفة حول الاتجار بالنساء والفتيات، وضعف آليات حماية الضحايا، ومخاطر إعادة الاتجار بالنساء الإيزيديات النازحات.
المرأة خارج سوق العمل
تتجاوز أزمة النساء الجانب الحقوقي إلى الاقتصاد؛ إذ تبقى المشاركة الاقتصادية للمرأة العراقية من بين الأدنى في المنطقة. وأظهرت بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن معدل مشاركة النساء بين 15 و64 عاماً في قوة العمل يبلغ نحو 12.06 بالمئة، مقابل 76.72 بالمئة للرجال، في حين لا تتجاوز حصة النساء من إجمالي قوة العمل 13.94 بالمئة. كما تبلغ حصة النساء من الوظائف الإدارية العليا والمتوسطة نحو 17.5 بالمئة، وتملك النساء أو تشارك في ملكية نحو 6.8 بالمئة فقط من الشركات وفق المؤشرات المتاحة.
وأوضحت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة أن العراق يعاني فجوة في الأجور تبلغ نحو 35 بالمئة، مع تركّز النساء في العمل غير الرسمي الذي يفتقر غالباً إلى الاستقرار والحماية الاجتماعية، كما أشارت إلى أن امتلاك الحسابات المصرفية لا يزال منخفضاً عند النساء، في حدود 20 بالمئة تقريباً. وربطت اللجنة بين ضعف الاستقلال الاقتصادي وبين صعوبة مغادرة العلاقات العنيفة، خصوصاً بالنسبة للنساء النازحات والفئات الأكثر فقراً.
الجهود الحكومية والدولية
اعتمد العراق الاستراتيجية الوطنية للمرأة العراقية 2023 ـ 2030 التي تتضمن محاور للمشاركة السياسية والتمكين الاقتصادي والاجتماعي وحماية النساء ومواجهة العنف، إلى جانب الاستراتيجية الوطنية لمكافحة العنف ضد النساء والفتيات للفترة نفسها.
كما أقرت السلطات خطة العمل الوطنية الثالثة للمرأة والسلام والأمن 2025 ـ 2030، والاستراتيجية الوطنية لصحة النساء والفتيات والمراهقات 2025 ـ 2030، والاستراتيجية الوطنية للشمول المالي 2025 ـ 2029، وفق ما وثقته لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة.
وشهدت جهود الحماية الميدانية توسعاً أيضاً؛ إذ افتتح صندوق الأمم المتحدة للسكان بالتعاون مع الحكومة العراقية والسلطات المحلية في الديوانية مركزاً لحماية النساء في أبريل 2025، يقدم الدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية وخدمات إعادة الإدماج للناجيات من العنف. كما أعيد تأهيل وتجهيز مراكز مماثلة في نينوى وكركوك والأنبار، في إطار تعاون بين صندوق الأمم المتحدة للسكان والسلطات المحلية والجهات المانحة.
وأكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن مراكز حماية النساء أصبحت جزءاً من جهود بناء منظومة أكثر استجابة للناجيات، في حين أشارت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 2025 إلى استمرار إمكانية الوصول إلى خدمات الحماية عبر مراكز مكافحة العنف الأسري ودوائر العمل والشؤون الاجتماعية وخطوط المساعدة في إقليم كردستان وبقية المحافظات. وتكشف هذه الإجراءات عن تقدم في البنية الخدمية، لكنها تأتي بالتوازي مع استمرار الحاجة إلى إطار قانوني اتحادي أكثر شمولاً.
المعيار الدولي
تضع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” العراق أمام التزام قانوني واضح بإزالة التمييز وضمان المساواة والحماية الفعلية للنساء. وفي ملاحظاتها الختامية في فبراير 2026، دعت اللجنة العراق إلى سن قانون شامل لمكافحة العنف الأسري، وتوسيع الملاجئ الآمنة، وتدريب الشرطة والنيابة والقضاء، وإلغاء النصوص التي تخفف العقوبات عن جرائم العنف المرتبطة بالشرف، وتعزيز حماية النساء من العنف الرقمي والاتجار. كما أوصت بإقامة آليات فعالة لجمع البيانات المصنفة حسب الجنس والعمر والمنطقة ونوع الانتهاك.
السياسة والتمثيل
تظهر الصورة السياسية تقدماً نسبياً في تمثيل النساء مقارنة بمؤشرات أخرى؛ إذ تشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء يشغلن نحو 28.88 بالمئة من مقاعد البرلمان العراقي، متجاوزات الحد الأدنى الدستوري البالغ 25 بالمئة. لكن لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة أكدت أن النساء ما زلن يواجهن معوقات أمام الوصول إلى مواقع القرار، تشمل التمويل الانتخابي والتهديدات الأمنية والتحرش الإلكتروني وضعف التمثيل في المناصب التنفيذية العليا، ودعت إلى الانتقال من مجرد حصة انتخابية إلى مشاركة متكافئة في صناعة القرار.
وتكشف الصورة الإجمالية أن العراق قطع خطوات مهمة في بناء استراتيجيات وطنية ومراكز حماية وتمثيل سياسي للنساء، لكنه لا يزال يواجه فجوة بين النصوص والسياسات وبين الحماية الفعلية على الأرض. وأكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة أن غياب قانون اتحادي شامل للعنف الأسري، واستمرار نصوص تمييزية في قانون العقوبات والأحوال الشخصية، وضعف البيانات والملاجئ وآليات المساءلة، تمثل عقبات مركزية أمام تحقيق المساواة.
وفي المقابل، توفر الاستراتيجيات الوطنية ومراكز الحماية وقانون الناجيات الإيزيديات وخدمات الأمم المتحدة قاعدة يمكن البناء عليها لتحويل الحماية من مبادرات متفرقة إلى منظومة وطنية متكاملة تقوم على الوقاية والمساءلة وجبر الضرر والاستقلال الاقتصادي.
