لم يعد قرار الطلاق بالنسبة إلى كثير من النساء الفلسطينيات في قطاع غزة مجرد قضية أسرية تُعرض أمام المحاكم، بل أصبح رحلة معقدة تتداخل فيها الحرب والنزوح وتدمير المؤسسات وفقدان الوثائق والأزمة الاقتصادية، لتتحول الرغبة في إنهاء علاقة زوجية متعثرة إلى اختبار حقيقي لقدرة المرأة على الوصول إلى العدالة.
فالمرأة التي تسعى إلى الانفصال تجد نفسها أمام واقع استثنائي، حيث تعمل المؤسسات القانونية بقدرات محدودة، وتواجه المحاكم والخدمات المرتبطة بها ضغوطاً كبيرة نتيجة الدمار والنزوح، بينما تصبح متابعة الإجراءات القانونية أكثر صعوبة بالنسبة إلى النساء اللائي فقدن مصادر الدخل أو أماكن الإقامة المستقرة.
ولا ترتبط الأزمة بوجود الحق القانوني فقط، بل بقدرة المرأة فعلياً على استخدامه، إذ يحتاج إنهاء الزواج في كثير من الحالات إلى متابعة قضائية، وتقديم وثائق، والحصول على استشارة قانونية، وهي أمور أصبحت أكثر تعقيداً في ظل الظروف الإنسانية التي يعيشها القطاع.
الحرب تعطل الوصول للعدالة
منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، تعرض قطاع غزة لدمار واسع طال البنية المدنية والخدمات العامة، ما أثر في قدرة المؤسسات على تقديم خدماتها بصورة طبيعية.
ووفق بيانات الأمم المتحدة حتى عام 2026، يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة وسط أزمة إنسانية واسعة، بعد موجات نزوح متكررة وتضرر كبير في المساكن والبنية الأساسية.
وأدى النزوح إلى زيادة الصعوبات أمام النساء اللواتي يحتجن إلى متابعة قضايا الأحوال الشخصية، إذ أصبحت عملية الوصول إلى المحاكم أو الجهات القانونية مرتبطة بعوائق أمنية ولوجستية، إضافة إلى صعوبة التنقل بين مناطق القطاع.
كما أدى فقدان المنازل والنزوح المتكرر إلى فقدان بعض الأسر وثائق مهمة، مثل عقود الزواج والهويات وشهادات الميلاد، وهي مستندات قد تكون ضرورية لاستكمال الإجراءات القانونية.
الطلاق في القانون الفلسطيني
تخضع قضايا الأحوال الشخصية في الأراضي الفلسطينية لأنظمة قانونية متعددة، ويعتمد قطاع غزة على قوانين مستمدة تاريخياً من قانون حقوق العائلة العثماني وتطبيقات قانونية خاصة بالقطاع.
ولا يتمتع الزوجان بالمسار القانوني نفسه لإنهاء الزواج؛ فالمرأة غالباً ما تحتاج إلى اللجوء للقضاء ورفع دعاوى تستند إلى أسباب قانونية، مثل الضرر أو عدم الإنفاق أو الغياب أو أسباب أخرى يقرها القانون.
وهذا يجعل حصول المرأة على الطلاق مرتبطاً بإجراءات قد تتطلب وقتاً وإثباتات ومتابعة قضائية، وهي متطلبات تصبح أكثر صعوبة في ظروف الحرب.
الأسر تواجه ضغوطاً متزايدة
قبل الحرب، كان قطاع غزة يشهد آلاف حالات الزواج والطلاق سنوياً، حيث تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى تسجيل نحو عشرات الآلاف من عقود الزواج سنوياً في الأراضي الفلسطينية، بينها آلاف الحالات في قطاع غزة.
لكن الحرب فرضت واقعاً اجتماعياً جديداً، مع ارتفاع الضغوط النفسية والاقتصادية على الأسر، وتزايد المخاطر المرتبطة بالعنف الأسري وضعف الوصول إلى خدمات الحماية.
وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النزاعات المسلحة تؤدي إلى زيادة هشاشة النساء والفتيات، وتضعف قدرتهن على الوصول إلى الحماية والخدمات القانونية والاجتماعية.
الفقر يزيد تعقيد قرار الانفصال
لا تواجه المرأة أزمة الإجراءات فقط، بل تواجه أيضاً السؤال الأصعب: كيف ستعيش بعد الطلاق؟ فالكثير من النساء في غزة يعتمدن اقتصادياً على الأسرة أو الزوج، بينما أدت الحرب إلى فقدان واسع لمصادر الدخل وتراجع فرص العمل.
وتشير تقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة إلى تعرض اقتصاد غزة لانكماش حاد نتيجة الحرب، مع تدمير قطاعات إنتاجية واسعة وارتفاع الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وفي هذه الظروف، قد يصبح قرار الطلاق مرتبطاً بمخاوف إضافية، مثل القدرة على توفير السكن والنفقة ورعاية الأطفال.
الأطفال في قلب الأزمة
تزداد حساسية قضايا الطلاق عندما يكون هناك أطفال، إذ لا يتعلق الأمر فقط بإنهاء العلاقة الزوجية، بل بمستقبل الطفل وحقوقه في الرعاية والاستقرار.
وتواجه الأمهات أسئلة معقدة حول الحضانة والنفقة ومكان إقامة الأطفال واستمرار التعليم والرعاية الصحية.
وتشير اليونيسف إلى أن أطفال غزة يعيشون أزمة إنسانية واسعة نتيجة الحرب، تشمل فقدان الاستقرار والنزوح وتعطل التعليم والخدمات الأساسية.
ولهذا فإن تأخر حسم قضايا الأسرة قد يضيف أعباء جديدة على الأطفال الذين يعيشون أصلاً ظروفاً استثنائية.
فجوة بين القانون والواقع
تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن حماية النساء في النزاعات لا تقتصر على منع العنف، بل تشمل ضمان الوصول إلى العدالة والخدمات الأساسية.
ويشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” إلى أن تضرر المؤسسات والخدمات المدنية في غزة أدى إلى زيادة صعوبة حصول السكان على الدعم القانوني والاجتماعي.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أهمية حماية الوثائق المدنية وضمان استمرار الخدمات الأساسية، باعتبارها جزءاً من حماية المدنيين خلال النزاعات.
العدالة تحتاج إلى مؤسسات
لا يكفي وجود قوانين تنظم الطلاق إذا لم تتمكن المرأة من الوصول إليها، فالحماية القانونية تحتاج إلى محاكم قادرة على العمل، ومساعدة قانونية للنساء غير القادرات، وإجراءات تحافظ على حقوق الأطفال.
ويرى حقوقيون أن ظروف الحرب لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لتعليق حقوق النساء أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم، بل تتطلب حلولاً استثنائية تضمن استمرار الوصول إلى العدالة، مثل الخدمات القانونية المتنقلة، والمساعدة المجانية، وتسهيل استعادة الوثائق.
وتكشف معاناة النساء الفلسطينيات مع إجراءات الطلاق أن الحرب لا تدمر المنازل والبنية التحتية فقط، بل تضرب أيضاً قدرة الإنسان على ممارسة حقوقه القانونية اليومية.
فالمرأة التي تطلب الانفصال لا تبحث فقط عن إنهاء علاقة زوجية، بل عن حق أساسي في أن تُسمع قضيتها، وتحصل على قرار عادل، وتحافظ على حقوقها وحقوق أطفالها، حتى في ظل أكثر الظروف الإنسانية قسوة.

