كشفت تحقيقات صحفية أوروبية مشتركة عن توسع نشاط شبكات رقمية منسقة تستخدم الحسابات الوهمية والآلية للتأثير على النقاشات العامة داخل صفحات المؤسسات الإعلامية في دول الاتحاد الأوروبي، في ظاهرة تعكس تصاعد استخدام الفضاء الرقمي كأداة للتأثير السياسي ونشر خطاب الكراهية وتوجيه الرأي العام.
وأوضح تحقيق “يوروفيجن نيوز سبوتلايت”، الذي شاركت فيه مؤسسات إعلامية أوروبية عامة، أن فرق التحقيق حللت نحو 17.5 مليون تعليق نشر خلال 12 شهراً بين أبريل 2025 ومارس 2026 على حسابات تسع مؤسسات إعلامية أوروبية، من بينها سويس إنفو، وفرانس 24، وإذاعة فرنسا الدولية، وهيئات البث العامة في ألمانيا والنمسا وإسبانيا وليتوانيا. وأظهر التحقيق وجود حملات منظمة اعتمدت على حسابات مزيفة أو منسقة لنشر رسائل سياسية وتجارية وأحياناً تحريضية.
إيران في قلب الحملات المنسقة
أكد تحقيق “يوروفيجن نيوز سبوتلايت” أن الموضوع الإيراني تصدر قائمة أكثر القضايا التي شهدت نشاطا رقميا منسقا داخل أقسام التعليقات على صفحات المؤسسات الإعلامية الأوروبية، وجاء ذلك بالتزامن مع الاحتجاجات التي شهدتها إيران منذ يناير 2026، حيث تحولت صفحات الأخبار الأوروبية إلى ساحة مواجهة بين روايات مؤيدة للمعارضة الإيرانية وأخرى داعمة للحكومة الإيرانية.
ورصد التحقيق ثلاث شبكات منسقة على الأقل تناولت الملف الإيراني، من بينها شبكة واسعة دعمت المعارضة الإيرانية وشخصية رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، واستخدمت وسوما مثل (KingRezaPahlavi وFreeIran وIranRevolution2026 وDigitalBlackoutIran). ونشرت هذه الحسابات آلاف التعليقات التي حملت نصوصا متشابهة بدرجة كبيرة، ما يشير إلى اعتمادها على قوالب جاهزة جرى توزيعها عبر قنوات رقمية.
وأشار التحقيق إلى أن بعض التعليقات ظهرت بأخطاء متطابقة، من بينها كتابة وسم DigitalBlackoutIran )) بطريقة خاطئة عبر استبدال حرف إنجليزي، وهو ما ظهر في صفحات مؤسسات إعلامية مختلفة، الأمر الذي اعتبره الباحثون الرقميون مؤشرا على وجود مصدر مشترك أو آلية توزيع موحدة.
بين النشاط السياسي والتلاعب الآلي
أوضح ألبرتو فيتاريلي، خبير الأمن السيبراني والمعلومات المضللة في جامعة تورنتو، في مقابلة مع هيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية، أن جزءا من النشاط المؤيد لرضا بهلوي يبدو مرتبطا بأشخاص حقيقيين من الشتات الإيراني الذين يمارسون نشاطا سياسيا عبر الإنترنت، لكنه أشار أيضا إلى وجود مؤشرات على استخدام حسابات آلية لتضخيم الرسائل وزيادة انتشارها.
وأكد فيتاريلي أن البيئة الرقمية الحالية تجمع بين نشاط بشري حقيقي وتنسيق إلكتروني واسع، حيث يمكن للحسابات الآلية أن تمنح رسالة سياسية حجما أكبر من تأثيرها الطبيعي، وتخلق انطباعا بوجود دعم جماهيري واسع بينما يعتمد الانتشار على شبكات منظمة.
شبكة موالية لطهران تنشر التحريض
كشف التحقيق الأوروبي أيضا عن شبكة أخرى دعمت الحكومة الإيرانية وهاجمت الاحتجاجات، واعتبرها الباحثون من أوضح الأمثلة على النشاط المصطنع. وأظهر تحليل البيانات وجود مجموعة مترابطة من الحسابات نشرت مئات التعليقات المتطابقة خلال دقائق قليلة.
وبيّن التحقيق أن أكثر من 200 حساب نشرت تعليقات متشابهة في 24 يناير، بينها 190 تعليقا خلال دقيقة واحدة فقط، وهو معدل يصعب تحقيقه عبر التفاعل الطبيعي للمستخدمين. كما ظهرت حسابات تحمل خصائص تشير إلى إنشائها بشكل آلي، مثل قلة المنشورات وتكرار أنماط الأسماء والصور.
ورصد التحقيق تعليقات تضمنت دعوات إلى الانتقام والعنف ضد جماعات ودول محددة، مؤكدا أن هذا النوع من الحملات يمثل أحد أخطر أشكال التلاعب الرقمي، لأنه لا يهدف فقط إلى التأثير السياسي، بل إلى زيادة التوترات والانقسامات الاجتماعية.
خطاب الكراهية ينتقل عبر الشبكات
أظهرت هيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية وجود شبكة تضم أكثر من 180 حسابا آليا استهدفت صفحة تسايت إم بيلد التابعة للمؤسسة على منصة إنستغرام. وبدأت الشبكة بانتقاد العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، قبل أن يتحول نشاطها إلى نشر محتوى معاد للسامية مخالف للقانون النمساوي.
وأكدت الهيئة أنها تمكنت من تتبع بعض الحسابات إلى خدمات تجارية تقدم تفاعلا مصطنعا عبر الإنترنت، لكنها لم تحدد الجهة التي تقف خلف تمويل نشر المحتوى المعادي للسامية أو الهدف النهائي من الحملة.
وتنص القوانين الأوروبية، ومنها التشريعات المرتبطة بمكافحة خطاب الكراهية وحماية المستخدمين في البيئة الرقمية، على ضرورة مواجهة التحريض والتمييز مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير.
منصات الأخبار تواجه أزمة الثقة
قالت منظمات حقوقية ومدنية أوروبية إن انتشار الحسابات الوهمية يهدد جودة النقاش العام ويؤثر على حق المواطنين في الحصول على معلومات موثوقة، وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” أن التضليل الرقمي يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه حرية الصحافة، لأنه يضعف الثقة في المؤسسات الإعلامية ويصعب على الجمهور التمييز بين المعلومات الحقيقية والمحتوى المصطنع.
وأوضحت المفوضية الأوروبية أن قانون الخدمات الرقمية الأوروبي الذي دخل حيز التطبيق الكامل عام 2024 يفرض على المنصات الرقمية الكبرى اتخاذ إجراءات للحد من انتشار المحتوى غير القانوني والتلاعب المنظم، مع إلزامها بتقييم المخاطر المرتبطة بالتأثير على العمليات الديمقراطية.
وأكدت المفوضية الأوروبية أن الحملات المنسقة التي تستخدم حسابات مزيفة أو آلية تمثل تهديدا للنقاش الديمقراطي، خصوصا خلال الانتخابات والأزمات السياسية.
خلفية تاريخية لحروب المعلومات
شهد العقد الأخير تصاعدا كبيرا في استخدام شبكات الحسابات الوهمية كأداة للتأثير السياسي، خصوصا بعد توسع منصات التواصل الاجتماعي وتحولها إلى مصدر رئيس للأخبار بالنسبة لملايين الأشخاص، وكشفت تقارير مؤسسات دولية عدة عن استخدام حملات رقمية منظمة خلال انتخابات وأزمات سياسية في مناطق مختلفة من العالم بهدف نشر معلومات مضللة أو زيادة الاستقطاب.
وأشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن التضليل الرقمي لم يعد يعتمد فقط على نشر أخبار كاذبة، بل أصبح يعتمد على أساليب أكثر تعقيدا تشمل تضخيم الرسائل عبر شبكات حسابات وهمية، واستهداف جماعات محددة برسائل مصممة لإثارة الخوف أو الغضب.
تحديات أمام الإعلام الأوروبي
أكد التحقيق الأوروبي أن أقسام التعليقات في المؤسسات الإعلامية أصبحت جزءا من المعركة الرقمية الحديثة، حيث يمكن لشبكة صغيرة من الحسابات المنظمة أن تغير طبيعة النقاش وتخلق انطباعات غير حقيقية عن توجهات الجمهور.
وأظهرت النتائج أن الحملات لم تقتصر على الملفات السياسية، بل شملت أيضا عمليات احتيال تجارية ونشر رسائل مزعجة للترويج لخدمات مالية أو محتويات غير قانونية، ورصدت مؤسسات إعلامية ألمانية مثل بي آر 24 وتاغس شاو شبكات تروج لخدمات زيادة المتابعين والتفاعل الوهمي، إضافة إلى رسائل مرتبطة بمخططات مالية مشبوهة.
وأكدت المؤسسات المشاركة في التحقيق أن ما ظهر في أقسام التعليقات يمثل جزءا محدودا من ظاهرة أكبر تمتد إلى مختلف منصات التواصل، حيث تعمل الشبكات المنظمة على التأثير في طريقة فهم الجمهور للأحداث السياسية والاجتماعية.
معركة حماية الفضاء الرقمي
أصبح التعامل مع الحسابات الوهمية والشبكات المنسقة تحديا مشتركا أمام الحكومات والمؤسسات الإعلامية والمنظمات الحقوقية، إذ تتطلب المواجهة الحفاظ على حرية التعبير مع منع استخدام المنصات الرقمية لنشر الكراهية أو التحريض أو التلاعب المنظم.
وتؤكد المعايير الدولية لحقوق الإنسان أن مكافحة التضليل يجب أن تتم عبر إجراءات شفافة تحمي الصحافة المستقلة ولا تتحول إلى أدوات لتقييد الآراء المشروعة، وفي ظل توسع الحروب المعلوماتية، تواجه المؤسسات الإعلامية الأوروبية مهمة صعبة تتمثل في حماية النقاش العام من التلاعب، مع الحفاظ على حق الجمهور في التعبير والوصول إلى المعلومات الحرة والموثوقة.

