اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مشروع قرار جديداً بشأن حقوق الإنسان والأمراض المدارية المهملة، مؤكداً أن مكافحة هذه الأمراض لم تعد قضية صحية فحسب، بل أصبحت جزءاً أساسياً من حماية حقوق الإنسان، في ظل استمرار معاناة نحو مليار شخص حول العالم من أمراض ترتبط بالفقر وعدم المساواة وضعف الخدمات الأساسية.
وجاء اعتماد القرار ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع الرابع والثلاثين، حيث ناقش المجلس مشروع القرار L27 قبل أن يعتمد نصه المعدل شفهياً بتوافق الآراء ودون اللجوء إلى التصويت، في خطوة تهدف إلى ترسيخ البعد الحقوقي للأمراض المدارية المهملة ضمن أجندة المجلس.
وقدمت البرازيل مشروع القرار بالنيابة عن المجموعة الأساسية التي تضم كذلك غامبيا والمغرب وجمهورية تنزانيا المتحدة، مؤكدة أن الأمراض المدارية المهملة تمثل أحد أبرز الأمثلة على الترابط الوثيق بين الصحة والفقر وعدم المساواة وحقوق الإنسان، إذ تؤثر في نحو مليار شخص، وتنتشر بصورة غير متناسبة بين الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما سكان المناطق الريفية النائية، والمستوطنات غير الرسمية، والمناطق المتأثرة بالأزمات الإنسانية، والمجتمعات المحرومة.
الوصم الاجتماعي والتمييز
وأكدت المجموعة الأساسية أن معاناة المصابين بهذه الأمراض لا تقتصر على الآثار الصحية، وإنما تمتد إلى الوصم الاجتماعي والتمييز والإقصاء وفقدان مصادر الدخل، فضلاً عن ضعف فرص التعليم، وغياب خدمات المياه والصرف الصحي، والمعوقات التي تحول دون التمتع بالحق في الوصول إلى أعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية.
وأوضحت أن مشروع القرار يهدف إلى ترسيخ البعد الحقوقي للأمراض المدارية المهملة في عمل مجلس حقوق الإنسان، من خلال تأكيد أن الوقاية منها والسيطرة عليها والقضاء عليها تتطلب وجود نظم صحية قوية، وتغطية صحية شاملة، ورعاية صحية أولية فعالة، وضمان الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، إلى جانب إدراج هذه القضية ضمن الاستجابات الوطنية والإقليمية والدولية.
وأشادت المجموعة الأساسية بالمشاورات التي جرت مع الدول وأصحاب المصلحة، مؤكدة أن النص النهائي يعكس نهجاً متوازناً يقوم على الحق في الصحة، والمساواة، وعدم التمييز، مع الاعتراف بالمسؤولية الأساسية للدول وأهمية التعاون الدولي في مواجهة هذا التحدي الصحي.
تغير المناخ والاحتباس الحراري
خلال المناقشات أكدت موريشيوس أن التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة يعد حقاً أساسياً كفلته المواثيق الدولية وأهداف التنمية المستدامة، مشيرة إلى أن الأمراض المدارية المهملة لم تحظَ تاريخياً بالاهتمام والتمويل نفسيهما اللذين حظيت بهما أمراض مثل فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز والسل، رغم أنها تصيب نحو مليار شخص حول العالم.
وأضافت أن تسمية هذه الأمراض بـ”المهملة” تعكس حجم القصور في الاهتمام العالمي بها، لافتة إلى أنها لم تعد تقتصر على المناطق المدارية، بل أصبحت تنتشر في مختلف القارات، في ظل تأثيرات تغير المناخ والاحتباس الحراري، مشيرة إلى أن منظمة الصحة العالمية تصنف نحو 20 مرضاً ضمن هذه الفئة، منها مرض هانسن (الجذام) الذي كان موضوع قرار اعتمده المجلس في وقت سابق.
وأعلنت موريشيوس دعمها الكامل لمشروع القرار، معربة عن أملها في أن تسهم الجهود الدولية في تحقيق نتائج ملموسة في الوقاية من هذه الأمراض والقضاء عليها.
من جانبها، شددت كوبا على ضرورة توفير تمويل مستدام ويمكن التنبؤ به لدعم البحوث العلمية والعلاج الخاص بالأمراض المدارية المهملة، مؤكدة أن القضاء عليها لن يكون ممكناً دون معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تؤدي إلى انتشارها.
وأوضحت أن مشروع القرار يربط بصورة صحيحة بين مكافحة هذه الأمراض وتعزيز الخدمات الصحية الوطنية، ما يضمن وصول الرعاية الصحية إلى المجتمعات الأكثر تضرراً، مشيرة إلى أن كوبا تمنح الحق في الصحة أولوية قصوى، وتخصص أكثر من 20% من ميزانيتها الوطنية لتوفير خدمات صحية مجانية وشاملة، كما تمتلك مؤسسات متخصصة في مكافحة الأمراض المدارية، وتقدم الدعم الصحي لعشرات الدول عبر أكثر من خمسين ألفاً من العاملين الصحيين الكوبيين المنتشرين حول العالم.
الأمراض المدارية المهملة
وفي مداخلة أخرى، أكدت إحدى الدول المؤيدة للمشروع أن الأمراض المدارية المهملة، رغم إمكانية الوقاية من معظمها وعلاجها، لا تزال تؤثر في أكثر من مليار شخص، خاصة بين الفئات الأكثر فقراً وضعفاً، بسبب محدودية التمويل المخصص للبحث العلمي، وهو ما يسهم في استمرار دائرة الفقر والإعاقة والوصم الاجتماعي، ويقوض الحق في الصحة ويعرقل تحقيق الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة.
وأشارت إلى أنها تنفذ خطة وطنية تقوم على التوزيع المجاني للأدوية وحملات التوعية المجتمعية، إلا أن تحديات عديدة لا تزال قائمة، ومنها ضعف الوصول إلى الخدمات الصحية في المناطق الريفية، ومحدودية الموارد المالية، وظهور مقاومة لبعض العلاجات، مؤكدة دعمها الكامل لمشروع القرار.
بدورها، أكدت إثيوبيا أن المشروع يأتي في توقيت بالغ الأهمية؛ لأنه يسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين الصحة العامة والتنمية وحقوق الإنسان، ويعترف بأن الأمراض المدارية المهملة لا تزال تمثل تحدياً صحياً عالمياً يؤثر بصورة غير متناسبة في السكان الذين يعيشون في أوضاع هشة، وخاصة الفقراء وسكان المناطق المحرومة.
وأوضحت أن هذه الأمراض لا تمثل أزمة صحية فقط، وإنما ترتبط أيضاً بعدم المساواة في الحصول على المياه المأمونة، والصرف الصحي، والسكن، والتعليم، والخدمات الصحية، مشيدة بتركيز القرار على الوقاية والتشخيص والعلاج من خلال الرعاية الصحية الأولية، وعلى أهمية الحد من الفقر وتحسين ظروف المعيشة ومكافحة الوصم والتمييز، فضلاً عن دعوته إلى تعزيز البحث العلمي والتمويل وبناء القدرات والتعاون الدولي.
وأكدت إثيوبيا أن البلدان النامية تحتاج إلى دعم دولي مستدام ويمكن التنبؤ به لتعزيز قدراتها الصحية، داعية جميع الوفود إلى الانضمام إلى توافق الآراء بشأن القرار، ما يجسد الالتزام المشترك بضمان الحق في الصحة وعدم ترك أي شخص خلف الركب.
اعتماد مشروع القرار
وفي ختام المناقشات أعلن رئيس مجلس حقوق الإنسان أن الأمانة العامة أعدت بياناً بشأن الآثار المالية المترتبة على تنفيذ القرار، وتم تعميمه على أعضاء المجلس، وبعد أن سأل الوفود عما إذا كانت ترغب في تقديم تفسيرات للتصويت أو طلب إجراء تصويت رسمي، لم يتقدم أي وفد بطلب.
وعلى إثر ذلك، أعلن رئيس المجلس اعتماد مشروع القرار L27 بصيغته المنقحة شفهياً دون تصويت، ليؤكد مجلس حقوق الإنسان من جديد أن مكافحة الأمراض المدارية المهملة تمثل جزءاً لا يتجزأ من حماية حقوق الإنسان، وأن ضمان الحق في الصحة يتطلب تعزيز العدالة الصحية، وتقوية النظم الصحية، وتوسيع نطاق التعاون الدولي، ما يضمن وصول الوقاية والعلاج إلى الفئات الأكثر ضعفاً حول العالم.
