منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مصر.. فائض التأمين الصحي بالمليارات والحق في العلاج أمام تحدي توافر الدواء

28 أكتوبر 2026
مصر.. فائض التأمين الصحي بالمليارات والحق في العلاج أمام تحدي توافر الدواء
مصر.. فائض التأمين الصحي بالمليارات والحق في العلاج أمام تحدي توافر الدواء

ستة أشهر أمضاها محمد ياسر، المقيم في محافظة بورسعيد المصرية، يبحث عن دواء يساعده على التنفس داخل منظومة التأمين الصحي الشامل دون أن يجده، وفق شهادة نشرها في يوليو/تموز 2026؛ فاضطر إلى شرائه من الصيدليات الخاصة بنحو 500 جنيه ” نحو 10 دولارات” شهرياً، في حين كان يدفع أكثر من 400 جنيه “نحو 8 دولارات” اشتراكاً في المنظومة التي يفترض أن توفر له العلاج.

لم تتوقف معاناته عند تكلفة الدواء؛ فقد وصف رحلة من الحجز والانتظار والتنقل بين الطبيب والصيدلية والخزينة، تنتهي أحياناً دون الحصول على العلاج.

تكشف تجربته فجوة محتملة بين التغطية القانونية والتوافر الفعلي للخدمة، في وقت تعلن فيه مصر فائضاً متراكماً للتأمين الصحي الشامل يتجاوز 220 مليار جنيه “نحو 3.92 مليار دولار أمريكي”، وتستعد لتوسيع المنظومة إلى محافظات جديدة، وسط ارتفاع تكاليف المستلزمات الطبية.

وتطرح هذه المفارقة سؤالاً حقوقياً يتجاوز الحالة الفردية: كيف تضمن الدولة وصول العلاج إلى الفئات الأولى بالرعاية، وتحمي أموال التأمين من ضغوط التضخم والتوسع؟

الحق في الصحة بين القانون والواقع

تكفل المادة 18 من الدستور المصري الحق في الصحة و الرعاية المتكاملة، وتلزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل. ويحدد التعليق العام رقم 14 للجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أربعة شروط للحق في الصحة: توافر الخدمات، وإمكانية الوصول إليها، ومقبوليتها، وجودتها.

وبهذا المعيار، لا تكفي بطاقة التأمين إذا تعذر حصول المريض على الدواء في الوقت المناسب، أو اضطر إلى تحمل تكلفته رغم اشتراكه، لكن شهادة محمد ياسر -على أهميتها- لا تثبت وجود نقص عام في الأدوية، ولا علاقة مباشرة بين حالته وارتفاع أسعار المستلزمات.

مليارات متراكمة وتكاليف متصاعدة

بحسب بيانات الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، بلغ عدد المسجلين نحو 5.4 مليون مواطن في ست محافظات حتى أبريل/نيسان 2026، بنسبة تسجيل 83.6% من المستهدفين، بينهم 16% من غير القادرين الذين تتحمل الدولة اشتراكاتهم.

وسجلت الهيئة إيرادات إجمالية بلغت 281.3 مليار جنيه “نحو 5 مليارات دولار”، وفائضاً متراكماً قدره 220.3 مليار جنيه “نحو 3.92 مليار دولار أمريكي”، وتوضح أن تكوين الاحتياطيات يستهدف ضمان الاستدامة مع التوسع، خصوصاً أن الإسهامات تُحصّل على مستوى الجمهورية في حين تتركز الخدمات حالياً في محافظات محدودة.

غير أن ارتفاع تكاليف العلاج يضع هذه الاحتياطيات أمام اختبار مستقبلي. ففي سبتمبر/أيلول 2026، أعلن محمد إسماعيل عبده، رئيس شعبة المستلزمات الطبية بغرفة القاهرة التجارية، تعديل أسعار توريد أكثر من 80 صنفاً بنسب تراوحت بين 5% و50%، بعد مطالبات من الموردين بمراجعة الأسعار نتيجة ارتفاع تكاليف الخامات والشحن والأجور وتقلبات سعر الصرف.

وتظل هذه النسب منسوبة إلى ممثلي الموردين، في غياب قائمة رسمية منشورة بالأصناف والأسعار المعدلة.

وتزامنت التطورات مع تسجيل تضخم حضري سنوي بلغ 13.9% في سبتمبر/أيلول، وتضخم أساسي قدره 14.1%، ما يعكس الضغوط الاقتصادية المحيطة بتمويل الخدمات الصحية، دون إثبات ارتفاع أسعار جميع المستلزمات بالمعدلات نفسها.


أموال التأمين تحت المساءلة

أثار النائب أحمد فرغلي، في يونيو/حزيران 2026، اعتراضات على مقترح يتعلق باستخدام 52 مليار جنيه “نحو 927 مليون دولار” من حصيلة الإسهامات التكافلية للتأمين الصحي في تغطية مخصصات بالموازنة العامة.

وبحسب تصريحاته، جرى التراجع عن المقترح وتدبير التمويل من مصادر أخرى، لكنه عاد للمطالبة بتوضيح مصير الإسهامات وضمان عدم توجيهها خارج أغراضها القانونية.

ولا تثبت هذه التصريحات وقوع اقتطاع فعلي، لكنها تفتح قضية جوهرية تتعلق بشفافية إدارة الأموال المخصصة لحماية الحق في العلاج.

وتزداد أهمية ذلك مع المرحلة الثانية من التأمين الصحي، التي تشمل المنيا ودمياط وكفر الشيخ ومطروح وشمال سيناء، وسط تقديرات حكومية متفاوتة لتكلفتها.

وتشكل المنيا، بكثافتها السكانية وارتفاع احتياجاتها الاجتماعية، اختباراً لقدرة المنظومة على استيعاب أعداد كبرى من غير القادرين دون نقل أعباء العلاج إليهم.

الهيئة: الاستدامة لا تعني تقليص العلاج

في تصريحات خاصة لـ«صفر»، يؤكد الدكتور أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، أن الاستدامة المالية لا تعني تقليص الخدمات، وإنما تحسين إدارة الموارد والحد من الهدر وتطوير الرعاية الأولية والوقاية.

ويقول إن الهيئة تعمل على تحسين المشتريات والإمداد الطبي، وترشيد استخدام الأدوية والمستلزمات وفق ضوابط علاجية، مع التوسع في التحول الرقمي والتطبيب عن بعد والشراكات المنظمة مع القطاع الخاص، ما يحافظ على الجودة وحقوق المنتفعين.
وبحسب السبكي، تجاوزت الخدمات الطبية والعلاجية المقدمة في محافظات المرحلة الأولى 120 مليون خدمة، بينها أكثر من 60 مليون خدمة رعاية أولية، عبر ما يزيد على 400 وحدة ومركز لطب الأسرة.

ويشير إلى أن تطبيق المنظومة في بورسعيد أسهم في خفض الإنفاق الصحي المباشر من جيوب المواطنين بأكثر من 47%، مؤكداً أولوية حماية الفئات الأكثر احتياجاً من الأعباء المالية.

ولا تتضمن تصريحاته توضيحاً مباشراً بشأن حالة نقص الدواء التي رواها محمد ياسر أو الجهة التي تتحمل فروق أسعار المستلزمات المعدلة.

الحوكمة ضمانة للحق في العلاج

توضح الخبيرة الحقوقية الدكتورة أسماء رمزي، في تصريحات خاصة لـ«صفر»، أن القانون رقم 2 لسنة 2018 يفصل بين تمويل الخدمات وشرائها، وتقديمها، والرقابة على جودتها، ما يتيح تحديد المسؤوليات ومحاسبة الجهات المختصة.

وتشدد على تطوير آليات التسعير والشراء الموحد، وتعزيز الرقابة المستقلة ومشاركة المجتمع المدني، وإنشاء قنوات فعالة للشكاوى واستطلاعات دورية لرضا المنتفعين.

وترى أن تنويع مصادر التمويل واستثمار الاحتياطيات يجب أن يخضعا للشفافية والحوكمة، دون تحميل المواطنين أعباء إضافية، مع استمرار الدولة في تحمل اشتراكات غير القادرين.

وتبرز هنا مسؤولية الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، بوصفها الجهة الممولة والمشتَرية للخدمة، عن توضيح ضمانات حماية الاحتياطيات وآليات التعامل مع ارتفاع التكلفة وتوافر الأدوية.

ويبقى الاختبار الحقيقي للمنظومة الصحية في أن يستطيع المريض معرفة سبب غياب دوائه، وأن يجد جهة تستجيب لشكواه، وأن تكون بيانات توافر العلاج والإنفاق والشكاوى متاحة للمساءلة العامة؛ فحق المواطن في الصحة لا يُقاس بما تراكم في خزائن التأمين وحدها، بل بما يصل إلى يده من علاج حين يحتاجه، وبقدرته على المطالبة بحقه دون أن يدفع ثمن المرض مرتين.