كشفت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في تقرير حديث لها، عن صورة واسعة للتمييز الذي يواجهه الأشخاص ذوو الإعاقة داخل المدن ووسائل النقل والمساكن، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى التعامل مع إمكانية الوصول باعتبارها حقًا أساسيًا لا خدمة إضافية.
ووفقًا لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فإن ملايين الأشخاص حول العالم لا تزال حياتهم اليومية محكومة بعوائق عمرانية ونظم نقل غير مهيأة، بما يحد من استقلاليتهم ويفاقم عزلتهم الاجتماعية والاقتصادية.
قالت الشابة الغانيّة والحاصلة على زمالة من التحالف الدولي للإعاقة، إستر ناجيتي، إنها أدركت منذ طفولتها أن التحدي الأكبر في حياتها لم يكن إعاقتها نفسها، بل الحواجز المحيطة بها في البيئة العمرانية، وروت كيف اضطرت إلى الدراسة في مدرسة داخلية بعيدة عن عائلتها لأن المدرسة الموجودة في منطقتها لم تكن آمنة أو مهيأة لاستقبالها، مضيفة أنها تعلمت معنى الإقصاء في الشوارع عندما كانت تنتظر من يساعدها على عبور الطريق بعصاها البيضاء، كما اختبرت ذلك حين اضطرت لدفع أموال إضافية لتعديل شقتها حتى تصبح مناسبة لاحتياجاتها.
أوضحت ناجيتي، خلال حلقة نقاش ضمن الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، والتي عقدت خلال الفترة من 23 فبراير إلى 31 مارس الماضي، أن “البنية التحتية ليست محايدة، بل تعكس قيمة حياة من تقدر”، معتبرة أن المجتمعات التي تبنى دون مراعاة لإمكانية الوصول إنما تعيد إنتاج التمييز بصورة يومية.
فجوة في التنقل والمشاركة المجتمعية
استعرضت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في تقريرها الجديد حول البنية التحتية الشاملة، حجم الفجوة التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة في التنقل والمشاركة المجتمعية، مشيرة إلى أن شخصًا واحدًا من بين كل 15 شخصًا على مستوى العالم من ذوي الإعاقة، لكنهم يواجهون قيودًا على الحركة والمشاركة تزيد بمقدار 15 ضعفًا مقارنة بغيرهم، بسبب صعوبة الوصول إلى وسائل النقل وارتفاع تكلفتها.
أظهرت دراسة عالمية أوردها التقرير أن نحو نصف المشاركين من ذوي الإعاقة أكدوا أن وسائل النقل العام غير متاحة لهم، فيما تحدث أكثر من ثلثهم عن مواقف سلبية من موظفي النقل، بينما قال أكثر من ربع المشاركين إن الخدمات غير موجودة أصلًا في مناطقهم.
أكدت المسؤولة في هيئة النقل الحضري بمدينة برشلونة الإسبانية، آنا فيتز، أن إمكانية الوصول ليست خدمة اختيارية أو تحسينًا ثانويًا، بل حقاً من حقوق الإنسان تكفله اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
وأضافت أن حرمان شخص من استخدام الحافلات أو القطارات أو المترو بسبب العوائق العمرانية لا يعني فقط فشل رحلة يومية، بل يعني تقييد حقوق أخرى تشمل التعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة السياسية والحياة الثقافية.
لفت التقرير إلى أن الاستثمار في النقل الميسر يحقق أيضًا فوائد اقتصادية مباشرة، ففي المملكة المتحدة، شجعت التحسينات الخاصة بسهولة الوصول في محطات السكك الحديدية أكثر من ثلث مستخدمي الكراسي المتحركة على السفر بوتيرة أكبر، بينما بلغ متوسط العائد الاقتصادي 2.40 دولار لكل دولار تم إنفاقه على هذه التعديلات.
السكن بوابة العزلة
سلط تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الضوء على أزمة السكن غير المهيأ باعتبارها أحد أخطر أشكال الإقصاء الخفي للأشخاص ذوي الإعاقة.
وأوضح التقرير أن 11% من الأشخاص ذوي الإعاقة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يعانون من أعباء نفقات السكن، مقارنة بـ9% من غير ذوي الإعاقة.
أشار التقرير إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية والحسية والمعرفية يحتاجون إلى عناصر أساسية داخل المنازل، مثل الإضاءة المناسبة والتصميمات المراعية للمس واللافتات الواضحة والأجهزة سهلة الاستخدام، لكن هذه العناصر غالبًا ما تكون غائبة.
وبين أن دمج معايير الوصول منذ مرحلة التصميم لا يزيد تكلفة البناء إلا بنحو 1% فقط، بينما قد ترتفع الكلفة إلى أكثر من 5% إذا أُضيفت التعديلات بعد انتهاء البناء.
وحذّرت القاضية في المحكمة الدستورية الكولومبية، ناتاليا أنجيل كابو، من أن البنية التحتية غير المهيأة قد تتحول إلى سبب مباشر لإيداع الأشخاص ذوي الإعاقة في المؤسسات والرعاية المغلقة.
وقالت إن الشخص الذي لا يستطيع مغادرة منزله بأمان أو الوصول إلى وسائل النقل أو الخدمات الأساسية سيصبح أكثر اعتمادًا على الآخرين، وهو ما يقود في كثير من الأحيان إلى العزل المؤسسي بدلًا من توفير دعم مجتمعي حقيقي.
وكشفت تقديرات المفوضية الأوروبية، التي أوردها التقرير، أن أكثر من مليون شخص من ذوي الإعاقة دون سن 65 عامًا، إضافة إلى مليوني شخص فوق هذا العمر، يعيشون داخل مؤسسات في أنحاء الاتحاد الأوروبي، وخلص التقرير إلى أن السبب لا يرتبط بالإعاقة نفسها، بل بغياب الدعم المجتمعي والسكن والنقل الميسرين.
ودعت القاضية ناتاليا أنجيل كابو إلى التعامل مع التخطيط الحضري وتصميم المساكن والنقل الميسر باعتبارها أدوات لحماية الحق في الاستقلالية والعيش داخل المجتمع، مؤكدة أن “كل عائق يُزال يقلل من الاعتماد على الآخرين، وكل طريق ميسر يعزز الاستقلالية”.
كما تناول التقرير كذلك التأثير المضاعف للإقصاء على النساء والفتيات ذوات الإعاقة، موضحًا أنهن أكثر عرضة للمضايقات في وسائل النقل، وأكثر مواجهة لصعوبات العثور على مأوى ميسر عند الهروب من العنف المنزلي، فضلًا عن تعرضهن للتمييز من ملاك العقارات.
أظهر التقرير، على سبيل المثال، أن 60% فقط من النساء ذوات الإعاقة في أستراليا قادرات على استخدام وسائل النقل العام دون صعوبة، مقارنة بـ66% من الرجال ذوي الإعاقة، وهي فجوة وصفها التقرير بأنها تتراكم عبر سنوات من التنقل اليومي.
من الإقصاء إلى التمكين
استعرضت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نماذج من تجارب دولية حاولت تحويل البنية التحتية إلى أداة للاندماج بدلًا من التهميش، ففي مدينة بيشاور الباكستانية، أدى إشراك منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة في تصميم نظام النقل السريع بالحافلات إلى رفع نسبة استخدام النساء للنظام من 2% إلى 30% بعد توفير المنحدرات والأرصفة المهيأة والمعلومات السمعية والبصرية.
وأبرز التقرير تجربة مدينة ساو باولو البرازيلية، حيث تنقل خدمة “أتيندي+” أكثر من 1.7 مليون راكب سنويًا عبر أسطول يضم أكثر من 600 مركبة مهيأة، بما في ذلك مركبات مخصصة للمصابين بالتوحد.
كما أشار التقرير إلى تجربة أيسلندا التي تسمح للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية باستخدام سيارات الأجرة بسعر يعادل أجرة الحافلات، وإلى سياسة “السكن أولًا” في فنلندا التي تضمن عقود إيجار دائمة مدعومة بخدمات اجتماعية مرنة.
وفي إفريقيا، تناولت صحيفة “ذا هيرالد” الزيمبابوية قضية تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة عبر برامج الخروج من دائرة الفقر، مؤكدة أن الفقر والإعاقة يتقاطعان بصورة تجعل الأشخاص ذوي الإعاقة بين أكثر الفئات تعرضًا للتهميش الاقتصادي والاجتماعي.
وأوضحت الصحيفة أن برامج “الخروج من دائرة الفقر”، التي بدأت في بنغلاديش عام 2002، تعتمد على توفير الأصول الإنتاجية والتدريب والشمول المالي والدعم المعيشي المؤقت، بهدف مساعدة الأسر على الانتقال من الاعتماد إلى الاكتفاء الذاتي.
وأشارت إلى أن إدماج ذوي الإعاقة داخل هذه البرامج أصبح أكثر حضورًا في دول مثل زيمبابوي وإثيوبيا، عبر توفير الكراسي المتحركة وأجهزة السمع ومواد التدريب بلغة الإشارة وموارد برايل، بما يسمح للمشاركين باستخدام الموارد والحفاظ على سبل عيشهم.
ولفتت الصحيفة إلى أن هذه البرامج لا تقتصر على الدعم الاقتصادي فقط، بل تستهدف أيضًا مواجهة الوصم الاجتماعي، من خلال تدريب مرشدين مجتمعيين وتنظيم حملات توعية ومجموعات دعم متبادل.
وأكدت الصحيفة أن النساء ذوات الإعاقة يواجهن أشكالًا مركبة من التمييز المرتبط بالإعاقة والنوع الاجتماعي والثقافة، لكن البرامج الشاملة بدأت تمنحهن فرصًا جديدة للقيادة والمشاركة الاقتصادية.
اختتمت إستر ناجيتي حديثها بالتأكيد على أن المجتمعات التي تبني دون مراعاة لإمكانية الوصول إنما “تخطط للتمييز والفصل والتهميش”، مضيفة أن التصميم الشامل لا يبني طرقًا ومباني فقط، بل “يبني الكرامة والاستقلالية والمساواة”.
