أعادت واقعة مهاجمة جندي سابق في الجيش الأمريكي مبنى فيدراليًا في مانهاتن بمدينة نيويورك، تسليط الضوء على حق المدنيين، وبينهم المهاجرون، في الوصول الآمن إلى المؤسسات القضائية والخدمية بعيدًا عن أعمال العنف.
ووفقا لصحيفة “واشنطن بوست” أسفر الهجوم عن إصابة ثلاثة أشخاص بجروح طفيفة، بينهم مهاجر كان يحضر جلسة استماع داخل المبنى، كما أدى إلى إلغاء حفل تجنيس كان مقررًا في اليوم نفسه.
وفتحت السلطات الفيدرالية تحقيقًا في الحادث الذي استهدف مبنى يضم عددًا من الوكالات الفيدرالية، بينها مكاتب وزارة الأمن الداخلي، في ظل استمرار الجدل حول سياسات الترحيل الجماعي التي تنفذها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأوضح مساعد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي في نيويورك، جيمس بارناكل، خلال مؤتمر صحفي، أن المشتبه به، أندرو أراباكا، البالغ من العمر 43 عامًا، اقترب صباح الاثنين من المبنى الواقع في 26 فيدرال بلازا، وكان يحمل بندقيتين هوائيتين ومطرقة وسكينًا كبيرًا وثلاث سكاكين، قبل أن يفجر ألعابًا نارية ثم يسكب البنزين لإشعال حريق باستخدام عبوة حارقة.
أكد بارناكل أن عناصر شركة أمن خاصة تعمل داخل المبنى تمكنوا من السيطرة على أراباكا سريعًا وإلقاء القبض عليه، مشيرًا إلى إصابة اثنين من أفراد الأمن، إضافة إلى مدني، بجروح طفيفة خلال الهجوم وعملية التوقيف.
لفت مساعد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن المشتبه به كان “يستهدف ذلك المبنى” الذي يشهد دخول وخروج موظفين فيدراليين ومدنيين بشكل يومي، وهو ما دفع السلطات إلى التعامل مع الواقعة باعتبارها استهدافًا مباشرًا لمرفق فيدرالي يشهد حركة مستمرة للمراجعين والعاملين.
قال نائب المدعي العام الأمريكي للمنطقة الجنوبية من نيويورك، جيمس إم. ماكدونالد، إن النيابة العامة لا تزال تدرس التهم التي ستوجه إلى أراباكا، في وقت تواصل فيه الأجهزة الأمنية جمع الأدلة المتعلقة بالواقعة.
وقع الهجوم داخل مبنى يضم عددًا من الوكالات الفيدرالية، من بينها مكاتب وزارة الأمن الداخلي، وخلال العام الماضي تحوّل المبنى إلى موقع متكرر للاحتجاجات والاشتباكات، مع قيام عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية باعتقال مهاجرين غير نظاميين أثناء حضورهم جلسات أمام المحكمة، بحسب ما أوردته الصحيفة.
تصاعد استهداف المهاجرين
جاء الهجوم بعد واقعتين سابقتين استهدفتا مرافق تابعة لهيئة الهجرة والجمارك الأمريكية، بالتزامن مع استمرار تنفيذ عمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين التي أطلقتها إدارة ترامب.
أسفر إطلاق نار خارج مركز احتجاز تابع للهيئة في ألفارادو بولاية تكساس، خلال يوليو الماضي، عن إصابة ضابط شرطة، بينما شهد مركز احتجاز تابع للهيئة في مدينة دالاس، بعد نحو شهرين، هجومًا مسلحًا أدى إلى مقتل أحد المحتجزين وإصابة اثنين آخرين بجروح خطيرة، فيما قال مسؤولون آنذاك إن منفذ الهجوم كان ينوي استهداف مسؤولي هيئة الهجرة والجمارك.
وصف مسؤولون في إنفاذ القانون الفيدرالي أراباكا بأنه “مثير شغب مناهض لإدارة الهجرة والجمارك”، بينما أوضح بارناكل أن المشتبه به كان يدفع عربة تحمل لافتة كتب عليها “أخرجوا إدارة الهجرة والجمارك من شوارعنا”، في تعبير عن معارضته للهيئة.
أظهرت صور التقطت خارج المبنى أحد عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي وهو يفتش العربة التي حملت تلك اللافتة، في حين قال بارناكل إن أراباكا أدلى أيضًا بتصريحات وصفها بأنها “مسيئة” لهيئة الهجرة والجمارك أثناء القبض عليه.
أشار مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن أراباكا خدم في الجيش الأمريكي بين عامي 2001 و2005 بصفة فني ميكانيكي لأنظمة صواريخ باتريوت، قبل أن يغادر الخدمة العسكرية.
أظهر مقطع فيديو نشرته قناة “فريدوم نيوز” المستقلة على مواقع التواصل الاجتماعي لحظات اعتقال المشتبه به وسط تصاعد الدخان من جانب المبنى، بينما أحاطت القوات الأمنية بالموقع بعد السيطرة على الحريق.
أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي في نيويورك، في بيان، أن فرقة العمل المشتركة لمكافحة الإرهاب تولت التحقيق في الحادث، فيما قال متحدث باسم وزارة الأمن الداخلي إن المحققين عثروا خلال إجراءات التحقيق على ما يُحتمل أن يكون بيانًا مرتبطًا بالواقعة.
تحقيقات وملاحقات
كشفت مفوضة شرطة نيويورك، جيسيكا تيش، أن الشرطة قدمت الدعم للسلطات الفيدرالية من خلال استخدام شبكة المراقبة المنتشرة في المدينة لتتبع تحركات أراباكا خلال الساعات التي سبقت تنفيذ الهجوم.
ووفق ما أوردته أسوشيتد برس، أوضحت تيش أن الشرطة عثرت على سيارة المشتبه به متوقفة في شارع 124 غربًا بمنطقة هارلم، بينما تشير التحقيقات إلى أنه استقل مترو الأنفاق إلى مانهاتن السفلى مساء الأحد، قبل ساعات من تنفيذ الهجوم.
وصل أراباكا، وفقًا للتحقيقات، إلى المبنى الفيدرالي قرابة الساعة 8:30 صباحًا مرتديًا خوذة عسكرية، ثم أشعل ألعابًا نارية قبل أن يخرج مسدسًا هوائيًا ويطلق عدة طلقات باتجاه المبنى.
أضافت مفوضة الشرطة أن المشتبه به أحضر بعد ذلك دلوًا يشتبه في احتوائه على البنزين، ثم أشعل النار أمام المبنى، قبل أن يتمكن رجلا الأمن من السيطرة عليه إلى حين وصول عناصر الشرطة.
تدفق ضباط شرطة مدينة نيويورك إلى المنطقة عقب تلقي بلاغ عن وجود شخص مسلح داخل المبنى، بينما استكملت الأجهزة الأمنية عمليات تأمين الموقع وإخلاء المناطق المحيطة.
ذكر مساعد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، جيمس بارناكل، أن أراباكا كانت له مواجهتان سابقتان مع سلطات إنفاذ القانون، إلا أنه امتنع عن تقديم تفاصيل بشأنهما، مكتفيًا بالقول إنهما “لم تكونا شيئًا يصل إلى هذا الحد”.
واصلت معظم الوكالات العاملة داخل المبنى الفيدرالي أعمالها وفق جدولها المعتاد بعد انتهاء الحادث، غير أن السلطات ألغت حفل التجنيس الذي كان مقررًا عقده في المبنى يوم الاثنين.
أكد بارناكل أن المدني الذي أصيب خلال الهجوم كان مهاجرًا حضر إلى المبنى للمشاركة في جلسة استماع، واصفًا إصابته بأنها “أمر مؤسف للغاية ومثير للسخرية في الوقت نفسه”، في واقعة سلّطت الضوء على تأثر المراجعين والمتقاضين بالعنف الذي استهدف مرفقًا فيدراليًا مخصصًا لتقديم الخدمات والإجراءات القانونية.
