شهد مجلس حقوق الإنسان نقاشاً واسعاً بين عدد من الدول حول مشروع قرار بعنوان “دور الدول في مكافحة الأثر السلبي للتضليل الإعلامي على التمتع بحقوق الإنسان”، حيث تباينت المواقف بين دعم واسع يؤكد ضرورة التصدي للتضليل الإعلامي، وتحفظات ترى ضرورة إعادة ضبط التوازن بين مكافحة المعلومات المضللة وحماية حرية التعبير.
وأكدت عدة دول خلال الجلسة التي عقدت ضمن فعاليات الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف، أن التضليل الإعلامي لم يعد مجرد إشكال معلوماتي، بل أصبح عاملاً مؤثراً على التمتع بحقوق الإنسان، حيث يسهم في تقويض الثقة بالمؤسسات، وتعميق الاستقطاب المجتمعي، وتغذية خطاب الكراهية والتمييز، وقد يمتد أثره في بعض الحالات إلى العنف وعدم الاستقرار الاجتماعي.
وشددت هذه الدول على أن التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية زادت من تعقيد الظاهرة، وجعلت من الصعب التمييز بين المحتوى الحقيقي والمضلل، بما يفرض استجابات دولية أكثر تنسيقاً وفعالية.
مقاربة دولية متوازنة
أجمعت مداخلات عدة دول على أن مواجهة التضليل الإعلامي يجب أن تتم وفق مقاربة متوازنة، تضمن حماية الفضاء الرقمي دون المساس بالحقوق الأساسية، وعلى رأسها حرية التعبير وحرية الإعلام والمشاركة العامة.
وأكدت هذه الدول أن أي إجراءات لمكافحة التضليل يجب أن تلتزم بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، وألا تتحول إلى أداة لتقييد المعارضين أو التضييق على المجتمع المدني أو الإعلام المستقل.
كما شددت على أهمية إشراك شركات التكنولوجيا ومطوري المنصات الرقمية في تحمل مسؤولياتهم، من خلال تطوير أدوات لرصد المحتوى المضلل وتعزيز بيئة رقمية أكثر أماناً وموثوقية.
مخاوف من تقييد حرية التعبير
حذرت بعض المداخلات من أن مكافحة التضليل الإعلامي قد تُستخدم في بعض السياقات كذريعة لتقييد حرية الرأي والتعبير أو تقليص مساحة الفضاء المدني.
وأشارت هذه الدول إلى أن منظمات المجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان قد يكونون عرضة للاستهداف، سواء عبر حملات تشويه رقمية أو عبر إجراءات قانونية أو سياسية مقيدة.
وشددت على أن أي إطار لمكافحة التضليل يجب أن يضمن حماية هذه الفئات، وأن يعزز الوصول إلى المعلومات الموثوقة بدلاً من تقييده.
وتطرقت المداخلات إلى دور التقنيات الحديثة، خاصة الذكاء الاصطناعي، في تشكيل المشهد الإعلامي الرقمي، حيث يمكن أن يسهم في تعزيز الوصول إلى المعلومات، لكنه في الوقت نفسه قد يُستغل في إنتاج وتضخيم المحتوى المضلل.
وحذرت دول من أن هذه التطورات قد تؤدي إلى زيادة التهميش والتمييز إذا لم يتم وضع أطر تنظيمية واضحة تضمن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
دعم واسع وتحفظات سياسية
أعلنت عدة دول، من بينها مصر وغامبيا وجمهورية كوريا وإستونيا، دعمها لمشروع القرار، معتبرة أنه يمثل خطوة مهمة في التعامل مع تحدٍ عالمي متصاعد يمس حقوق الإنسان والاستقرار المجتمعي.
وأكدت هذه الدول أهمية استمرار التعاون الدولي في هذا المجال، وتعزيز بناء القدرات، ودعم الإعلام المسؤول ومحو الأمية الإعلامية، خصوصاً في الدول النامية.
في المقابل، أعربت الصين عن تحفظها على مشروع القرار، معتبرة أنه لا يحقق التوازن المطلوب بين حرية التعبير ومكافحة التضليل الإعلامي، ولا يتناول الأسباب الجذرية للظاهرة، معلنة عدم انضمامها إلى توافق الآراء بشأنه.
نحو إطار دولي أكثر توازناً
خلصت المناقشات إلى وجود توافق واسع على خطورة التضليل الإعلامي كتهديد عالمي لحقوق الإنسان، مقابل استمرار الخلاف حول حدود التدخل التنظيمي للدول وكيفية ضمان عدم تحول مكافحة التضليل إلى أداة للحد من الحريات الأساسية.
ويعكس هذا الجدل المتصاعد الحاجة إلى إطار دولي أكثر شمولاً وتوازناً، يضمن حماية الحق في المعلومات، ويعزز الشفافية الرقمية، ويحافظ في الوقت نفسه على حرية التعبير باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية لحقوق الإنسان.
