دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى زيادة الاستثمارات في القطاع الصحي، وتعزيز التمويل العام للرعاية الصحية، وضمان وصول الجميع إلى الخدمات الصحية الأساسية دون تمييز، مؤكدة أن الحق في الصحة لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تعاون دولي أوسع، وحماية المرافق والعاملين الصحيين أثناء النزاعات، وتقليص الفجوة الرقمية، ونقل التكنولوجيا، وإصلاح النظام المالي العالمي بما يتيح للدول توفير الموارد اللازمة للاستثمار في الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، إلى جانب توسيع برامج التعاون التقني وبناء القدرات باعتبارها إحدى أهم أدوات تنفيذ الحق في الصحة.
جاءت هذه الدعوات ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع الثامن والعشرين، الذي خُصص لعقد الحلقة النقاشية السنوية المواضيعية بشأن التعاون التقني وبناء القدرات في مجال الصحة، تنفيذًا لقرار مجلس حقوق الإنسان (60/13)، تحت عنوان “التعاون التقني وبناء القدرات لدعم الدول في الإعمال الكامل والفعال لحق كل شخص في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية”.
وشارك في الحلقة مسؤولون أمميون، وممثلون عن الحكومات والمنظمات الدولية، وخبراء في مجالات الصحة وحقوق الإنسان، لبحث سبل تعزيز النظم الصحية وترسيخ الحق في الصحة باعتباره أحد الحقوق الأساسية للإنسان.
وأكدت نائبة المفوض السامي لحقوق الإنسان، آوا دابو، أن الرعاية الصحية ليست مجرد خدمة اجتماعية أو خيار سياسي، وإنما حق قانوني ملزم يقع على عاتق الدول، باعتباره مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالحق في الحياة والعمل والكرامة الإنسانية.
وأوضحت أن الصحة تمثل منفعة عامة عالمية، وأن متانة النظم الصحية أصبحت عنصرًا رئيسيًا في تحقيق التماسك الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي، خاصة في ظل عالم تنتشر فيه الأمراض والأوبئة بسرعة غير مسبوقة.
تقليص الإنفاق على الصحة
أشارت آوا دابو، إلى أن منظمة الصحة العالمية تقدر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الاكتئاب والقلق وحدهما بنحو تريليون دولار سنويًا نتيجة انخفاض الإنتاجية، معتبرة أن استمرار تقليص الإنفاق على الصحة يمثل مفارقة مقلقة، في وقت لا يزال فيه أكثر من نصف سكان العالم يفتقرون إلى الخدمات الصحية الأساسية، بينما يتباطأ التقدم نحو تحقيق التغطية الصحية الشاملة بالوتيرة المطلوبة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030.
وأضافت أن الفقر واتساع فجوات عدم المساواة داخل الدول وفيما بينها يظلان السبب الرئيس في هذا التراجع، وهو ما يدفع ملايين الأسر إلى الاختيار بين العلاج وتأمين احتياجاتها المعيشية، في حين يتحمل أكثر من ملياري شخص أعباء مالية مباشرة نتيجة الإنفاق على الرعاية الصحية، بينما تبقى الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأقليات والمهاجرين والأشخاص ذوي الإعاقة والفقراء، الأقل قدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية.
وتناولت تأثير النزاعات المسلحة على القطاع الصحي، مشيرة إلى أن الهجمات على المستشفيات والعاملين الصحيين والبنية التحتية الطبية أصبحت أكثر تكرارًا، وسط تراجع واضح في مستويات المساءلة، الأمر الذي يهدد الأمن الصحي العالمي.
واستشهدت بما تشهده كوبا من نقص في الأدوية والمعدات الطبية، إلى جانب تأثير تغير المناخ في تعطيل الخدمات الصحية وظهور الأمراض في مناطق جديدة نتيجة الظواهر الجوية المتطرفة.
طفرة في الابتكار الطبي
في المقابل، أكدت أن العالم يشهد طفرة كبيرة في الابتكار الطبي، مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، والطب عن بعد، والعلاجات الحديثة، إلا أن الاستفادة من هذه الإنجازات لا تزال غير متكافئة بسبب سوء توزيع الموارد واختلال الأولويات، مؤكدة أن توفير الرعاية الصحية الأساسية في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل هدف قابل للتحقيق إذا توفرت الإرادة السياسية والتمويل الكافي.
ووجهت نائبة المفوض السامي رسالتين رئيسيتين إلى الدول؛ الأولى ضرورة زيادة الاستثمار في الصحة، وتعزيز التمويل العام، وضمان وصول الجميع إلى الخدمات الصحية الأساسية، مع إشراك المجتمعات المحلية في تصميم السياسات الصحية، بما يجعل الأنظمة الصحية أكثر عدالة ومواءمة لاحتياجات السكان، إضافة إلى التصدي للمعلومات الطبية المضللة التي تهدد الصحة العامة.
أما الرسالة الثانية، فتمثلت في الدعوة إلى تعزيز التضامن الدولي لحماية الحق في الصحة، من خلال تكثيف الضغوط الدبلوماسية لضمان احترام جميع أطراف النزاعات للمرافق الصحية، وتحسين آليات توثيق الهجمات عليها، وتعزيز التعاون بين الجهات الإنسانية والصحية والحقوقية، إلى جانب سد الفجوة الرقمية، وزيادة نقل التكنولوجيا وتقاسم المعرفة، وإصلاح النظام المالي الدولي لتخفيف أعباء الديون عن الدول بما يسمح بتوسيع الإنفاق على الصحة والتعليم.
واستعرضت دابو نماذج من برامج التعاون التقني التي تنفذها المفوضية، ومنها دعم حصول النساء المهمشات في نيبال على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، وإصلاح نظام الصحة النفسية في الجبل الأسود، وإدماج حقوق كبار السن في السياسات الصحية بمولدوفا، إضافة إلى العمل مع أكثر من 35 حكومة على تطوير سياسات اقتصادية قائمة على حقوق الإنسان تضع الحق في الصحة في صميم التشريعات والبرامج الوطنية.
تطوير القطاع الصحي
من جانبه، استعرض الممثل الدائم لسيراليون لدى الأمم المتحدة تجربة بلاده في تطوير القطاع الصحي من خلال التعاون التقني، مؤكدًا أن نجاح الإصلاحات ارتبط بالملكية الوطنية للبرامج الصحية والاستجابة لاحتياجات المواطنين.
وأوضح أن سيراليون تمكنت خلال السنوات الأربع الماضية من إنشاء أكثر من 200 مرفق جديد للرعاية الصحية الأولية والثانوية، وزيادة عدد الأطباء بنسبة 300%، إلى جانب نشر 500 عامل صحي مجتمعي لتقريب الخدمات من السكان.
وأشار إلى أن توفير الرعاية الصحية المجانية للحوامل والمرضعات والأطفال دون الخامسة أسهم في تحسين المؤشرات الصحية، حيث انخفض معدل وفيات الأمهات إلى 354 حالة لكل مائة ألف ولادة حية عام 2023، كما تراجع معدل وفيات الأطفال دون الخامسة بأكثر من 30%، مؤكدًا أن الحكومة تعتزم مواصلة زيادة الإنفاق المحلي على الصحة وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي.
بدورها، أكدت ميشيل ريمي، مديرة مجموعة حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي والإنصاف في الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، أن عدم التمييز يمثل حجر الأساس في ضمان الحق في الصحة، محذرة من أن الوصم والتمييز وخطابات الكراهية أصبحت تمثل عائقًا رئيسيًا أمام حصول الفئات الأكثر تهميشًا على الخدمات الصحية.
وأوضحت أن الصندوق العالمي استثمر أكثر من 300 مليون دولار منذ عام 2017 لإزالة العوائق المرتبطة بحقوق الإنسان أمام الحصول على الخدمات الصحية، من خلال برامج مكافحة الوصم والتمييز، والتوعية القانونية، وتحسين الوصول إلى العدالة، ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، ودعم الإصلاحات التشريعية والسياساتية.
وأضافت أن بناء القدرات لا يقتصر على تنظيم الدورات التدريبية، وإنما يشمل مرافقة الحكومات والعاملين الصحيين والمجتمعات المحلية خلال مراحل التنفيذ، بما يضمن تقديم خدمات صحية أكثر احترامًا لحقوق الإنسان وخالية من التمييز، مستعرضة تجارب ناجحة في سيراليون وتايلاند وأوكرانيا وهندوراس وإندونيسيا، حيث ساعدت هذه البرامج على تعزيز الشراكة بين الحكومات والمجتمعات المحلية وتحسين جودة الخدمات الصحية.
أزمة صحية عالمية
في رسالة مصوّرة، حذّر المدير التنفيذي لمنظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان”، سام زريفي، من أن العالم يواجه أزمة صحية عالمية معقدة تتداخل فيها النزاعات المسلحة مع النزوح وتراجع التمويل الصحي العالمي وتآكل قواعد القانون الدولي الإنساني، وهو ما ينذر بتفشي الأمراض المعدية على نطاق واسع.
وأشار إلى أن منظمته وثّقت، مع شركائها، أكثر من 18 ألف حادثة اعتداء على الرعاية الصحية منذ عام 2016 شملت تدمير نحو خمسة آلاف مستشفى وعيادة ومقتل قرابة أربعة آلاف من العاملين الصحيين، معتبرًا أن تفشي الإيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يمثل مثالًا واضحًا على تداعيات هذه الهجمات.
وأكد أن حماية المرافق الصحية تتطلب تحويل القواعد القانونية إلى إجراءات عملية داخل العقائد العسكرية، وتعزيز آليات المساءلة، ودعم سلطات التحقيق والعدالة الانتقالية، مع ضرورة إدراج الآثار الصحية بعيدة المدى ضمن تقييم العمليات العسكرية، بما يشمل انقطاع العلاج، والأضرار التي تلحق بالنساء الحوامل وحديثي الولادة، والأشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السن، والمرضى المزمنين.
واستشهد زريفي بما وثّقته المنظمة في أوكرانيا من أكثر من ثلاثة آلاف هجوم على الرعاية الصحية، إلى جانب الانتهاكات التي طالت القطاع الصحي في سوريا وغزة، حيث أدى تدمير المستشفيات والبنية التحتية الصحية وعرقلة وصول الإمدادات الطبية إلى تفاقم معاناة المدنيين، خاصة النساء والأطفال والفئات الأكثر ضعفًا.
واختتمت الحلقة النقاشية بالتأكيد على أن التعاون التقني وبناء القدرات يمثلان ركيزة أساسية لإعمال الحق في الصحة، وأن تحقيق التغطية الصحية الشاملة يتطلب استثمارات مستدامة، وشراكات دولية أوسع، وتعزيز العدالة في توزيع الموارد، وحماية الأنظمة الصحية من آثار النزاعات والأزمات الاقتصادية، بما يضمن بناء مجتمعات أكثر عدالة وقدرة على الصمود، ويجعل الحق في الصحة واقعًا ملموسًا لجميع البشر دون تمييز.
