اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خلال أعمال دورته الثانية والستين في جنيف، مشروع القرار المعنون “القضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات وتحقيق المساواة في نظم الرعاية والدعم” بتوافق الآراء، بعد جلسة شهدت نقاشات مطولة وخلافات حادة حول عدد من المفاهيم المتعلقة بالنوع الاجتماعي، والصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، والتثقيف الجنسي الشامل.
وجاء اعتماد القرار بعد إسقاط سلسلة من التعديلات التي تقدمت بها كل من روسيا وباكستان، في حين أكدت غالبية الدول أن النص يعكس تطوراً في مقاربة حقوق الإنسان تجاه قضايا الرعاية والعمل غير المأجور الذي تتحمله النساء، في حين رأت دول أخرى أن بعض المصطلحات الواردة فيه تتجاوز ما تم الاتفاق عليه دولياً.
قرار يربط بين الرعاية والمساواة
قدمت المكسيك، إلى جانب إسبانيا وآيسلندا، مشروع القرار بوصفه خطوة جديدة نحو تعزيز حقوق النساء والفتيات، وربط قضية القضاء على التمييز ضد المرأة بمنظومات الرعاية والدعم، باعتبارها إحدى القضايا الأكثر تأثيراً في تحقيق المساواة بين الجنسين.
وأكدت المكسيك أن أنظمة الرعاية تشكل أحد أعمدة المجتمعات والاقتصادات الحديثة، إلا أن النساء والفتيات ما زلن يتحملن النصيب الأكبر من أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير مدفوع الأجر، الأمر الذي ينعكس سلباً على فرصهن في التعليم والعمل والمشاركة الاقتصادية والسياسية.
وشددت على أن القرار يدعو إلى بناء أنظمة رعاية مستدامة تستند إلى حقوق الإنسان، وتوزيع أكثر عدالة لمسؤوليات الرعاية، مع تشجيع الحكومات والقطاع الخاص على الاستثمار في هذا المجال.
ثماني جولات تفاوض
من جانبها، أوضحت إسبانيا أن النص النهائي جاء بعد ثماني جولات من المشاورات غير الرسمية، إلى جانب عشرات اللقاءات الثنائية مع الوفود المختلفة في مجلس حقوق الإنسان، بهدف الوصول إلى صياغة تحظى بأوسع توافق ممكن.
وأكدت أن الدول الراعية أخذت في الاعتبار مختلف الملاحظات، وعملت على معالجة الهواجس التي أثيرت خلال المفاوضات، لكنها أعربت عن أسفها لطرح تعديلات في اللحظات الأخيرة، معتبرة أن ذلك يهدد التوافق الذي تحقق خلال أشهر من الحوار.
وأضافت أن القرار لا يتعلق بدولة بعينها، بل بقضية عالمية ترتبط مباشرة بأهداف التنمية المستدامة وبحقوق الإنسان، داعية جميع الدول إلى الحفاظ على وحدة الموقف داخل المجلس.
روسيا: النص يتجاوز الاتفاقيات الدولية
الاتحاد الروسي أبدى اعتراضاً واسعاً على مضمون القرار، معتبراً أن النص لا يعكس مواقف عدد كبير من الدول، ويتضمن مفاهيم لم تحظَ بتوافق دولي.
وقال الوفد الروسي في مجلس حقوق الإنسان إن بلاده تؤيد مكافحة جميع أشكال التمييز ضد المرأة، لكنها ترفض استبدال مفهوم “التمييز على أساس الجنس” بمفهوم “التمييز القائم على النوع الاجتماعي”، معتبرة أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تشير صراحة إلى التمييز على أساس الجنس.
وطالبت موسكو باستبدال المصطلحات المتعلقة بالنوع الاجتماعي، كما اقترحت توسيع مفهوم الرعاية الصحية ليشمل جميع الخدمات الصحية، وليس الاقتصار على الصحة الجنسية والإنجابية.
ورأت أن النص الحالي يضيق مفهوم الرعاية الصحية، ويتجاهل احتياجات صحية أخرى تدخل ضمن منظومة الحماية الاجتماعية.
التعاون الإسلامي: مراعاة الخصوصيات الثقافية
بدورها، أعلنت باكستان، متحدثة باسم منظمة التعاون الإسلامي، دعمها الكامل للقضاء على التمييز ضد النساء والفتيات، لكنها اعتبرت أن القرار يتضمن مفاهيم لا تراعي التنوع الثقافي والديني بين الدول.
وأكدت أن المنظمة قدمت ثلاثة تعديلات تتعلق بالتعليم والصحة الجنسية والإنجابية، استناداً إلى الصياغات الواردة في إعلان ومنهاج عمل بكين، وكذلك برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية.
وأضافت أن المنظمة لا تسعى إلى عرقلة اعتماد القرار، لكنها تأمل أن تعتمد المفاوضات المقبلة لغة توافقية تحظى بإجماع الدول، بدلاً من استخدام مصطلحات تثير الانقسام.
رفض التعديلات
في المقابل، أعلنت آيسلندا، باسم مجموعة النواة، رفضها جميع التعديلات المطروحة، معتبرة أنها تهدف إلى إضعاف المعايير التي سبق أن اعتمدها مجلس حقوق الإنسان بشأن حقوق النساء والفتيات.
وأكدت أن النص الحالي يستند إلى لغة سبق اعتمادها في قرارات المجلس، وأن أي تعديل من شأنه تقويض المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية.
وبعد التصويت، رفض المجلس التعديل الروسي رقم 38 الخاص باستبدال مفهوم “النوع الاجتماعي” بمفهوم “الجنس”، كما أسقط التعديل المتعلق بحذف الإشارات إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية.
كذلك رفض المجلس التعديل المتعلق بحذف عبارة “التثقيف الجنسي الشامل”، بعد أن دافعت عنه دول أوروبية باعتباره جزءاً من الحقوق الأساسية للشباب.
فرنسا: إنكار النوع الاجتماعي يعني إنكار الواقع
وشهدت الجلسة واحدة من أكثر المناقشات حدة عندما دافعت فرنسا عن الإبقاء على مفهوم “النوع الاجتماعي”.
وأكد الوفد الفرنسي أن الصكوك الدولية، ومنها أهداف التنمية المستدامة، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتفسيرات لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، تعترف جميعها بمفهوم النوع الاجتماعي باعتباره جزءاً من منظومة مكافحة التمييز.
وأوضح أن “الجنس” يشير إلى الخصائص البيولوجية، في حين يعبر “النوع الاجتماعي” عن الأدوار الاجتماعية والثقافية التي تؤدي إلى استمرار التمييز ضد النساء.
وشددت فرنسا على أن إنكار مفهوم النوع الاجتماعي يعني تجاهل الأسباب الاجتماعية التي تكرس عدم المساواة، داعية الدول إلى رفض التعديل الروسي، وهو ما حدث بالفعل.
الاتحاد الأوروبي: الاستثمار في اقتصاد الرعاية ضرورة
من جهته، أكد الاتحاد الأوروبي أن النساء ما زلن يتحملن بصورة غير متناسبة أعباء الرعاية والعمل المنزلي غير مدفوع الأجر، وهو ما يقلص فرصهن في التعليم والعمل والاستقلال الاقتصادي.
وأشار إلى أن الاستثمار في اقتصاد الرعاية يمثل أحد أهم الأدوات لتحقيق المساواة، وإزالة الحواجز الاجتماعية التي تعوق مشاركة النساء في الحياة العامة.
كما أشاد الاتحاد الأوروبي بقرار دمج مساري القضاء على التمييز ضد المرأة ونظم الرعاية والدعم في قرار واحد، معتبراً أن ذلك يعزز كفاءة عمل المجلس.
اليابان: الرعاية مسؤولية المجتمع
وأعربت اليابان عن دعمها الكامل للقرار، مؤكدة أن تعزيز حقوق النساء والفتيات أصبح ضرورة لمواجهة التحديات الديموغرافية التي تعيشها البلاد، وفي مقدمتها انخفاض معدلات المواليد.
وأشارت إلى أنها اتخذت إجراءات عديدة لإعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة، وتوسيع إجازات الأبوة، وتشجيع مشاركة الرجال في مسؤوليات الرعاية، معتبرة أن حماية المرأة ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية المجتمع بأسره.
الصين: لكل دولة خصوصيتها
أما الصين، فأكدت أنها حققت تقدماً كبيراً في مجال حقوق المرأة، لكنها شددت على ضرورة مراعاة الظروف الوطنية المختلفة عند تنفيذ الالتزامات الدولية.
وأوضحت أن لكل دولة أولوياتها وظروفها الاجتماعية والثقافية، وأن السياسات المتعلقة بحقوق المرأة ينبغي أن تراعي هذه الاختلافات.
ورغم ذلك، أعلنت بكين انضمامها إلى توافق الآراء بعد الأخذ بملاحظاتها خلال المفاوضات.
كوبا: الاعتراف بقيمة العمل المنزلي
وأكدت كوبا أن النساء يقمن بمعظم أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير المأجور حول العالم، مشيرة إلى أن قانون الأسرة الكوبي يعترف بهذه الأعمال بوصفها ذات قيمة اقتصادية واجتماعية.
وأوضحت أن بلادها تمتلك منظومة وطنية للرعاية تهدف إلى توزيع الأعباء بصورة أكثر عدالة، ودعم مقدمي الرعاية، مع احتفاظها بتحفظاتها على بعض الإشارات الواردة في القرار، وخاصة المتعلقة بمحكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان.
مصر والعراق: دعم مع تحفظات
ورحبت مصر بالقرار، مؤكدة أن مكافحة التمييز ضد النساء والفتيات وتعزيز نظم الرعاية يمثلان أولوية وطنية.
وأشادت القاهرة بدمج موضوعي مكافحة التمييز والرعاية في قرار واحد، لكنها أعربت عن تحفظها على عدد من المصطلحات التي لا تعكس، بحسب رأيها، اللغة المتفق عليها دولياً، مؤكدة أنها سبق أن أوضحت هذه التحفظات خلال المفاوضات.
وأعلنت انضمامها إلى توافق الآراء مع الإبقاء على تحفظاتها الرسمية.
واتخذ العراق موقفاً مشابهاً، مؤكداً دعمه للقضاء على التمييز وتعزيز نظم الرعاية، لكنه أعلن تحفظه على عدد من المفاهيم، منها “الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية”، و”التثقيف الجنسي الشامل”، و”الاستقلالية الجسدية”، وبعض استخدامات مصطلح “النوع الاجتماعي”.
وأشار الوفد العراقي إلى أن تطبيق القرار سيتم بما يتوافق مع الدستور العراقي والتشريعات الوطنية والالتزامات الدولية للعراق.
الهند: لا ينشئ حقاً جديداً
وأكدت الهند دعمها الكامل للقضاء على التمييز ضد النساء والفتيات، لكنها شددت على أن القرار لا ينبغي تفسيره باعتباره ينشئ “حقاً مستقلاً في الرعاية”؛ لأن المجتمع الدولي لم يتوافق بعد على هذا المفهوم.
وأوضحت أن نظم الرعاية تختلف باختلاف الظروف الوطنية، وهو ما يستوجب منح الدول مساحة لتطوير سياساتها وفق احتياجاتها الخاصة.
اعتماد القرار
وفي ختام المناقشات، وبعد رفض التعديلات المطروحة، أعلن رئيس مجلس حقوق الإنسان اعتماد مشروع القرار L.16/Rev.1 المعنون “القضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات وتحقيق المساواة في نظم الرعاية والدعم” بتوافق الآراء ودون تصويت.
ويعد القرار من أبرز القرارات التي اعتمدها المجلس خلال دورته الثانية والستين، إذ يربط للمرة الأولى بصورة مباشرة بين مكافحة التمييز ضد النساء والفتيات وبين إصلاح نظم الرعاية والدعم من منظور حقوق الإنسان، مع تأكيد أن توزيع أعباء الرعاية بصورة عادلة يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق المساواة بين الجنسين والتنمية المستدامة، رغم استمرار الانقسام بين الدول بشأن عدد من المفاهيم المرتبطة بالنوع الاجتماعي والصحة الجنسية والإنجابية، وهو ما يعكس استمرار الجدل داخل الأمم المتحدة حول حدود التوافق الدولي في قضايا حقوق المرأة.
