اعتمد مجلس حقوق الإنسان مشروع القرار L.34 بشأن “حق الإنسان في مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي”، مقدماً من ألمانيا وإسبانيا، بعد رفض تعديلين تقدمت بهما دول منظمة التعاون الإسلامي لحذف الإشارات إلى الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية من نص القرار.
جاء اعتماد القرار ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، في ظل تأكيد دولي متزايد أن الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي لا يمثل مجرد قضية تنموية أو مرتبطة بالبنية التحتية، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بالكرامة الإنسانية والمساواة والصحة والتمتع الكامل بحقوق الإنسان.
وأكد مقدما مشروع القرار، ألمانيا وإسبانيا، أن مليارات الأشخاص حول العالم ما زالوا يفتقرون إلى مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي، ما يترك آثاراً عميقة في الصحة العامة والتعليم والمساواة بين الجنسين والتنمية، ويؤثر بصورة أشد في الأشخاص الأكثر ضعفاً وتهميشاً.
وأشار مقدمو القرار إلى أهمية الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة الذي يركز على ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي وإدارتها بصورة مستدامة للجميع، مؤكدين أن اقتراب كل من خطة التنمية المستدامة لعام 2030 والعقد الدولي للعمل -الماء من أجل التنمية المستدامة 2018-2028- من مراحلهما النهائية يتطلب الانتقال من الطموحات الدولية إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ويهدف القرار إلى مواصلة إدماج الحقين في مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي ضمن أعمال منظومة الأمم المتحدة، خاصة في ضوء مؤتمري الأمم المتحدة المقبلين المعنيين بالمياه، المقرر عقدهما في عامي 2026 و2028.
ودعا مقدمو القرار إلى أن تعيد المؤتمرات الدولية التأكيد أن الحصول على المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي ليس مجرد مسألة تتعلق بالتنمية أو البنية التحتية، وإنما قضية ترتبط بالكرامة والمساواة وحقوق الإنسان، فضلاً عن ضرورة بناء نظم قادرة على تقديم هذه الخدمات لجميع الأشخاص دون تمييز.
كما شددوا على أهمية المشاركة الفعالة للمقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي، إلى جانب مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ما يضمن إيصال أصوات أصحاب الحقوق والمجتمعات المتضررة إلى عمليات صنع السياسات الدولية.
المياه والصرف الصحي.. عبء أكبر على النساء والفتيات
وأبرزت ألمانيا، خلال تقديم مشروع القرار، الآثار غير المتناسبة التي تفرضها أوجه عدم المساواة في الوصول إلى المياه والصرف الصحي في النساء والفتيات، مشيرة إلى أن النساء يتحملن في كثير من الحالات العبء الأكبر في جمع المياه.
كما أكدت أن غياب خدمات الصرف الصحي الملائمة يؤثر بصورة مباشرة في الصحة والنظافة أثناء الحيض، وينعكس على الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، في حين تتفاقم هذه التحديات في حالات الفقر والأزمات الإنسانية والنزاعات والنزوح.
وترى ألمانيا أن الوصول المنصف إلى المياه المأمونة والصرف الصحي يمثل قبل كل شيء مسألة تتعلق بالكرامة والمساواة وحقوق الإنسان، وليس مجرد خدمة أساسية.
وأشارت كذلك إلى أن مشروع القرار تضمن إجراءات إضافية لترشيد عمل المجلس، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز كفاءة عمله والتعامل مع أزمة السيولة المستمرة.
وقبل التصويت، أعلنت إسبانيا وألمانيا حصول مشروع القرار على دعم 48 وفداً بوصفها من مقدمي الرعاية، ودعتا أعضاء المجلس إلى اعتماده بتوافق الآراء.
منظمة التعاون الإسلامي تطالب بحذف الإشارات إلى الحقوق الجنسية والإنجابية
وشهدت جلسة اعتماد القرار مواجهة بشأن الصياغات المتعلقة بالصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، بعدما تقدمت باكستان، باسم الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي باستثناء ألبانيا، بالتعديلين L.39 وL.40.
وطلب التعديلان حذف الإشارتين إلى الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية من فقرة في ديباجة القرار وأخرى في منطوقه.
وبررت باكستان التعديلات بأن هذه الإشارات لم تكن موجودة في الصيغ السابقة للقرار، وأن إدخالها أثار خلافاً كان يمكن تجنبه في نص وصفته بأنه غير خلافي في الأساس.
وقالت إن مصطلحات الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية لا تزال محل عدم توافق بين الدول، معتبرة أن استخدامها قد يُفهم باعتباره دفعاً بمفاهيم وممارسات لا تحظى باتفاق عالمي، وقد تتعارض، بحسب موقف الدول المقدمة للتعديلات، مع القوانين الوطنية والقيم الثقافية والدينية والالتزامات الدولية.
وأكدت باكستان أن الهدف من التعديلين هو الحفاظ على الإطار المتوافق عليه للقرار، والتركيز على القضايا المرتبطة مباشرة بالحق في مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي، ولا سيما في حالات النزاعات والاحتلال الأجنبي والطوارئ الإنسانية.
إسبانيا: لا يمكن فصل المياه والصرف الصحي عن الحقوق الأخرى
في المقابل، رفضت إسبانيا التعديلين، مؤكدة ضرورة الإبقاء على الإشارات إلى الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية.
وقالت إن الإشارات إلى صحة الأمهات والمواليد الجدد، وصحة ونظافة الحيض، وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية، لا تغطي وحدها النطاق الكامل لهذه الحقوق، لكنها تعكس الصلة الوثيقة بين الحصول على المياه والصرف الصحي والتمتع بمجموعة واسعة من حقوق الإنسان.
وأوضحت أن عدم كفاية الحصول على المياه والصرف الصحي يترك آثاراً غير متناسبة في النساء والفتيات، خاصة من يواجهن أشكالاً متعددة ومترابطة من التمييز، ولا تقتصر هذه الآثار على الصحة، بل تمتد إلى التعليم والعمل والكرامة والخصوصية والأمن والاستقلالية الشخصية.
وأضافت إسبانيا أن اللغة محل الاعتراض مستمدة من قرارات سابقة لمجلس حقوق الإنسان، وتعكس التزامات دولية قائمة، مؤكدة أن الاعتراف بالعلاقة بين المياه والصرف الصحي والصحة والمساواة بين الجنسين يمثل جزءاً من معالجة المعوقات التي تواجهها النساء والفتيات.
رفض التعديلين بأغلبية 27 صوتاً
وحظيت التعديلات بمعارضة عدد من الدول التي رأت أن حذف الإشارات المتعلقة بالصحة والحقوق الجنسية والإنجابية سيضعف القرار.
وقالت سويسرا إن الإبقاء على هذه الإشارات ضروري، مشيرة إلى أن عدم كفاية الوصول إلى المياه والصرف الصحي ينعكس على التعليم والعمل والكرامة والأمن والحقوق الجنسية والإنجابية.
كما أكدت أيسلندا أن إدارة الحيض بأمان وكرامة تعتمد على الحصول الكافي على المياه والصرف الصحي، وأن خدمات صحة الأم والصحة الإنجابية تحتاج بدورها إلى مرافق تتوافر فيها هذه الخدمات الأساسية.
أما إستونيا، فربطت بين المياه والصرف الصحي والنظافة وبين تمكين الأشخاص من ممارسة حقوقهم الصحية والجنسية والإنجابية بكرامة ودون تمييز، مستشهدة بأطر دولية سابقة أقرت بهذه الروابط.
وعند التصويت على التعديل L.39، حصل على 27 صوتاً مؤيداً، مقابل 9 أصوات معارضة و9 امتناعات، وبذلك رُفض التعديل.
وتكرر الأمر مع التعديل L.40؛ إذ حصل أيضاً على 27 صوتاً مؤيداً، و9 أصوات معارضة، و9 امتناعات، ليُرفض التعديل الثاني كذلك.
وأكدت المكسيك، قبل التصويت على التعديل L.40، أن الاعتراف بالصحة والحقوق الجنسية والإنجابية في سياق المياه والصرف الصحي ليس أمراً جديداً، مستشهدة بما وصفته باعتراف هيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة للأمم المتحدة بهذه العلاقة.
كما رفضت هولندا حذف الإشارة، معتبرة أن الحصول على المياه والصرف الصحي يرتبط بصورة أوسع بالصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، وليس فقط بالصحة والنظافة أثناء الحيض.
مصر تنضم إلى التوافق مع تسجيل تحفظاتها
وعقب رفض التعديلين، انضم أعضاء المجلس إلى عملية اعتماد مشروع القرار L.34، وبينهم مصر التي أعلنت انضمامها إلى توافق الآراء، مع تسجيل عدد من الملاحظات على النص النهائي.
وأكدت مصر التزامها الطويل الأمد بحماية حق الإنسان في مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي، معتبرة أن قضية المياه تمثل ملفاً مهماً في جدول الأعمال متعدد الأطراف.
ورحبت القاهرة بالإشارات الجديدة التي تضمنها مشروع القرار بشأن مؤتمرات الأمم المتحدة المقبلة المعنية بالمياه، لكنها أعربت عن أسفها إزاء ما وصفته بإضعاف بعض الإشارات التي كانت واردة في الصياغات الأولية.
كما سجلت مصر تحفظها على حذف الإشارة إلى التعاون بشأن المياه العابرة للحدود وإدارة المياه، معتبرة أن هذه المجالات تستند إلى التزامات متفق عليها في إطار الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، وأن حذف هذه اللغة يبعث برسالة غير مواتية بشأن الاستعداد الجماعي لتعزيز التعاون الدولي في مجال المياه.
وأشارت كذلك إلى حذف الإشارات المتعلقة بـالوصول دون معوقات إلى المياه المأمونة والصرف الصحي، مؤكدة أن القرار الذي يركز على تعزيز هذه الحقوق ينبغي أن يدعم بصورة واضحة إزالة الحواجز التي تحول دون التمتع بها.
ومع ذلك، أكدت مصر أنها ستنضم إلى توافق الآراء، معربة عن أملها في أن تبني القرارات المقبلة على ما تحقق، وأن تستعيد قدراً أكبر من الطموح وروح التعاون اللازمة لضمان الإعمال الفعال للحق في مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي للجميع.
اليابان: الانضمام إلى التوافق رغم اختلاف الموقف القانوني
من جانبها، أعلنت اليابان انضمامها إلى توافق الآراء بشأن القرار، مع التأكيد أن موقفها القانوني لم يتغير.
وقالت طوكيو إنها لا تعترف بوجود حق قانوني مستقل في مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي خارج الحقوق الأخرى القائمة في القانون الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، مؤكدة أن هذا الموقف ينطبق على القرار الحالي وعلى القرارات الأخرى ذات الصلة.
ومع ذلك، اعتبرت اليابان أن أهمية القضية تبرر الانضمام إلى توافق الآراء بشأن النص.

المياه العابرة للحدود والتعاون الدولي
وحظي موضوع التعاون في إدارة الموارد المائية العابرة للحدود باهتمام عدد من الوفود.
وأكدت تايلاند أن المياه لا تتوقف عند الحدود الوطنية، وأن الإدارة المستدامة للموارد المائية المشتركة تحتاج إلى تعاون بين الدول، يقوم على مبادئ الاستخدام العادل والمعقول ومنع إحداث أضرار كبيرة عابرة للحدود.
كما رحبت سلوفينيا بالتركيز على المياه العابرة للحدود، معتبرة أن شح المياه والتلوث والفيضانات والجفاف تتجاوز الحدود الوطنية، وأن التعاون المائي يمثل عنصراً أساسياً للإعمال الفعال لحقوق الإنسان.
وشددت سلوفينيا كذلك على أهمية إدارة المياه بصورة مستدامة ومنصفة وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ، معتبرة أن المياه يمكن أن تتحول من مصدر محتمل للندرة والصراع إلى أداة للتعاون والقدرة على الصمود والسلام.
وفي ختام عملية الاعتماد، أصبح مشروع القرار L.34 إطاراً أممياً جديداً لتأكيد الصلة بين المياه والصرف الصحي ومجموعة واسعة من حقوق الإنسان، في حين كشفت المناقشات والتصويت على التعديلين L.39 وL.40 عن استمرار الخلاف الدولي بشأن الصياغات المتعلقة بالصحة والحقوق الجنسية والإنجابية.
ويأتي القرار في مرحلة تتزايد فيها الضغوط على الموارد المائية عالمياً، بالتزامن مع تغير المناخ والنزاعات والنزوح والفقر، ما يجعل ضمان الوصول العادل والمستدام إلى المياه المأمونة والصرف الصحي أحد التحديات الرئيسية أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة وإعمال حقوق الإنسان للجميع.



