طارق أبو شادي*
تمر الأحزاب الخضراء في أوروبا بواحدة من أصعب مراحلها منذ سنوات. فموجة الصعود التي اجتاحت القارة في 2019 تبدو اليوم وكأنها تنتمي إلى زمن آخر. في ذلك العام حققت الأحزاب الخضراء أفضل نتائجها على الإطلاق في انتخابات البرلمان الأوروبي بحصولها على 74 مقعداً، كما سجلت نتائج تاريخية في سويسرا وبلجيكا والنمسا، ودخلت لاحقاً في ائتلافات حاكمة في ألمانيا وفنلندا وأيرلندا والنمسا.
لكن المشهد تبدل سريعاً. الحديث الآن يدور عن “ارتداد أخضر”؛ أي رد فعل شعبي وسياسي ضد سياسات المناخ والمشاريع البيئية في أنحاء أوروبا. الأحزاب الخضراء خرجت من معظم الائتلافات الحكومية، ونتائجها الانتخابية الأخيرة جاءت دون التوقعات، في حين تراجع حضور قضية المناخ في أولويات الناخبين.
وسط هذه الأزمة، أرى أن على الأحزاب الخضراء الأوروبية أن تنظر بجدية إلى ما يحدث في بريطانيا.
فحزب الخضر في إنجلترا وويلز الذي يملك فروعاً منفصلة في اسكتلندا وأيرلندا الشمالية حقق خلال الأشهر الأخيرة طفرة سياسية لافتة. منذ انتخاب زاك بولانسكي زعيماً للحزب في سبتمبر الماضي، تضاعفت العضوية ثلاث مرات لتصل إلى أكثر من 230 ألف عضو، كما حقق الحزب نتائج قياسية في الانتخابات المحلية والفرعية.
ما الذي تغيّر؟
الأهم أن بولانسكي لم يجعل المناخ القضية الوحيدة في خطاب الحزب. صحيح أن أزمة المناخ لا تزال حاضرة، لكنها لم تعد العنوان المهيمن. بدلاً من ذلك، ركّز على قضايا عدم المساواة الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن والإيجارات، والضرائب على الأثرياء، وما يسميه “بريطانيا الاستغلال”.
وفي الوقت نفسه، تبنى الحزب مواقف واضحة وحادة بشأن غزة وحقوق المتحولين جنسياً، بخلاف حزب العمال الذي بدا أكثر تردداً.
الدرس هنا لا يتعلق فقط بالتحول نحو اليسار أو الوسط، بل بثلاثة مبادئ أراها أساسية لأي حزب أخضر يريد استعادة زخمه.
أولاً: التركيز على عدم المساواة الاقتصادية. أبحاثنا تشير إلى أن الأحزاب الخضراء تستطيع توسيع قاعدتها الانتخابية عندما تركز على العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، لا فقط على “النمو الأخضر”. الناخبون لا يفقدون ثقتهم بالخطاب البيئي عندما يتم توسيع الأجندة الاقتصادية، بل العكس تماماً.
وفي بريطانيا تحديداً، أظهرت الدراسات أن ناخبي حزب الخضر كانوا مهتمين بقضايا الضرائب وإعادة توزيع الثروة بقدر اهتمامهم بالمناخ. كما أن الحزب نجح في جذب الناخبين الذين يشعرون بعدم الأمان الاقتصادي، وهي فئة غالباً ما كانت بعيدة عن الأحزاب الخضراء الأوروبية التقليدية التي تعتمد أساساً على الطبقات المتعلمة والميسورة.
ثانياً: تبني مواقف واضحة يمنح الحزب مساحة للحديث عن قضايا أخرى. دعم حزب الخضر البريطاني الواضح لحقوق الأقليات والمتحولين جنسياً لم يؤدِ فقط إلى زيادة شعبيته داخل هذه الفئات، بل سمح له أيضاً بتجاوز النقاشات العبثية والتركيز على برنامجه السياسي الحقيقي.
عندما تكون مواقفك واضحة وحاسمة، يصبح من الصعب على الخصوم جرّك إلى معارك جانبية تستنزفك.
ثالثاً: احتضان الهوية التقدمية بدلاً من الخوف منها. حزب الخضر البريطاني أصبح مساحة سياسية للنشطاء والحركات التقدمية والأشخاص الذين فقدوا ثقتهم بالأحزاب التقليدية. قادة الحزب لا يكتفون بالظهور داخل البرلمان، بل يشاركون في الاحتجاجات والإضرابات وحتى الفعاليات الثقافية والحفلات الشبابية.
بدلاً من الهروب من وصف “الووك” أو “الراديكالية”، قرر الحزب الاستفادة من هذا الزخم. وهذا يشبه إلى حد كبير ما فعله زهران ممداني في نيويورك عندما نجح في بناء تحالفات بين النشطاء التقدميين والفئات المهمشة.
أعتقد أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الأحزاب الخضراء الأوروبية خلال السنوات الأخيرة هو أنها أصبحت أكثر حذراً وتردداً، فخففت مطالبها وخففت لهجتها ظناً منها أن ذلك سيجعلها أكثر قبولاً.
لكن التجربة البريطانية تقول العكس تماماً: الجرأة والوضوح هما الطريق الحقيقي لاستعادة الزخم.
وفي ظل ضعف كثير من الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا اليوم، تملك الأحزاب الخضراء فرصة تاريخية لتوسيع قاعدتها الشعبية، وربما حتى لتصبح القوة الأساسية لليسار الوسط في القارة.
*نقلاً عن الجارديان
