منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لماذا ينبغي لجِيلي ألّا يخشى «ضريبة الرعاية»؟ لأننا ندفعها بالفعل

24 يوليو 2026
رسم توضيحي: توماس بولين/صحيفة الغارديان
رسم توضيحي: توماس بولين/صحيفة الغارديان

غابي هينسليف

كان من بين آخر ما فعله آندي بورنهام قبل أن يدخل مقر رئاسة الحكومة في داونينغ ستريت أن زار والده.

والده، روي بورنهام، يعيش الآن في دار رعاية ويعاني مرض ألزهايمر، ولم يعد يدرك في الغالب طبيعة المنصب الجديد الذي يشغله ابنه. وربما أراد رئيس الوزراء، ولو جزئياً، أن يفسر له لماذا لن يتمكن من زيارته بالقدر نفسه في المستقبل.

ولن يكون أول شخص في منتصف العمر يجد نفسه ممزقاً بين متطلبات العمل من جهة، ورعاية والديه المسنين من جهة أخرى، فيتشبث بأي سياسي مستعد -كما يقول بورنهام الابن- لأن «يستهلك قدراً كبيراً من رأس ماله السياسي» لإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية، رغم أن هذا الملف كان دائماً خاسراً انتخابياً، فبديل ذلك هو أن تواصل الأسر استنزاف ما تملكه من رأس مال مالي ونفسي، وهو ما لم يعد متوافراً لديها.

جيلنا، جيل «إكس»، دخل الآن مرحلة تحمل مسؤولية رعاية الآباء، لكننا نواجه هذا التحدي في ظروف تختلف عن الأجيال السابقة. ففي معظم الأسر، يعمل الزوجان بدوام كامل، بينما تتوزع حياتنا بين المدن التي نشأنا فيها ويعيش فيها آباؤنا، وبين البيوت التي ما زال أطفالنا يكبرون فيها. نتنقل باستمرار بين مشكلات الأدوية عند الوالدين وضغوط الامتحانات النهائية للأبناء، وبين غرف انتظار المستشفيات واجتماعات المدارس، ونحن نخشى طوال الوقت أن نفشل في القيام بواجب ما.

إذا كانت الأم العاملة تشعر دائماً بأنها مطالبة بأن تكون في مكانين في الوقت نفسه، فإن الابنة في منتصف العمر مطالبة بأن تكون في ثلاثة أماكن معاً: في العمل، وفي منزلها، وبجوار والديها. وفي كل مكان تستقبلها أكوام الغسيل المؤجلة، ويلاحقها الشعور بالذنب لأنها ليست موجودة بما يكفي في أي مكان.

أما الحديث عن «ضريبة الرعاية»، فنحن ندفعها بالفعل، لكن أحداً لا يسميها بهذا الاسم.

هذه الضريبة غير المرئية، الناتجة عن غياب نظام شامل للرعاية الاجتماعية في إنجلترا تحديداً ــ بينما تعتمد ويلز نظاماً أكثر سخاءً في احتساب الدعم، ويحصل كبار السن في اسكتلندا على الرعاية الشخصية مجاناً لا تقتصر على الرسوم الباهظة لدور الرعاية، التي يبلغ متوسطها أكثر من خمسة آلاف جنيه إسترليني شهرياً لمن تتجاوز أصولهم 23,250 جنيهاً، ولا على تكاليف الرعاية المنزلية التي قد تصل إلى جنيه إسترليني واحد للدقيقة.

بل تُدفع أيضاً من الوقت والطاقة والصحة النفسية والجسدية لمقدمي الرعاية، بل ومن وظائفهم أحياناً.

وتقدّر منظمة Carers UK أن نحو 2.6 مليون شخص اضطروا إلى ترك أعمالهم من أجل رعاية أحد أفراد أسرهم دون مقابل. أما من واصلوا العمل، فيقول 61% منهم إن مسؤوليات الرعاية أثرت في طبيعة الوظائف التي يستطيعون شغلها، بينما اضطر خُمسهم إلى قبول وظائف أقل دخلاً أو أقل مستوى.

وهكذا لا تتحمل الأسر وحدها هذه الضريبة الخفية؛ فالشركات تدفع ثمنها أيضاً كلما خسرت موظفين أكفاء، كما يدفع الاقتصاد الوطني ثمنها في صورة تراجع الإنتاجية، وفي كل ليلة يقضيها مريض داخل المستشفى، بينما كان يمكن أن يكون في منزله لو توفرت له رعاية مناسبة.

فالوقاية من السقوط أو قرح الفراش أو غيرها من المشكلات الصحية التي تؤدي إلى تدهور سريع، أقل تكلفة بكثير من علاج نتائجها لاحقاً، وهو ما يدركه بورنهام جيداً بعد تجربة مانشستر في توجيه الإنفاق الصحي نحو الوقاية بدلاً من العلاج.

ورغم ذلك، لا يرى صناع القرار في وستمنستر سوى الكلفة الضخمة لإنشاء نظام رعاية مجاني، فيتجمدون أمامها ويختارون ألّا يفعلوا شيئاً.

وليست المشكلة أن السياسيين يفتقرون إلى التجارب الشخصية مع هذا الملف.

فديفيد كاميرون كان أباً لطفل يعاني إعاقة شديدة، كما كانت والدته مصابة بألزهايمر. ومن السهل أن ننسى أن الرعاية الاجتماعية لا تخص كبار السن وحدهم، بل تشمل الأطفال أيضاً.

أما والدة تيريزا ماي فكانت مصابة بالتصلب المتعدد، بينما عانت والدة كير ستارمر مرض «ستيل»، وبالنسبة إلى آندي بورنهام، فقد قال إن معاناة جدته هي التي دفعته، عندما كان وزيراً للصحة عام 2009، إلى اقتراح إنشاء خدمة وطنية للرعاية الاجتماعية تمول عبر رسم نسبته 10% على جميع التركات.

لكن المشروع مات سياسياً منذ اللحظة التي وصفه فيها المحافظون بأنه «ضريبة الموت»، وأطلقوا حملات دعائية امتلأت بصور شواهد القبور.

ومنذ ذلك الوقت، ازداد الضغط الشعبي لإصلاح نظام الرعاية، لكن فرض ضرائب على الميراث أصبح أكثر حساسية، خاصة مع اعتماد جيل الألفية على الثروة المحتجزة في منازل آبائهم باعتبارها فرصتهم الوحيدة لامتلاك منزل.

ومع ذلك، فإن جوهر الضريبة على الميراث هو حمايتك من خسارة كل شيء إذا واجهت أسوأ السيناريوهات، تماماً كما نفعل عندما ندفع أقساط التأمين على المنازل.

فواحد من كل ثلاثة أشخاص سينتهي به الأمر في دار رعاية، بتكلفة تتجاوز في المتوسط 67 ألف جنيه إسترليني سنوياً، ولمدة تصل في المتوسط إلى عامين في دور الرعاية العادية، أو عام في دور الرعاية التمريضية، وإن كانت المدة قد تطول كثيراً بالنسبة لمرضى الخرف.

لكن الطبيعة البشرية تجعل معظم الناس يعتقدون أنهم لن يحتاجوا أبداً إلى هذه الرعاية، ولذلك يقتنعون بأنهم سيدفعون ضرائب أكثر مما سيستفيدون منه.

ولهذا، إذا أراد بورنهام أن ينجح هذه المرة حيث فشل سابقاً، فعليه أن يثبت أن خدمة الرعاية الشاملة التي يقترحها، على غرار هيئة الخدمات الصحية الوطنية، تقدم منفعة حقيقية للجميع.

فلنجعلها إذاً خدمة تساعد الناس على التقدم في العمر بكرامة.

لتكن واضحة الحضور في المجتمع كما كانت مراكز Sure Start بالنسبة للآباء الجدد، من خلال مراكز تقدم الاستشارات، وتنظم الأنشطة لكبار السن، وتساعد الأسر على تجاوز واحدة من أكثر مراحل الحياة وحدةً وإرباكاً.

ولنعتمد، كما يقترح معهد IPPR، تقييمات دورية لكل من تجاوز الخامسة والستين، لاكتشاف المخاطر الصحية مبكراً، بينما لا يزال بالإمكان تحسين قوة العظام أو التوازن الجسدي.

فلنقدم المشروع بوصفه خدمة تزيل الخوف والإهانة عن الشيخوخة، وتحافظ في الوقت نفسه على الأمان المالي للأبناء.

ولنجعل مراجعة لويز كيسي لنظام الرعاية الاجتماعية بداية لحوار وطني قصير حول معنى الشيخوخة الكريمة، وألّا نناقش مجدداً «الحق في الموت» من دون أن نناقش بالتوازي «الحق في أن يعيش الإنسان حياته حتى نهايتها بكرامة».

وإذا ظلّ الناس يرفضون «ضريبة الموت»، فأخبرهم بالحقيقة: إنهم، على الأرجح، يدفعون بالفعل ضريبة أخرى غير مرئية.

لكن الفرق هذه المرة، أن أحداً سيكون قد طلب رأيهم قبل أن يفرضها عليهم.

نقلاً عن الغارديان