عاد ملف السياسات الاجتماعية الداعمة للأمهات في الولايات المتحدة إلى واجهة النقاش العام مع إطلاق الفيلم الوثائقي الجديد “لا مكان للأمهات” الذي يتناول التحديات اليومية التي تواجهها ملايين النساء في التوفيق بين العمل ورعاية الأطفال، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة النظام الأمريكي على توفير بيئة عادلة للأسر.
ولا يكتفي الفيلم بعرض شهادات شخصية، بل يحاول تحويل معاناة الأمهات إلى قضية رأي عام تدفع نحو تبني إصلاحات تشريعية تتعلق بالإجازات المدفوعة الأجر ورعاية الأطفال والدعم الحكومي للأسر.
وتناولت صحيفة “الغارديان” تفاصيل الفيلم وأسلوب عرضه غير التقليدي، إذ اختارت المنتجة التنفيذية ريشما سوجاني الابتعاد عن منصات البث والمهرجانات السينمائية، واتجهت إلى تنظيم مئات العروض المجتمعية في ولايات مختلفة، يستضيفها متطوعون وأمهات وناشطون داخل المكتبات والمسارح والمراكز المجتمعية، بهدف خلق نقاش مباشر بين الحضور حول السياسات التي تؤثر في حياة الأسر الأمريكية، وتحويل المشاهدة إلى حوار يفضي إلى تحرك مجتمعي.
رسالة تتجاوز الشاشة
ترى ريشما سوجاني، مؤسسة منظمة “أمهات أولاً” ومنظمة “فتيات يبرمجن” في الولايات المتحدة، أن كثيراً من الأمهات يواجهن مشكلاتهن بصورة فردية، ويشعرن بالعزلة بعد انتهاء يوم طويل من العمل ورعاية الأطفال وإدارة شؤون المنزل، لذلك اختارت أن يتحول الفيلم إلى مساحة تجمع النساء وجهاً لوجه، بدلاً من أن يكتفي كل شخص بمشاهدته منفرداً.
وتؤكد سوجاني أن الهدف الأساسي يتمثل في بناء حوار يجمع الأمهات بمختلف خلفياتهن السياسية والاجتماعية؛ لأن كثيراً من القضايا المتعلقة بالأمومة تتجاوز الانقسامات الحزبية، وترتبط بالحاجة إلى سياسات توفر حماية اقتصادية واجتماعية للعائلات.
أزمة تتجاوز التجارب الفردية
يركز الفيلم على مجموعة من القضايا التي تعدها منظمات الدفاع عن حقوق الأسر من أبرز التحديات التي تواجه الأمهات في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها محدودية الإجازات العائلية المدفوعة، وارتفاع تكاليف رعاية الأطفال، وصعوبة العودة إلى سوق العمل بعد الإنجاب، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية التي تدفع كثيراً من الأسر إلى الاختيار بين الدخل ورعاية الأبناء.
ويستعرض العمل قصصاً لنساء من ولايات مختلفة ومن توجهات سياسية متباينة، في محاولة لإظهار أن هذه التحديات لا تقتصر على فئة اجتماعية أو اقتصادية بعينها، بل تمس شريحة واسعة من الأسر الأمريكية.
سجال سياسي مستمر
يعرض الفيلم جانباً من الجدل السياسي الذي رافق ملف رعاية الأطفال في الولايات المتحدة على مدى عقود، ويشير إلى محطات تشريعية شهدت خلافات داخل الكونغرس والإدارات الأمريكية المتعاقبة بشأن حجم الدعم الحكومي الموجه للأسر.
كما يتناول تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي رأى أن الحكومة الفيدرالية لا تستطيع تحمل أعباء تمويل برامج رعاية الأطفال على المستوى الوطني، ودعا إلى ترك هذه المسؤولية لحكومات الولايات، وهو موقف يعكس جانباً من الانقسام السياسي حول دور الحكومة في تمويل الخدمات الاجتماعية.
في المقابل، يقدم الفيلم وجهة نظر تدعو إلى توسيع دور الحكومة في توفير إجازات مدفوعة الأجر وتعزيز برامج رعاية الأطفال، باعتبارها استثمارات طويلة الأجل في الاقتصاد وسوق العمل، وليست مجرد نفقات اجتماعية.
دعوة إلى تجاوز الانقسام
يركز العمل على فكرة أن الخلافات السياسية والثقافية ينبغي ألا تمنع التوافق حول القضايا التي تمس حياة الأسر بصورة مباشرة، ولهذا السبب حرصت سوجاني على تنظيم عروض في مجتمعات تضم جمهوريين وديمقراطيين ومحافظين وليبراليين؛ أملاً في فتح حوار يجمع أطرافاً لا تلتقي عادة حول قضية واحدة.
وترى أن توفير بيئة مناسبة للأمهات يمثل مصلحة مشتركة؛ لأن آثار السياسات المتعلقة بالأمومة تمتد إلى الاقتصاد وسوق العمل والتعليم والصحة، ولا تقتصر على النساء فقط.
شهادات من الواقع
يمنح الفيلم مساحة واسعة لتجارب شخصية تعكس الضغوط التي تواجهها الأمهات بعد الولادة، وتروي مشاركات كيف اضطررن إلى العودة للعمل خلال فترة قصيرة بسبب الالتزامات المالية، في حين واجهت أخريات صعوبات في الحصول على رعاية مناسبة لأطفالهن أو في الحفاظ على وظائفهن بعد الحمل.
كما يتناول الفيلم قصص نساء تعرضن لضغوط داخل بيئة العمل بسبب الحمل أو الأمومة، وهو ما دفع بعضهن إلى إعادة النظر في مسارهن المهني، أو البحث عن وظائف أكثر مرونة، رغم ما ترتب على ذلك من خسائر مادية ومهنية.
إصلاحات على مستوى الولايات
يسلط الفيلم الضوء على تجارب بعض الولايات الأمريكية التي أقرت برامج للإجازات العائلية المدفوعة، ويعرض آراء مسؤولين محليين يؤكدون أن إقرار هذه التشريعات تطلب سنوات من النقاش السياسي والمجتمعي.
ويرى مؤيدو هذه السياسات أن توفير إجازات مدفوعة ورعاية أطفال ميسرة يسهم في رفع معدلات مشاركة النساء في سوق العمل، ويقلل من الضغوط الاقتصادية على الأسر، في حين يواصل معارضوها التحذير من الأعباء المالية التي قد تترتب على توسيع الإنفاق الحكومي.
تعد الولايات المتحدة الدولة الصناعية الكبرى الوحيدة التي لا تفرض على المستوى الفيدرالي إجازة أمومة أو إجازة عائلية مدفوعة الأجر لجميع العاملين، إذ يعتمد الأمر على سياسات أصحاب العمل أو القوانين المحلية في بعض الولايات، وخلال السنوات الأخيرة توسع النقاش حول إصلاح منظومة دعم الأسر مع ارتفاع تكاليف رعاية الأطفال، وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، وتنامي المطالب بتوفير سياسات أكثر مرونة تحقق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، وأقرت ولايات عدة برامج للإجازات العائلية المدفوعة، في حين لا يزال الكونغرس يشهد انقساماً بشأن تبني تشريع اتحادي شامل، وهو ما يجعل قضية دعم الأمهات واحدة من أكثر الملفات الاجتماعية حضوراً في النقاش السياسي الأمريكي.
