منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حرية الدين بين التنظيم والتمييز.. مشروع قانون الأذان في إسرائيل بميزان حقوق الإنسان

06 يوليو 2026
قانون إسرائيلي لتقييد الأذان في الأراضي المحتلة
قانون إسرائيلي لتقييد الأذان في الأراضي المحتلة

لا يثير تنظيم ممارسة الشعائر الدينية جدلا حقوقيا بسبب وجود التشريعات في حد ذاته، وإنما بسبب طبيعة القيود التي تفرضها على الحقوق والحريات الأساسية، فالقانون الدولي يجيز للدول تنظيم بعض الممارسات المرتبطة بالشعائر الدينية إذا كان ذلك ضروريا لحماية النظام العام أو الصحة العامة أو حقوق الآخرين، لكنه يشترط أن تكون القيود متناسبة، وغير تمييزية، وألا تستهدف جماعة دينية بعينها.

ومن هذا المنطلق، أعاد مشروع القانون الذي أقره الكنيست الإسرائيلي بالقراءة التمهيدية، والقاضي بتقييد استخدام مكبرات الصوت في المساجد لبث الأذان، النقاش حول مدى توافق التشريعات الوطنية مع الضمانات الدولية لحرية الدين والمعتقد، وحدود سلطة الدولة في تنظيم الشعائر الدينية داخل الفضاء العام.

ولا يكمن جوهر الجدل في حق الدولة بتنظيم استخدام مكبرات الصوت، إذ تعترف المعايير الدولية بإمكانية فرض قيود محددة على بعض الممارسات إذا استندت إلى مبررات مشروعة، وإنما في الكيفية التي تطبق بها هذه القيود، فحين يثار احتمال أن تستهدف ممارسة دينية محددة دون غيرها، يتحول النقاش من تنظيم إداري إلى قضية تتعلق بحرية الدين والمساواة وعدم التمييز.

قانون يستهدف الأذان

أقر الكنيست الإسرائيلي مشروع القانون بالقراءة التمهيدية بعد تصويت 50 نائبا لصالحه مقابل 36 نائبا من أصل 120 عضوا، ولا يزال بحاجة إلى ثلاث قراءات إضافية قبل أن يصبح قانونا نافذا.

ويقول مؤيدو المشروع إنه يهدف إلى الحد من الضوضاء والحفاظ على الهدوء العام، بينما يرى معارضوه أنه يستهدف الأذان بصورة مباشرة، بما يمنحه بعدا يتجاوز تنظيم استخدام مكبرات الصوت إلى نقاش يتعلق بحرية ممارسة الشعائر الدينية.

وتكفل المادة (18) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حق كل إنسان في حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل إظهار الدين أو المعتقد من خلال العبادة وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم.

ويؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الحماية ذاتها، مع السماح بقيود استثنائية يشترط أن تكون منصوصاً عليها في القانون، وضرورية لتحقيق هدف مشروع، وأن تكون متناسبة مع الغاية المرجوة، وألا تؤدي إلى التمييز ضد أي جماعة دينية.

الأقلية العربية والبعد الحقوقي

تشكل الأقلية العربية نحو 21% من سكان إسرائيل، وفق بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، فيما يمثل المسلمون قرابة 18% من إجمالي السكان، بحسب مركز بيو للأبحاث.

ويجعل ذلك من الأذان جزءاً من الممارسة الدينية اليومية لشريحة واسعة من المجتمع، الأمر الذي يمنح أي تشريع ينظم هذه الممارسة أبعادا تتعلق أيضا بحقوق الأقليات الدينية والثقافية، وليس فقط بتنظيم استخدام مكبرات الصوت.

وتؤكد هيئات الأمم المتحدة أن مشروعية أي قيد على الشعائر الدينية لا تتوقف على وجود قانون ينظمه، وإنما تعتمد أيضا على مدى ضرورته وتناسبه مع الهدف المعلن، وأن يكون أقل الوسائل تقييدا للحق، وأن يطبق على جميع الفئات بصورة متساوية ودون تمييز.

ومن هذا المنطلق، يتركز النقاش الحقوقي حول ما إذا كان المشروع يمثل تنظيما عاما لقضية الضوضاء، أم أنه يفرض قيودا على ممارسة دينية محددة، وهو ما يجعل تقييمه مرتبطا بمدى التزامه بمبادئ المساواة والحياد وعدم التمييز.

التقييد والمعايير الدولية

يرى الخبير القانوني المختص في حقوق الإنسان كمال بن عمر، أن مشروع القانون يثير إشكاليات قانونية تتعلق بحرية الدين والمعتقد، لأن المادة (18) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تكفل حق الأفراد والجماعات في إظهار معتقداتهم من خلال الشعائر الدينية

ويشير بن عمر في حديث لـ”صفر” إلى أن القانون الدولي لا يمنع تنظيم ممارسة الشعائر أو استخدام وسائل البث الصوتي، لكنه يشترط أن تكون القيود عامة ومحايدة، وأن تستجيب لحاجة حقيقية، وألا تؤدي عمليا إلى استهداف جماعة دينية دون غيرها

ويضيف أن تخصيص تشريع يركز على الأذان، مع منح السلطات صلاحيات لفرض غرامات أو مصادرة معدات الصوت، يثير تساؤلات حول مدى احترام مبدأي الضرورة والتناسب اللذين يشكلان أساس تقييم مشروعية القيود على الحقوق والحريات

التعددية وسيادة القانون

يكشف مشروع القانون أن التحدي لا يتمثل في حق الدول بتنظيم استخدام الفضاء العام، وإنما في قدرتها على تحقيق توازن يحمي النظام العام دون المساس بجوهر حرية الدين أو بحقوق الأقليات

وفي هذا السياق، تظل مبادئ الضرورة والتناسب وعدم التمييز المعيار الحاكم لتقييم أي تشريع يمس ممارسة الشعائر الدينية. فكلما ابتعدت القيود عن هذه المبادئ، ازدادت احتمالات تعارضها مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان، وأصبح احترام التعددية الدينية والثقافية أحد أهم اختبارات سيادة القانون وحماية الحقوق الأساسية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print