يشهد لبنان تصعيداً متواصلاً في الأعمال العدائية انعكس بشكل مباشر على الوضع الإنساني والمعيشي للسكان المدنيين، خصوصاً في المناطق الجنوبية ومحافظة النبطية، مع توسع تأثير العمليات العسكرية وارتفاع أعداد النازحين والمتضررين.
وتظهر التحديثات الإنسانية الأخيرة الصادرة عن الجهات الدولية، بما فيها ReliefWeb، أن الأزمة الحالية تجاوزت البعد الأمني والعسكري، لتتحول إلى أزمة إنسانية متفاقمة تمس الحق في الحياة، والصحة، والغذاء، والمأوى، والتعليم، والحماية.
وفي ظل استمرار الضربات الجوية، وتزايد موجات النزوح، والضغط المتصاعد على الخدمات الأساسية، تبرز الحاجة الملحة إلى موقف سياسي وحقوقي واضح يؤكد أولوية حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن وعاجل ودون عوائق، انسجاماً مع قواعد القانون الدولي الإنساني ومبادئ حقوق الإنسان.
السياق الإنساني للتصعيد
تشير المعطيات الحالية إلى أن التصعيد العسكري أدى إلى موجات نزوح جديدة من المناطق المتضررة، في وقت يواجه فيه لبنان أساساً أوضاعاً اقتصادية واجتماعية شديدة الهشاشة، وقد تسبب استمرار الأعمال العدائية في زيادة الضغط على مراكز الإيواء، والمرافق الصحية، والخدمات الأساسية، إضافة إلى ارتفاع الاحتياجات الإنسانية العاجلة المتعلقة بالغذاء والمياه والرعاية الصحية والحماية.
كما أن استمرار العمليات العسكرية في مناطق مأهولة بالسكان يزيد من احتمالية تعرض المدنيين للخطر، سواء بشكل مباشر نتيجة العمليات العسكرية، أو بشكل غير مباشر نتيجة تعطل الخدمات الأساسية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية.
وتعكس هذه التطورات مؤشرات مقلقة على احتمال اتساع الأزمة الإنسانية في حال استمرار التصعيد أو تعثر جهود التهدئة، خاصة في ظل محدودية الموارد والقدرات المحلية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
التزام قانوني وأخلاقي
يؤكد القانون الدولي الإنساني ضرورة حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، ويلزم أطراف النزاع بالتمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار الواقعة على السكان المدنيين والبنية التحتية المدنية.
كما يحظر القانون الدولي الإنساني أي هجمات عشوائية أو غير متناسبة قد ينتج عنها خسائر مفرطة في صفوف المدنيين، إضافة إلى ضرورة حماية المرافق الصحية والتعليمية والخدمات الأساسية من آثار العمليات العسكرية.
وفي هذا السياق، فإن استمرار سقوط الضحايا المدنيين، واتساع النزوح، وتعطل الخدمات الأساسية، يفرض على جميع الأطراف إعطاء الأولوية القصوى لحماية السكان المدنيين، وتجنب أي إجراءات أو عمليات قد تؤدي إلى تفاقم معاناتهم الإنسانية.
ولا تقتصر حماية المدنيين على تجنب الاستهداف المباشر فقط، بل تشمل أيضاً ضمان قدرتهم على الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمأوى الآمن، والحفاظ على كرامتهم الإنسانية في ظل ظروف النزاع.
فتح ممرات إنسانية
في ظل تزايد أعداد المتضررين والنازحين، تبرز الحاجة الملحة إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومنتظم إلى المناطق المتضررة، من خلال فتح ممرات إنسانية آمنة وتسهيل حركة فرق الإغاثة والمساعدات.
ويعد الوصول الإنساني جزءاً أساسياً من حماية المدنيين، خاصة عندما تصبح بعض المناطق معزولة أو صعبة الوصول نتيجة العمليات العسكرية أو المخاطر الأمنية، كما أن أي تأخير أو تقييد لوصول المساعدات قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية وارتفاع مستويات الخطر على الفئات الأكثر هشاشة.
وتشمل الحاجة الإنسانية العاجلة توفير، المأوى الطارئ للنازحين، والغذاء والمياه الصالحة للشرب، الخدمات الصحية والأدوية والمستلزمات الطبية، خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي ومستلزمات الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
كما أن ضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني والطواقم الطبية يمثل شرطاً أساسياً لاستمرار عمليات الاستجابة والإغاثة.
المخاطر الإنسانية
إن استمرار التصعيد دون ترتيبات إنسانية واضحة قد يؤدي إلى تعميق الأزمة الإنسانية في لبنان، خصوصاً في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية القائمة.
ومن أبرز المخاطر المتوقعة، اتساع موجات النزوح الداخلي، ارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، زيادة الضغط على المستشفيات والخدمات الصحية، تعطّل التعليم والخدمات الأساسية، ارتفاع المخاطر المتعلقة بالحماية والعنف والاستغلال وتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة الفاعلة.
كما أن طول أمد الأزمة قد يؤدي إلى آثار بعيدة المدى على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويضاعف من هشاشة الفئات الأكثر ضعفاً داخل المجتمع اللبناني.
اعتبارات إنسانية وتوصيات
انطلاقاً من الاعتبارات الإنسانية والحقوقية، تؤكد هذه الورقة ضرورة إعطاء الأولوية لحماية المدنيين وتحييدهم عن آثار العمليات العسكرية، بما ينسجم مع قواعد القانون الدولي الإنساني، والدعوة إلى وقف التصعيد واتخاذ إجراءات عاجلة لمنع توسع الأزمة الإنسانية.
بالإضافة إلى ضمان فتح ممرات إنسانية آمنة ومستدامة تسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المناطق المتضررة دون عوائق، وحماية المرافق الصحية والتعليمية والخدمات الأساسية وضمان استمرار عملها، وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني والطواقم الطبية وعدم عرقلة عملهم.
وكذلك تعزيز الاستجابة الإنسانية العاجلة للفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، ودعم جهود التوثيق والرصد الحقوقي للانتهاكات المحتملة التي تمس المدنيين والبنية التحتية المدنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات الدولية والإنسانية والمحلية لضمان استجابة أكثر فاعلية واستدامة.
وتكشف التطورات الحالية في لبنان عن تصاعد خطير في التحديات الإنسانية والحقوقية المرتبطة بالنزاع، في ظل تزايد معاناة المدنيين واتساع الاحتياجات الإنسانية، ومع استمرار الأعمال العدائية، تصبح حماية المدنيين وضمان الوصول الإنساني مسؤولية عاجلة لا تحتمل التأجيل.
كما أن منع انزلاق الأوضاع نحو كارثة إنسانية أوسع يتطلب تحركاً سياسياً وإنسانياً سريعاً يضع حياة المدنيين وكرامتهم في مقدمة الأولويات، ويؤكد الالتزام بالقانون الدولي الإنساني ومبادئ حقوق الإنسان، بما يضمن حماية السكان المتضررين وتخفيف معاناتهم في ظل الظروف الراهنة.
