منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

صفاء قطبي.. فنانة مغربية تعيد إحياء التراث بلغة الفن المعاصر

30 يوليو 2026
الفنانة صفاء قطبي تقدم تجربة فنية من التراث المغربي
الفنانة صفاء قطبي تقدم تجربة فنية من التراث المغربي

تواصل الفنانة البصرية المغربية صفاء قطبي تقديم تجربة فنية تستلهم التراث المغربي، لكنها لا تتعامل معه بوصفه إرثاً جامداً ينتمي إلى الماضي، بل باعتباره مادة حية قابلة لإعادة القراءة والتأويل، حيث تحول الأدوات التقليدية المرتبطة بالحياة اليومية إلى أعمال فنية معاصرة تحمل أبعاداً ثقافية وإنسانية تعكس الذاكرة والهوية والانتماء.

الفنانة المغربية صفاء قطبي قالت في مقابلة مع شبكة CNN إن مشروعها الفني ينطلق من إعادة اكتشاف العناصر التراثية التي صاحبتها منذ الطفولة، مثل “المرشّة” المستخدمة في رش ماء الزهر والعطور، و”البرّاد” المغربي التقليدي، إضافة إلى الحلي والمنسوجات، مؤكدة أنها لا تنظر إلى هذه الأدوات باعتبارها مجرد مقتنيات منزلية، بل بوصفها حوامل لذاكرة جماعية تختزن قصصاً وتجارب إنسانية متوارثة.

ترى قطبي أن التراث ينبغي ألا يبقى حبيس المتاحف أو الكتب، وإنما يمكن إعادة تقديمه بصيغ فنية حديثة تمنحه حياة جديدة، وتسمح للأجيال المعاصرة بإعادة اكتشافه من منظور مختلف، يجمع بين الأصالة والابتكار.

ثقافة الضيافة في المغرب

تعتمد الفنانة المغربية على التصوير الفوتوغرافي، وفنون التركيب، والأزياء، والمنسوجات، والمعادن، لإعادة صياغة العناصر التقليدية داخل فضاءات بصرية معاصرة، بحيث تتحول الأدوات التي ارتبطت بثقافة الضيافة والحياة اليومية إلى أعمال تروي حكايات النساء والعائلات والهوية المغربية.

تؤكد أن “المرشّة” و”البرّاد” يمثلان أكثر من مجرد أداتين منزليتين، فهما يعكسان قيم الكرم والرعاية والتواصل بين الأجيال، كما يعيدان إلى ذاكرتها صورة النساء اللواتي حافظن على التقاليد من خلال تفاصيل الحياة اليومية، معتبرة أن هذه العناصر تحمل في داخلها تاريخاً يستحق أن يُروى.

وتضع قطبي المرأة في قلب تجربتها الفنية، انطلاقاً من قناعتها بأن النساء لعبن دوراً رئيسياً في نقل الثقافة المغربية من جيل إلى آخر، سواء عبر الطقوس اليومية أو الحكايات الشعبية أو الحرف التقليدية.

وتشير إلى أن نشأتها وسط نساء حافظن على هذا الإرث جعلت أعمالها الفنية امتداداً لذاكرتهن، مؤكدة أن المرأة ليست مجرد موضوع في أعمالها، بل هي الحافظة الأساسية للهوية الثقافية، والوسيط الذي تنتقل عبره المعارف والعادات والتقاليد.

رحلة تبدأ بالبحث

تنطلق كل تجربة فنية لدى قطبي من دراسة تاريخ العنصر التراثي الذي تختاره، والذكريات المرتبطة به، قبل الانتقال إلى مرحلة التجريب باستخدام وسائط فنية متعددة، في محاولة لاختيار الشكل الأكثر قدرة على التعبير عن الفكرة.

وتوضح أن طبيعة كل مشروع هي التي تحدد الشكل النهائي للعمل، فقد يتحول العنصر التراثي إلى قطعة فنية قابلة للارتداء، أو منحوتة، أو عمل تركيبي، مؤكدة أن الحدس يمثل جزءاً أساسياً من هذه العملية الإبداعية.

وتستغرق بعض أعمال الفنانة المغربية أسابيع، في حين يحتاج بعضها الآخر إلى أشهر من البحث والتنفيذ، وهو ما تعده جزءاً من فلسفة العمل الفني، إذ يمنحها الوقت الكافي للاهتمام بأدق التفاصيل، ويعكس قيمة الحرفية التي تقوم على الصبر والإتقان، بعيداً عن ثقافة الإنتاج السريع.

ترى قطبي أن هذا البطء لا يمثل معوقاً، بل يضمن الحفاظ على المعرفة التقليدية، ويمنح كل عمل خصوصيته، ما يحافظ على أصالة الحرفة ويمنحها بعداً معاصراً.

الفن يحمي الهوية

تعتقد قطبي أن الاهتمام المتزايد لدى الشباب بجذورهم الثقافية يعكس رغبة حقيقية في فهم الهوية، خاصة في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة، وتتعرض فيه الثقافات أحياناً للتهميش أو سوء الفهم أو الاستيلاء الثقافي.

تؤكد أن الإرث الاستعماري ترك آثاراً عميقة في الهوية الثقافية في كثير من المجتمعات، الأمر الذي يجعل الفنانين مطالبين اليوم بالإسهام في توثيق ثقافاتهم وإعادة قراءتها، باعتبار الفن وسيلة لحماية الذاكرة الجماعية مع السماح لها بالتطور الطبيعي.

تختتم الفنانة المغربية رؤيتها بتأكيد أنها لا تسعى إلى تقديم صورة مثالية أو رومانسية عن الثقافة المغربية، وإنما تهدف إلى تشجيع الأجيال الجديدة على إعادة التفكير في الموروث الذي ورثته، والبحث عن القصص التي لم تُروَ بعد.

يعكس مشروع صفاء قطبي نموذجاً لفن معاصر يربط الماضي بالحاضر، ويعيد تقديم التراث باعتباره فضاءً للحوار والتجديد، لا مجرد ذاكرة جامدة، مؤكدة أن حماية الهوية الثقافية لا تتحقق بالحفاظ على الأشياء وحدها، وإنما بإبقاء قصصها حية، وإتاحة الفرصة لأصحابها لسردها بأصواتهم.