أثارت التعديلات الأخيرة على القانون التنظيمي المتعلق بالجهات في المغرب قلقاً لدى جمعيات نسائية وحقوقية، رأت فيها مؤشراً على احتمال تراجع آليات الديمقراطية التشاركية ومشاركة النساء في صنع القرار الترابي، في وقت تؤكد فيه الدولة أن إصلاح منظومة الجهات يندرج ضمن تعزيز الجهوية المتقدمة وتطوير آليات تنفيذ المشاريع العمومية على المستوى الجهوي.
ويأتي الجدل بعد المصادقة على مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 الذي يغير ويتمم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، وهو الإطار القانوني الذي ينظم عمل المجالس الجهوية المنتخبة وصلاحياتها في إعداد وتنفيذ برامج التنمية الجهوية.
وقد صادق مجلس النواب المغربي على المشروع بالأغلبية في مايو الماضي، في حين سبق للمجلس الوزاري أن صادق عليه في 23 أبريل 2026 ضمن مسار رسمي يهدف، بحسب وزارة الداخلية، إلى تعديل آليات التنفيذ، خصوصاً عبر تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة جهوية.
القانون محل الجدل
القانون التنظيمي رقم 111.14 يشكل أحد أعمدة تنزيل مشروع “الجهوية المتقدمة” في المغرب، وهو المشروع الذي يسعى إلى نقل جزء من صلاحيات القرار العمومي من المركز إلى الجهات المنتخبة، وتقريب السياسات التنموية من المواطنين والمواطنات.
وتؤكد الوثائق الرسمية أن هذا القانون يستمد مرجعيته من التوجهات الرامية إلى تمكين البلاد من نموذج جهوي متقدم.
أما مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26، فيستهدف تغيير وتتميم بعض مقتضيات القانون الأصلي، وبحسب الصيغة الرسمية للمشروع، فإن من أبرز التعديلات تحويل الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، المحدثة لدى كل جهة، إلى شركة مساهمة ذات مجلس إدارة تحمل تسمية “الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع”.
ويُفهم من ذلك أن الدولة تسعى إلى إعادة تنظيم الذراع التنفيذي للمشاريع الجهوية، ما يمنحها صيغة مؤسساتية مختلفة عن الصيغة السابقة للوكالات الجهوية.
الموقف الرسمي للدولة
تقدم الدولة المغربية هذه التعديلات ضمن مسار إصلاحي يرتبط بتحسين تنفيذ المشاريع الجهوية وتعزيز فعالية التدبير الترابي، فقد أوضحت وزارة الداخلية أن مشروع القانون الجديد يتضمن تعديلات على مستوى آليات التنفيذ، خصوصاً من خلال تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، في سياق تطوير منظومة تنفيذ البرامج والمشاريع على مستوى الجهات.
ومن منظور الدولة، لا يتعلق الأمر بإضعاف الجهوية أو تقليص دور الجهات، بل بتحديث أدواتها العملية والمالية والتنظيمية. كما أن المصادقة البرلمانية على المشروع تعكس مروره عبر القنوات التشريعية الدستورية، إذ صادق عليه مجلس النواب بالأغلبية، قبل مواصلة مساره داخل المؤسسة التشريعية.
وتستند الدولة أيضاً إلى الإطار الدستوري الذي يكرس الديمقراطية التشاركية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مبادئ يؤكدها الدستور المغربي في فصله الأول، كما تعرضها البوابة الرسمية المكلفة بالعلاقات مع المجتمع المدني.
الموقف الحقوقي النسائي
في المقابل، عبّرت الحركة من أجل ديمقراطية المناصفة والائتلاف المدني من أجل ميزانية مستجيبة للنوع، في البيان الوارد بالمادة، عن قلقهما من طريقة إعداد وإقرار التعديلات، معتبرتين أنها تمت دون نقاش عمومي واسع ودون إشراك فعلي للفاعلين المدنيين، وخاصة التنظيمات النسائية المعنية بقضايا المساواة والعدالة الاجتماعية.
وترى المنظمتان أن الإقصاء من مسار التشاور يمس جوهر الديمقراطية التشاركية؛ لأن المجتمع المدني، وفق هذا التصور، ينبغي ألا يُستدعى فقط للتنفيذ أو إبداء الرأي بعد اعتماد النصوص، بل يجب أن يكون شريكاً في إعداد السياسات العمومية وتقييمها.
كما انتقد البيان استمرار مقتضيات تمنح امتيازات لفئة محددة من الجمعيات الحاصلة على صفة المنفعة العامة، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى إقصاء جمعيات نسائية وحقوقية راكمت خبرة محلية مهمة، لكنها لا تتمتع بالوضع الاعتباري نفسه.
لماذا يهم القانون النساء؟
تنبع أهمية هذا القانون من أن الجهات ليست مجرد وحدات إدارية، بل فضاءات لصنع القرار التنموي. فالمجالس الجهوية تسهم في إعداد برامج التنمية، وتحديد أولويات الاستثمار، وتوجيه السياسات المتعلقة بالبنية التحتية، والنقل، والخدمات، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن منظور حقوقي، تؤثر هذه السياسات بصورة مباشرة في النساء، خصوصاً في المناطق القروية والهشة، حيث ترتبط المساواة العملية بإتاحة النقل، والصحة، والتعليم، وفرص العمل، والخدمات الاجتماعية، والحماية من الفقر والهشاشة.
لذلك تحذر المنظمات النسائية من أن أي تعديل قانوني لا يضمن مشاركة النساء والهيئات المدافعة عن حقوقهن قد يؤدي إلى إضعاف حضور قضايا المساواة داخل السياسات الترابية، خاصة إذا بقيت هيئات المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع ذات دور استشاري محدود وغير ملزم.
هيئة المساواة وتكافؤ الفرص
ينص القانون التنظيمي المتعلق بالجهات على إحداث هيئة استشارية لدى مجلس الجهة تُعنى بدراسة القضايا المتعلقة بالمساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، وهي آلية داخلية جرى تقديمها رسمياً بوصفها جزءاً من تنزيل الديمقراطية التشاركية داخل الجهات.
وتشير وثائق رسمية صادرة عن وزارة الداخلية إلى أن هذه الهيئة منصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، خصوصاً في المادة 117، باعتبارها آلية مرتبطة بالمساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع.
غير أن الإشكال الذي تطرحه المنظمات النسائية لا يتعلق بمجرد وجود هذه الهيئة، بل بمدى قوتها الفعلية، فالبيان الحقوقي يدعو إلى منحها دوراً إلزامياً في إبداء الرأي حول برامج التنمية الجهوية، وتكريس مبدأ المناصفة داخل هياكل المجالس الجهوية ومراكز القرار المرتبطة بها، حتى لا تبقى المشاركة النسائية محصورة في آليات استشارية محدودة التأثير.
المناصفة والديمقراطية التشاركية
يعزز الدستور المغربي لسنة 2011 الأساس الحقوقي لمطالب المنظمات النسائية، إذ ينص الفصل 19 على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما يؤكد سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء.
كما يربط الدستور بين الديمقراطية التشاركية والحكامة الجيدة، ما يجعل إشراك المجتمع المدني في السياسات العامة ليس مسألة شكلية، بل جزء من البنية الدستورية للحكم الترابي.
ومن هنا ترى المنظمات النسائية أن أي تعديل يمس عمل الجهات ينبغي أن يمر عبر مشاورات واسعة، خاصة مع الهيئات المعنية بالمساواة ومقاربة النوع.
الموقف الدولي والأممي
تنسجم مطالب الجمعيات النسائية مع التزامات المغرب الدولية في مجال المساواة وعدم التمييز، خاصة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
وتناولت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة وضع المغرب في ملاحظاتها الختامية لعام 2022، مؤكدة أهمية تعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة والسياسية، ومواصلة التدابير الرامية إلى تحقيق المساواة الفعلية.
وتعني هذه الالتزامات أن إصلاح القوانين الترابية ينبغي ألا يُقاس فقط بكفاءة التنفيذ الإداري، بل أيضاً بمدى إسهامه في تعزيز مشاركة النساء، وتوسيع تمثيلهن، وضمان وصولهن إلى مواقع التأثير داخل المؤسسات المنتخبة والآليات الاستشارية والتنموية.
فجوة التمثيل والقرار
رغم التقدم الذي حققه المغرب في حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة، لا تزال دراسات حديثة تشير إلى استمرار ضعف تمثيل النساء داخل المجالس المحلية والجهوية مقارنة بالرجال، وإلى محدودية وصولهن إلى مواقع القرار داخل مكاتب المجالس المنتخبة.
وتشير دراسة منشورة عام 2025 عن النساء في المجالس المنتخبة المحلية بالمغرب إلى أن النساء ما زلن ممثلات تمثيلاً ناقصاً، كما أنهن غالباً ما يُقصين من المناصب القيادية داخل هذه المجالس.
ولهذا تخشى المنظمات النسائية أن تؤدي التعديلات الجديدة، إذا لم تتضمن ضمانات واضحة للمناصفة والمشاركة، إلى تكريس فجوة قائمة أصلاً بين الحضور العددي للنساء وبين تأثيرهن الفعلي في القرار المحلي والجهوي.
ومن أبرز المقترحات التي قدمتها المنظمتان ضرورة إنتاج بيانات وإحصاءات جهوية مصنفة حسب الجنس والعمر والمجال الترابي، وتكمن أهمية هذا المطلب في أن السياسات العمومية لا يمكن تقييم أثرها في النساء والرجال دون بيانات دقيقة تكشف الفجوات في الوصول إلى الخدمات والموارد والفرص.
فالميزانية المستجيبة للنوع لا يمكن أن تكون فعالة دون مؤشرات تقيس من يستفيد من برامج التنمية الجهوية، ومن يُستبعد منها، وكيف تختلف آثار السياسات بين النساء والرجال، وبين المدن والقرى، وبين الفئات العمرية والاجتماعية المختلفة.
البعد الإنساني للقضية
قد يبدو النقاش حول القانون التنظيمي للجهات تقنياً أو مؤسساتياً، لكنه في جوهره يمس حياة النساء اليومية، فغياب النساء عن صياغة برامج التنمية قد يعني تجاهل احتياجاتهن في النقل الآمن، والولوج إلى الخدمات الصحية، ودعم النساء القرويات، وفرص العمل المحلية، ومراكز الرعاية، ومناهضة العنف، وتخفيف أعباء العمل غير المأجور.
وعندما تُضعف آليات التشاور، يصبح صوت النساء الأقل تنظيماً أو الأكثر هشاشة أبعد عن مواقع القرار. وهنا يتحول النقاش القانوني إلى سؤال إنساني مباشر.. من يقرر أولويات التنمية؟ ومن يُسمع صوته عند توزيع الموارد؟ ومن يدفع ثمن غياب المقاربة الحقوقية داخل السياسات الترابية؟
وتكشف قضية تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات في المغرب عن توتر واضح بين منطقين: منطق الدولة الذي يركز على تحديث أدوات تنفيذ المشاريع الجهوية وتعزيز فعالية التدبير، ومنطق المنظمات النسائية الذي يخشى أن يتم ذلك على حساب الديمقراطية التشاركية والمناصفة وإدماج مقاربة النوع.
ولا يعني هذا بالضرورة أن التعديلات تحمل في ذاتها تراجعاً حتمياً، لكنها تفتح سؤالاً مشروعاً حول الضمانات، فإذا كانت الجهوية المتقدمة تهدف إلى تقريب القرار من المواطنين والمواطنات، فإن نجاحها لن يُقاس فقط بسرعة تنفيذ المشاريع، بل بمدى إشراك النساء والمجتمع المدني في تحديد الأولويات، ومراقبة السياسات، وضمان أن تكون التنمية الجهوية عادلة وشاملة.

