شهدت تركيا خلال شهر يونيو 2026 تصاعداً جديداً في أعداد العمال الذين فقدوا حياتهم أثناء العمل، في تطور أعاد ملف السلامة المهنية إلى صدارة النقاش الحقوقي والنقابي، وأثار تساؤلات واسعة حول فعالية إجراءات الرقابة الحكومية، ومدى التزام أصحاب الأعمال بقواعد السلامة، خاصة في القطاعات التي تعتمد على العمالة كثيفة المخاطر مثل البناء والزراعة والنقل والصناعات الثقيلة.
ويؤكد خبراء ومنظمات حقوقية أن الأرقام الأخيرة لا تمثل مجرد إحصاءات شهرية، بل تعكس أزمة ممتدة ترتبط بظروف العمل غير الآمنة، وضعف التفتيش، والعمالة غير المنظمة، وتزايد تشغيل الأطفال والعمال المهاجرين في أعمال خطرة، وتشير بيانات مجلس الصحة والسلامة المهنية في تركيا إلى أن الأشهر الأولى من عام 2026 سجلت مستويات مرتفعة من الوفيات المهنية، الأمر الذي يعزز المخاوف من استمرار هذا المسار خلال النصف الثاني من العام.
ضحايا حوادث العمل
أعلن مجلس الصحة والسلامة المهنية في تركيا أن شهر يونيو 2026 شهد وفاة 228 عاملاً أثناء العمل، ليرتفع إجمالي ضحايا حوادث العمل خلال النصف الأول من العام إلى ما لا يقل عن 1063 عاملاً.
وأوضح المجلس أن الضحايا شملوا 218 رجلاً و10 نساء، إلى جانب ستة أطفال و14 عاملاً مهاجراً، وهو ما يعكس اتساع دائرة الفئات الأكثر عرضة للمخاطر داخل سوق العمل التركي.
وأكد المجلس أن بياناته اعتمدت على ما رصدته وسائل الإعلام، وإفادات أسر الضحايا، والنقابات، وزملاء العمال، والأطباء المهنيين، ومختصي السلامة المهنية، في ظل مطالبة مستمرة بمزيد من الشفافية في نشر البيانات الرسمية المتعلقة بحوادث العمل.
القطاعات الأكثر خطورة
أظهر تقرير مجلس الصحة والسلامة المهنية أن قطاعي الزراعة والغابات وقطاع البناء والطرق سجلا أعلى عدد من الوفيات خلال يونيو، بعدما فقد كل قطاع 54 عاملاً، ما يمثل نحو 24 بالمئة من إجمالي الضحايا لكل منهما.
وجاء قطاع النقل والمواصلات في المرتبة التالية بواقع 24 وفاة، ثم قطاع الصناعات المعدنية بـ19 وفاة، في حين سجلت الخدمات البلدية 14 وفاة.
ويرى المجلس أن هذه القطاعات تتسم بارتفاع معدلات العمل اليدوي، واستخدام المعدات الثقيلة، والعمل في بيئات مفتوحة أو على ارتفاعات، إضافة إلى انتشار أنماط العمل المؤقت وغير المنظم.
أسباب تتكرر كل عام
أوضح مجلس الصحة والسلامة المهنية أن السحق تحت المعدات أو الأجسام الثقيلة شكل السبب الأول للوفيات خلال يونيو بنسبة 24 بالمئة، في حين جاء السقوط من المرتفعات وحوادث المرور المرتبطة بالعمل في المرتبة التالية بنسبة بلغت نحو 15 بالمئة لكل منهما.
وتؤكد هذه المؤشرات استمرار الأسباب التقليدية نفسها التي رافقت حوادث العمل في تركيا خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع منظمات العمال إلى المطالبة بتشديد إجراءات التفتيش وإلزام الشركات بتطبيق معايير السلامة بصورة أكثر صرامة.
الأطفال والمهاجرون في قلب المأساة
لفت مجلس الصحة والسلامة المهنية الانتباه إلى وفاة ستة أطفال كانوا يعملون خلال يونيو، إضافة إلى 14 عاملاً مهاجراً، وهو ما أعاد ملف تشغيل الأطفال والعمالة المهاجرة إلى واجهة النقاش الحقوقي.
وتؤكد منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة ومنظمة الأغذية والزراعة أن القضاء على عمل الأطفال يتطلب تعزيز الحماية الاجتماعية، ورفع مستوى الرقابة، وتوفير فرص التعليم والدخل للأسر، مشيرة إلى أن الأطفال العاملين يواجهون مخاطر مضاعفة في القطاعات الزراعية واليدوية.
وتطالب منظمات حقوقية تركية بفرض رقابة أشد على تشغيل العمال المهاجرين، خاصة العاملين في القطاعات الموسمية؛ لأن كثيراً منهم يعملون في ظروف غير مستقرة، ولا يحصلون على التدريب الكافي أو معدات الحماية اللازمة، الأمر الذي يزيد احتمالات تعرضهم للحوادث.
أسباب ارتفاع الوفيات
يرى مجلس الصحة والسلامة المهنية في تركيا أن استمرار ارتفاع أعداد الوفيات لا يرتبط بالحوادث الفردية فقط، بل يعكس مشكلات هيكلية داخل سوق العمل التركي، تشمل ضعف تطبيق معايير السلامة المهنية، وتزايد الاعتماد على نظام المقاولات من الباطن، وضغوط الإنتاج، وساعات العمل الطويلة، إلى جانب نقص برامج التدريب الإلزامي للعمال، خاصة في قطاعات البناء والزراعة والصناعة.
ويؤكد المجلس أن العديد من أصحاب العمل ينظرون إلى إجراءات السلامة المهنية باعتبارها تكلفة إضافية، في حين يتعاملون مع الاستثمار في معدات الوقاية والتدريب على أنه أولوية ثانوية، الأمر الذي يرفع احتمالات وقوع الحوادث القاتلة.
منظمة العمل الدولية
تشير منظمة العمل الدولية إلى أن بيئة العمل الآمنة تمثل حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وتؤكد أن معظم الحوادث المهنية يمكن الوقاية منها عندما تطبق المؤسسات أنظمة فعالة لإدارة المخاطر، وتوفر التدريب المستمر، وتجري عمليات تقييم دورية لمواقع العمل.
وتوضح المنظمة أن العالم يسجل سنوياً نحو ثلاثة ملايين وفاة مرتبطة بالعمل، تشمل الحوادث والأمراض المهنية، كما يتعرض مئات الملايين من العمال لإصابات أو أمراض تؤثر في قدرتهم على العمل والإنتاج، وهو ما يجعل السلامة المهنية قضية اقتصادية وإنسانية في الوقت نفسه.
القانون التركي بين النص والتطبيق
تنظم تركيا معايير الصحة والسلامة المهنية بموجب قانون الصحة والسلامة المهنية رقم 6331 الذي دخل حيز التنفيذ عام 2012، وألزم أصحاب الأعمال بتقييم المخاطر، وتوفير معدات الوقاية الشخصية، وتعيين مختصين في السلامة المهنية، وإجراء تدريبات دورية للعاملين.
كما تنفذ وزارة العمل والضمان الاجتماعي التركية حملات تفتيش على المنشآت الصناعية ومواقع البناء، إلا أن النقابات العمالية ومجلس الصحة والسلامة المهنية يؤكدان أن المشكلة لا تكمن في غياب التشريعات، وإنما في تفاوت مستويات تطبيقها، خاصة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وفي القطاعات التي تعتمد على العمالة الموسمية أو غير المسجلة.
انتقادات حقوقية متواصلة
أكدت منظمات حقوقية تركية، منها مجلس الصحة والسلامة المهنية واتحاد نقابات العمال التقدميين، أن ارتفاع الوفيات يعكس الحاجة إلى مراجعة سياسات الرقابة والتفتيش، وزيادة عدد مفتشي العمل، وتشديد العقوبات على المؤسسات التي تخالف قواعد السلامة، كما دعت هذه المنظمات إلى إعلان البيانات الرسمية بصورة أكثر تفصيلاً، ما يسمح بتحليل أسباب الحوادث ووضع سياسات وقائية أكثر فاعلية.
وأوضحت منظمات حقوق الإنسان أن فقدان العمال لحياتهم أثناء تأدية أعمالهم لا يمثل مجرد خسارة فردية، بل يترك آثاراً اجتماعية واقتصادية واسعة على أسر الضحايا، خاصة عندما يفقد الأطفال معيلهم الوحيد أو تتراجع دخول الأسر بصورة مفاجئة.
المعايير الدولية لحماية العمال
أكدت منظمة العمل الدولية أن اتفاقيتي السلامة والصحة المهنيتين، واتفاقية الإطار الترويجي للسلامة والصحة المهنية، تلزمان الدول الأعضاء بتطوير أنظمة وطنية فعالة للوقاية من الحوادث والإصابات المهنية، وتعزيز ثقافة السلامة داخل أماكن العمل، كما تركز الأمم المتحدة ضمن أهداف التنمية المستدامة على ضرورة توفير العمل اللائق والآمن للجميع، باعتباره أحد المحاور الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن تحسين ظروف العمل لا ينعكس فقط على حماية الأرواح، بل يرفع الإنتاجية، ويخفض تكاليف الرعاية الصحية، ويقلل خسائر الاقتصاد الناتجة عن الإصابات المهنية.
كوارث صنعت ذاكرة مؤلمة
لا تنفصل الأرقام الحالية عن سلسلة من الحوادث الكبرى التي شهدتها تركيا خلال العقد الأخير، والتي دفعت ملف السلامة المهنية إلى واجهة النقاش العام. ويعد انفجار منجم سوما عام 2014 أكثر الكوارث الصناعية دموية في تاريخ البلاد، بعدما أودى بحياة 301 عامل، في حين أسفر انفجار منجم أماسرا عام 2022 عن وفاة 41 عاملاً، وأدت تلك الكوارث إلى مطالبات واسعة بإصلاح منظومة السلامة المهنية وتشديد الرقابة على القطاعات عالية الخطورة، إلا أن استمرار تسجيل مئات الوفيات سنوياً يشير إلى أن التحديات ما زالت قائمة.
انعكاسات اقتصادية واجتماعية
أكدت منظمة العمل الدولية أن إصابات العمل والأمراض المهنية تكبد الاقتصاد العالمي خسائر تقدر بنحو 4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً نتيجة انخفاض الإنتاجية، وارتفاع تكاليف العلاج والتعويضات، وتعطل الأعمال، وفقدان العمالة الماهرة، وأوضحت المنظمة أن الاستثمار في السلامة والصحة المهنية يحد من هذه الخسائر، ويرفع كفاءة بيئة العمل، ويعزز استدامة النمو الاقتصادي.
وأشار مجلس الصحة والسلامة المهنية في تركيا إلى أن وفاة العامل لا تقتصر آثارها على فقدان عنصر منتج داخل سوق العمل، بل تمتد إلى أسرته التي تعتمد في كثير من الحالات على دخل واحد، الأمر الذي يزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على أفراد الأسرة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
كما أوضح اتحاد نقابات العمال التقدميين في تركيا أن تكرار الحوادث القاتلة داخل مواقع العمل ينعكس على الحالة النفسية للعمال، ويؤدي إلى تراجع الشعور بالأمان الوظيفي، خصوصاً في قطاعات البناء والتعدين والنقل التي تسجل أعلى معدلات الوفيات.
مطالب بإصلاحات عاجلة
دعت النقابات العمالية ومجلس الصحة والسلامة المهنية إلى إطلاق خطة وطنية شاملة تستهدف خفض وفيات العمال، من خلال زيادة عدد مفتشي العمل، ورفع قيمة الغرامات على الشركات المخالفة، وربط منح التراخيص بمستوى الالتزام بمعايير السلامة، وتعزيز حماية العمال المهاجرين، ومنع تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة، وإلزام أصحاب الأعمال بتوفير التدريب والمعدات الوقائية لجميع العاملين دون استثناء، مؤكدين أن الاستثمار في السلامة المهنية أقل تكلفة بكثير من معالجة آثار الحوادث بعد وقوعها، سواء على المستوى الإنساني أو الاقتصادي.
تواجه تركيا منذ سنوات تحديات مستمرة في ملف السلامة والصحة المهنية، خاصة مع النمو الكبير في قطاعات البناء والصناعة والزراعة والنقل التي تعتمد على أعداد ضخمة من العمال، ويعد مجلس الصحة والسلامة المهنية في تركيا أحد أبرز الجهات المستقلة التي توثق حوادث العمل، في حين تتولى وزارة العمل والضمان الاجتماعي مسؤولية الرقابة الرسمية على تطبيق قانون الصحة والسلامة المهنية.
وتشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن تحسين بيئة العمل يتطلب شراكة مستمرة بين الحكومات وأصحاب الأعمال والنقابات، مع ترسيخ ثقافة الوقاية باعتبارها الركيزة الأساسية لحماية العمال. ورغم امتلاك تركيا إطاراً تشريعياً متقدماً نسبياً في مجال السلامة المهنية، فإن استمرار تسجيل أكثر من ألف وفاة خلال النصف الأول من عام 2026، وفقاً لبيانات مجلس الصحة والسلامة المهنية، يعكس الحاجة إلى تعزيز الرقابة، وتطوير آليات التفتيش، وتشديد المحاسبة، حتى لا تستمر مواقع العمل في حصد مزيد من الأرواح، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة، مثل العمال المهاجرين والأطفال والعمالة الموسمية.

