بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرحلة جديدة من إعادة تشكيل نظام اللجوء في الولايات المتحدة، عبر قاعدة اتحادية دخلت حيز التنفيذ فوراً، تقضي بإحالة مئات الآلاف من طالبي اللجوء مباشرة إلى محاكم الهجرة، بدلاً من نظر طلباتهم أمام موظفي اللجوء المختصين كما كان معمولاً به سابقاً.
يثير هذا التحول مخاوف حقوقية متزايدة من تقليص الضمانات الإجرائية التي يكفلها نظام اللجوء، بعدما أصبح آلاف الأشخاص الفارين من الاضطهاد يواجهون خطر الترحيل قبل حصولهم على فرصة كاملة لعرض قضاياهم.
ووفقاً لصحيفة “واشنطن بوست”، أعلنت الإدارة أن القاعدة الجديدة تستهدف تقليص التراكم الكبير في طلبات اللجوء أمام دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية (USCIS) التابعة لوزارة الأمن الداخلي، والتي تنظر في نحو 1.4 مليون طلب عبر نقل ما يصل إلى 444724 قضية مباشرة إلى قضاة الهجرة التابعين لوزارة العدل، ودخل القرار حيز التنفيذ فوراً، رغم استمرار فترة تلقي التعليقات العامة عليه.
وشكّل النظام السابق أحد أهم الضمانات الإجرائية لطالبي اللجوء الذين دخلوا الولايات المتحدة بصورة قانونية أو لم تُسجل بحقهم مخالفات للهجرة، إذ كان يسمح لهم بعرض طلباتهم أمام موظفي لجوء مدربين على تقييم أوضاع الاضطهاد في بلدانهم ضمن مقابلات غير تصادمية، قبل إحالة القضايا إلى محاكم الهجرة إذا رُفضت الطلبات.
وألغت القاعدة الجديدة هذا المسار بالنسبة لعدد كبير من القضايا، بعدما أصبح بالإمكان إحالتها مباشرة إلى قضاة الهجرة، وهو ما اعتبره محامون ومنظمات مدافعة عن حقوق المهاجرين خطوة قد تؤدي إلى ترحيل أشخاص دون حصولهم على جلسة استماع كاملة، خصوصاً بعد منح بعض القضاة صلاحيات رفض قضايا معينة دون عقد جلسات استماع.
وأكدت إدارة ترامب أن القرار يأتي استجابة لما وصفته بـ”أزمة” داخل نظام اللجوء، وقال مدير دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية، جوزيف بي. إدلو، إن نظام اللجوء تعرض لفترة طويلة للاستغلال بهدف تأخير إجراءات الترحيل والحصول على تصاريح عمل، وليس لتقديم طلبات حماية مشروعة، معتبراً أن القاعدة الجديدة ستساعد على توجيه الموارد نحو البت السريع في الطلبات المستحقة.
كما اعتبرت الإدارة هذه الخطوة امتداداً لسلسلة إجراءات اتخذها الرئيس دونالد ترامب لإعادة صياغة سياسة الهجرة واللجوء، بعدما أعلن في بداية ولايته وجود “غزو” على الحدود الأمريكية المكسيكية، واتخذ قراراً بمنع طالبي اللجوء من دخول الولايات المتحدة عبر الحدود الجنوبية، قبل أن تمتد الإجراءات لاحقاً إلى أشخاص يقيمون داخل البلاد بصورة قانونية وتقدموا بطلبات لجوء وفق القواعد القائمة.
ضمانات إجرائية تتراجع
حذرت منظمات الدفاع عن المهاجرين وخبراء الهجرة من أن القاعدة الجديدة لا تقتصر على إعادة توزيع القضايا بين المؤسسات، بل تغير طبيعة إجراءات اللجوء نفسها، فبدلاً من مقابلات يجريها موظفو لجوء متخصصون في دراسة أوضاع الدول وتقييم روايات طالبي الحماية، سيجد عدد كبير من المتقدمين أنفسهم مباشرة أمام محاكم الهجرة.
وأوضحت صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” أن طالبي اللجوء الذين دخلوا الولايات المتحدة بصورة قانونية كانوا يتقدمون بطلباتهم إلى دائرة خدمات المواطنة والهجرة، في حين يتولى قضاة الهجرة القضايا الخاصة بمن بدأت بحقهم بالفعل إجراءات الترحيل، إلا أن القاعدة الجديدة تلغي هذا التمييز بالنسبة لعدد كبير من الملفات.
وأضافت الصحيفة أن مقابلات موظفي اللجوء تختلف عن جلسات محاكم الهجرة، إذ تُجرى في بيئة غير خصومية، في حين تمثل الحكومة الفيدرالية طرفاً في محاكم الهجرة، ولا يتمتع المهاجرون فيها بحق الحصول على محامٍ تعينه الدولة كما في القضايا الجنائية.
كما أشارت إلى أن محاكم الهجرة تتبع وزارة العدل، وأن إدارة ترامب فصلت أكثر من مئة قاضٍ واستبدلتهم بمحامين عسكريين ومدعين عامين سابقين في وزارة الأمن الداخلي، في وقت تواجه فيه هذه المحاكم أصلاً تراكماً يناهز 3 ملايين قضية.
وأظهرت البيانات الفيدرالية، بحسب الصحيفة، أن دائرة خدمات المواطنة والهجرة أحالت خلال النصف الأول من السنة المالية الحالية 31454 قضية إلى محاكم الهجرة، مقارنة بإجمالي 40932 قضية خلال عام 2025، في حين قد ترفع القاعدة الجديدة عدد القضايا المتأثرة إلى نحو 444 ألف قضية، تشمل أفراداً أو عائلات بأكملها.
تسارع إجراءات الترحيل
أثار القرار أيضاً مخاوف تتعلق بالفئات التي تتمتع بحماية مؤقتة داخل الولايات المتحدة، بعدما تستعد إدارة ترامب لإنهاء تصاريح العمل الممنوحة للهايتيين والسوريين عقب سماح المحكمة العليا بانتهاء العمل ببرنامج الحماية المؤقتة الخاص بهم.
ويرى محامون أن من تقدموا أيضاً بطلبات لجوء قد يواجهون خطراً وشيكاً بالترحيل إذا أُحيلت ملفاتهم إلى محاكم الهجرة.
وقال المحامي إيرا كورزبان الذي مثل الهايتيين أمام المحكمة العليا إن الإجراءات الجديدة تمثل “خطة لتحويل الأشخاص الموجودين بصورة قانونية إلى أشخاص غير قانونيين”، وأضاف أن الولايات المتحدة، بصفتها طرفاً في بروتوكول الأمم المتحدة الخاص باللاجئين لعام 1967، تلتزم بعدم إعادة الأشخاص إلى بلدان يواجهون فيها تهديدات خطيرة لحياتهم، معتبراً أن ما يحدث ينتهك هذا المبدأ، وأن نظام اللجوء بات يبدو “آلة للترحيل”.
في المقابل، قالت مديرة برنامج سياسة الهجرة الأمريكية في معهد سياسة الهجرة، دوريس مايسنر، إن نقل الملفات من وكالة تعاني تراكماً في القضايا إلى أخرى تواجه تراكماً أكبر “لا يبدو منطقياً”، موضحة أن معالجة طلبات اللجوء داخل دائرة خدمات المواطنة والهجرة أقل تكلفة وأكثر سرعة من نظرها أمام محاكم الهجرة.
وأضافت أن الحديث عن استغلال “ثغرة” في نظام اللجوء غير مقنع، مرجحة أن يكون الهدف من التغيير رفض عدد أكبر من الطلبات.
ومن جانبها، كشفت “الغارديان” أن التغييرات الإجرائية جاءت متزامنة مع تسارع غير مسبوق في إصدار أوامر الترحيل. ففي يونيو وحده أُغلق أكثر من 100 ألف قضية هجرة، في حين أصبحت جلسات الاستماع الجماعية التي يصفها المحامون بـ”جلسات الترحيل الضخمة”، أكثر شيوعاً.
وفي شيكاغو، نظر أحد قضاة الهجرة في 185 قضية خلال جلسة واحدة، مقارنة بنحو 20 قضية سابقاً، في حين ارتفعت أوامر الترحيل الصادرة عن قضاة المدينة بنسبة 120% بين مارس ويونيو.
وأضافت الصحيفة أن أكثر من 20 ألف أمر ترحيل غيابي صدر خلال يونيو، في حين شكلت هذه الأوامر أكثر من ثلثي قرارات الترحيل البالغة نحو 79 ألف قرار، في حين لم يحصل سوى 1883 شخصاً، أي أقل من 2% من القضايا المنجزة، على أي شكل من أشكال الحماية.
وأشارت إلى أن عدداً من المهاجرين أفادوا بعدم تلقيهم إشعارات بتقديم مواعيد جلساتهم، أو بتجنبهم الحضور خشية الاعتقال داخل المحاكم، وهو ما أدى إلى فقدان كثيرين فرصة عرض طلبات اللجوء، وجعلهم عرضة للترحيل بمجرد صدور أوامر الإبعاد، في تطور يعكس، بحسب المعطيات الواردة في المصادر، اتساع الفجوة بين تسريع إجراءات الهجرة وضمان الحق في الوصول إلى الحماية والإجراءات القانونية الواجبة.
